الجمعة، 24 فبراير، 2012

صكوك غفران القرن الواحد والعشرين؟


في عام 1516 بعد الميلاد, وفي عهد البابا  ليون العاشر بابا الكنيسة الكاثوليكية, أرسلت الكنيسة القس جون تتزل إلى ألمانيا ليبيع ما يسمى "صكوك الغفران" ليجمع أموالا لبناء كاتدرائية القديس بطرس الكبرى في روما.

ولسبب ما, منع الأمير فريدريك الثالث, حاكم ولاية ساكسونيا, القس تتزل من بيع صكوك الغفران على أرضه. فسافر أبناء تلك الولاية إلى الولايات المجاورة حيث كان مسموح للقس أن يعمل, للحصول على صكوك الغفران  وليساهموا أيضا بأموالهم لبناء الكاتدرائية العظيمة في روما.

كاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان

وبعد شهور, وفي كنيسة مدينة فيتنبرج, إحدى مدن ولاية ساكسونيا, جلست إمراة مع قس ألماني, لتعترف وتتوب عن خطاياها لتنال عنها غفران كعادة المسيحيين. وبعد أن أقرّت ببعض الخطايا التي ارتكبتها, أخبرته أنها ليست في حاجة إلى غفران لأنها قد نالته من القس تتزل وأظهرت له صك الغفران الذي اشترته.

استشاط القس الألماني غضبا, والذي كان أستاذا في علم الاهوت أيضا , وأخبرها أن الغفران عطية إلهية, تُعطى فقط للتائب ولا يمكن أن تُشترى بمال. وكتب جوابا لألبرت, أسقف المدينة يعلن رفضه التام لما يسمى صكوك الغفران.

صورة أصلية للأطروحات الـ 95

وفي مساء  31 أكتوبر عام 1517, ليلة عيد جميع القديسين (الهالويين), كتب ذلك القس الألماني 95 أطروحة, يدحض فيها فكرة صكوك الغفران ويعترض على أداء الكنيسة الكاثوليكية عامة, وعلقها على مدخل كنيسة مدينة فيتنبرج, حتى يتثـنى قرائتها لكل داخل للكنيسة. وكانت الأطروحة رقم 86 نصها: "إذا كان البابا ثروته اليوم أكثر من أغنى الأغنياء, فلماذا لا يبنى كاتدرائية القديس بطرس بأمواله الخاصة بدل من أموال فقراء المؤمنين؟".




بفضل الطباعة التي كانت اختراع جديد وقتها, تم طباعة الأطروحات الـ  95 بأعداد كبيرة, حتى أنها في غضون اسبوعين فقط انتشرت في كل ألمانيا وفي أقل من شهرين وصلت إلى أطراف أوربا.

وبسبب زعزعة السلطان الديني, ومن ثم السياسي, للكنيسة الكاثوليكية. اندلعت سلسلة حروب بين معظم بلدان أوربا لأكثر من مائة عام, كانت في بدايتها ذات طابع ديني لكن سرعان ما اختلط الديني بالسياسي, حتى قال أحد المؤرخين أنهم لم يعودوا يعرفوا لأجل أي شيء يحاربون!.

أنتهت سلسلة الحروب تلك بحرب الثلاين عام في ألمانيا, والتي بسببها انخفض عدد سكان ألمانيا إلى الربع وقُتل فيها أكثر من نصف الذكور الألمان.

هذا القس الألماني هو مارتن لوثر, وهذا المذهب الجديد هو البروتستانتية. وحيث أن الفكرة لا يقتلها سلاح, فرغم كل تلك الحروب يبلغ عدد المؤمنين اليوم بالمذهب البروتستانتي الذي أسسه مارتن لوثر حوالي ثـلث عدد المسيحيين على مستوى العالم أغلبهم في أمريكا وأوربا.


* * *
عندما قرأت عن ذلك الفصل الأسود والمخزي ليس في تاريخ المسيحية أو أوربا فحسب, بل البشرية جمعاء, تذكرت مبادرة الشيخ حسان لجمع المعونة الأمريكية.

* * *

قد يجتهد أحدهم, ممن يوافقني الرؤية, أن تلك المبادرة ما هي إلى صورة آخرى لجمع الأموال لبناء كاتدرائية القديس بطرس وأن الاختلاف الوحيد هو 500 عام على مقياس الزمان وآلاف الكيلومترات على مقياس المكان.

وقد يجتهد آخر, ممن يخالفني, ويرى أنه لا علاقة بين الحدثين حتى تتم المقارنة.

من حقك ان تتـفق من هذا أو ذاك لكن دعني أريك كيف أربط بين الحدثين.

اعتراضي على مبادرة الشيخ حسان تلخصها اجابات 4 أسئلة, وهي:

1-      من يجمع النقود؟
2-      ممن يجمعها؟
3-      لمن يجمعها؟
4-      لماذا يجمعها؟

ما يعنيني الآن هو إجابة السؤال الأول, لن أتكلم عن نيته بالطبع فالله أعلم بالنيات. لكن الحقيقة هي أن من يجمع النقود رجل دين واسع النفوذ, وله سلطان ديني -لا أهتم قانوني أو غير قانوني- ومن ثم سياسي على قطاعات عريضة من الشعب. وبالتالي, فإنه يختلط على المتبرع, خاصة من لم ينل قدر كافي من المعرفة والثقافة, وهم أغلبية, ما بين إذا كان التبرع لأجل هدف وطني نبيل (الاستغناء عن المعونة الأمركية | بناء الكاتدرائية) أو لأجل تلبية دعوة دينية (دعوة الشيخ حسان | قرار بابا روما) أو للحصول على مقابل؟ (حسنة | غفران).

* * *

قانون بقاء الطاقة لـجميس جول يقول أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم لكنها تتحول من صورة إلى أخرى.

اخترع الانسان الموتور الذي يحول الطاقة الكهربائية إلى ميكانيكة, وطواحين الهواء التي تحول طاقة الرياح لطاقة كهربائية وهذا حسن .. أما إذا رأيت الانسان يحول الطاقة الدينية لطاقة مالية تخدم مصلحة ما أو العكس, فانصت إلى صوت ناقوس الخطر.