الخميس، 13 أكتوبر، 2011

رثاء وطن



كظباء ظمآنة في صحارٍ جرداء, بحثتُ عن رحمةٍ في قلوب البشر .. قلوبٌ لحمية ٌ أضحت حجر .. آهٌ واحدةٌ, من بين آلافِ, تفلقُ الأحجارَ وتشقُ الجبالَ, لم تترك داخلهم أثر.. أناسٌ, منزوعي الإنسانية, أو وحوشٌ تنكرت في أشكال ناس .. عيونٌ عمياءٌ, أعماها التعصُب, وكم مِن عُميانٍ عنهم مبصرين .. مسوخٌ, تلبس أقنعة, تخفي خلفها كراهية وبغض وكل بلاء.

صدورٌ تجيش فيها بحار الحَنَق, عقولٌ تراكم عليها تلال الصدأ .. أيادي تسرع لسفك الدماء, وأرجل سريعةٌ للهـرب .. آذانٌ لا تسمع إلا تعصُب, أنوفٌ شهيقها وزفيرها تعصُب, ألسنة لا تنطق إلا تعصُّب تعصُّب تعصُّب.

أصرخُ فيك أنتَ, نعم, أنتَ, لا تتلفت حولَك .. أصرُخُ علّك تقوم من سُبات موتِك .. علّ تنتفض العظام مرة أخرى, وتدُب فيها الحياة من جديد .. رائحة نتانة الموتِ ملأت الأجواء .. قبورٌ مفتوحةٌ, وموتى يسيرون, يَّدعون الحياة .. قف للحظة, وانظر مرة ً في مرآةٍ .. ألا ترى كيف يداك ملطخة بالدماء؟ ألا ترى كيف جسدك مُغطـَّى بوحلٍ دفنتُ فيه نفسـِك لزمانٍ وزمان؟

يولدُ الناسُ, يحيون, ثم يموتون, لكن ما حدث من أيامٍ كان فاجعة .. كان صوتَ ناقوس الخطرِ .. كان رايــة سوداء عُلِقــَـت فوق صورة وطن .. يومَ أن دهَـسَت مجنزراتُ جسد وطن .. يومَ أن تناثرت أشلاء وطنٍ على الأسفلت .. لستُ أرثي الموتى فهم في رحمة الله, لكنّي بحزنٍ عميقٍ أرثي الأحياءَ .. الأحياءُ الذين لم تتحرك مشاعرهم لقلبٍ مكلوم .. الأحياءُ الذين منعهم تعصُبهم الأعمى عن طلب الرحمة للموتى .. الأحياءُ الذين أغمضوا عيونهم كأنهم لم يبصروا, وسدّوا آذانهم كأنهم لم يسمعوا .. الأحياءُ الذين فشلوا أن يُثبتوا إنسانيتهم يومَ الإختبار.

هل يقبل الله في جِنانه غلاظ القلوب؟ .. هل يرحم الله من لا يرحمون؟ .. هل يُشفق الله على من لا يُشفقون؟
رُحماك يا رب رُحماك .. تأنّى علينا الآن, فهي غُمّة, وبإذنك سوف تزول.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق