الاثنين، 24 أكتوبر، 2011

الأقباط .. مجتمع موازٍ




لن ينتهي التمييز الديني في مصر وما يترتب عليه من أحداث عنف طائفي إلا إذا فعلنا أمرين:
أولهما نتيجته قصيرة الأمد وثانيهما نتيجته طويل الأمد.

أما الأول فهو أن يتحلى المسلمون المعتدلون بالشجاعة الكافية للرفض العلني لكل تمييز على أساس ديني وجرائم ترتكب باسم الدين ضد الأقباط.

أما الثاني فهو أن يخرج الأقباط من عزلتهم ويندمجوا أكثر في المجتمع كمواطنين وليس كمسيحيين, وهذا هو موضوعي الآن.


أسباب تاريخية مقترحة لإنعزال الأقباط:

يرجع البعض أسباب هذا الانعزال إلى الخلاف السياسي الذي نشب بين مصطفى النحاس ومكرم عبيد وما ترتب عليه من خروج مكرم عبيد كرمز لانخراط (مع الاعتذار للعصار) الأقباط في الحياة السياسية المصرية من المشهد الوطني.

والبعض يرجعه إلى السياسة التي تبناها الراحل السادات عندما فتح الباب واسعا أمام تيارات الإسلام السياسي ليحارب اليساريين وأضاف لأنوره محمدا ودعا نفسه "رئيسا مؤمنا" وقال مقولته أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة يسكنها الأقباط إلخ.

وبالبعض يرجعه لما قبل هذا والبعض لما بعد هذا, لكن حيث أنه لا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب فضلت أن أبحث عن الأسباب الحالية وأبعادها ونتائجها.


هل الأقباط فعلا منعزلون عن المجتمع أم هي مجرد إفتراءة؟ (دلائل الانعزال)

في القراءة العابرة للمشهد المصري قد يبدو أن الأقباط غير معزولين (أو عازلين أنفسهم) عن المجتمع, فكل المصريين يسكنون مع بعضهم البعض, يتحدثون نفس اللغة بل واللكنة, كل المصريين يعيشون ويتعايشون ويتزاملون ويئنون ويتمتعون بنفس الحقوق ومطالبون بنفس الواجبات بموجب القانون اللهم إلا ضعف تمثيلهم في المجالس والحكومة .. لكن المدقق, يرى أن الأقباط يعيشون في جزائرهم المنعزلة عن المجتمع على المستوى الفردي والعام.

الأقباط في مصر على اختلاف مذاهبهم (كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت) خلقوا لأنفسهم مجتمعا موازيا, مركزه الكنيسة, لا يربط الفرد فيه بالمجتمع الأكبر إلا ما لا بد منه.

فما أن يولد وينمو حتى يتعلم حسن الأخلاق بجانب تعاليم الدين في فصول التربية الكنيسة, ويختار أصدقاءه المقربين من "أبناء الكنيسة", وليطمئن عليه والداه يرسلاه إلى نادي الكنيسة, ورحلته السنوية الصيفية يخرجها مع مؤتمر الكنيسة, ونشاطه الاجتماعي يترعرع في اجتماع الكنيسة, ويحصل على عمل من معارف الكنيسة,  ثم يختار خطيبته ممن عرفهم في الكنيسة, وإذا سكن مغتربا اختار بيت الكنيسة, وإذا فكر في الهجرة بحث عن وسطاء في الكنيسة, .. والانعازل لا يتوقف هكذا على مجرد تقاليد أو ممارسات, لكن - شأنه شأن كثير من أمور مجتمعنا- يُلبس ثوب القداسة, حتى أن من لا ينهج هذا النهج يُحكم عليه بأن العالم قد أخذه أو غافل عن روحياته.


كيف يتم تبرير هذا الانعزال؟

عذاب حرق النار أهون كثيرا من عذاب تأنيب الضمير, ولذلك تجد المجرمين دائما ما يبتدعون أسبابا تبرر لأنفسهم جرائمهم. وهذا هو حال كل مقصر أو قليل الحيلة, يخلق لنفسه منظومة من المبررات التي تبرر تقصيره أو تخفف من احساسه بسلبيته وقلة حيلته.

ثقافة فهم الدين في مصر تغيرت, ففضّلت قيم التواكل عن العمل, رفعت من شأن الاعتمادية على البدء فورا بالقيام بالواجب, ثقافة تبرر إلقاء المسؤولية عن الأكتاف وانتظار أن يبعث الله أخرا ليحملها.

يتذكر الأقباط جيدا جدا أنه "ليس الزارع شيئا ولا الساقي لكن الله الذي ينمي" ويتناسون أن الله لن ينمي إن لم يزرعوا هم أولا ويسقوا بأيديهم. يتاملون كثيرا قول الإنجيل "إلق على الرب همّك" و "لا تهتموا بالغد" ولا يلتفتون أن الإنجيل لم يقل مرة "ألق على الرب مسؤوليتك!".

وفي مثل هذا الجو الثقافي تبرز أقوال عامة مثل "ربنا يحلها" و"بكرة تفرج" و"خليها على الله" وغيرها من عبارات الحق التي يراد بها باطل .. فالله لن يحلها أو يفرجها إن لم تتحمل أنت مسؤولتيك كاملة.


ما هي نتائج انعزال الأقباط عن المجتمع؟

كما ألوم المرأة على قبولها لتهميش المجتمع لها والحط من قدرها وقدراتها, هكذا ألوم الأقباط أولا إذا تكلمت عن التمييز الديني ضدهم, فإن لم يسع المظلوم جاهدا  ليطالب بحقه ويرفع الظلم عنه فلا يلوم إلا نفسه.

في أحداث ماسبيرو الأخيرة والمذبحة التي راح ضحيتها عشرات القتلى من الأقباط, أحزنني كثيرا لا مبالاة المجتمع وتجاهله لتلك الجريمة البشعة التي تطعن قلب كل من يدعو نفسه إنسانا, أحزنتني, لكنها لم تدهشني. فتلك الّا مبالاه, بل ومسلسل الاعتداء الهمجي على الكنائس الذي بات حقا سخيفا, ليست وليدة اللحظة. لكنها نتيجة متوقعه لهوّة تفصل بين مسلمي المجتمع وأقباطه.

الآن لا يجد المسلم العادي صعوبة أن يصدق ما قيل له أن هناك أسلحة مخبأة في الكنائس. أو أن يردد ما سمعه أن الكنيسة تحبس وتعذب (وتطلق الأسود أحيانا!) بل وتقتل من يريد اعتناق الإسلام. وقد قال ليه مرة أحد أصدقائي حاصل على بكالريوس هندسة  أنه على يقين أن المسيحين يطفئون الأنوار في الكنائس ليقبل رجالهم نسائهم ثم ينصرفوا لشرب الخمر!! .. شخص كهذا من البديهي جدا أن يصدق قول شيخ أن الأقباط يسحرون ويشعوذون في كنائسهم.

لكنّي في كل هذا لا ألومهم بقدر ما ألوم المسيحيين أنفسهم. فهم أنعزلوا عن المجتمع و انعزلوا ثم انعزلوا وأمعنوا في الانعزال حتى اصبحوا بمثابة صندوق أسود لا يعلم المسلم العادي ما يدور داخله. مثل قصر قديم في قلب المدينة, لم يخرج منه ساكنيه منذ عشرات السنين , فقيلت فيه الأقاويل وخلقت حوله الأساطير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق