الاثنين، 1 أكتوبر، 2012

أفكار متعسرة - هل أنا مخير أم مسير؟ ومبدأ اللا يقين


زمان وانا صغير كنت بقول لنفسي: مش ربنا عارف كل حاجة؟ عارف كل حاجة حصلت وهتحصل؟
طيب أنا دلوقتي لو مسكت بونبوناية وقررت اني أحطها في إيد من إيدا .. هل ربنا هيكون عارف مسبقا أنا هحطها في أنهي إيد؟
ماهو لو ربنا كان عارف مسبقا اني هحطها مثلا في إيدي اليمين, فتفكيري ملوش قيمة! لأني لو فكرت دقيقة هحطها في اليمين, وإذا فكرت ساعة هحطها في اليمين, وإذا قعدت افكر 3 ايام برضة في آخر هحطها في إيدي اليمين .. وبما أن ربنا عارف كل حاجة مسبقا فأنا مش مخير!

بس في نفس الوقت .. أنا في كل لحظة من لحظات التفكير أملك الحرية الكاملة اني أحطها في ايدي اليمين أو الشمال, ومفيش أي قوة تؤثر عليا أو تدفعني ان احطها في ايد معينة .. إذا أنا مش مسير .. انا مخير!

الأفكار ديه كانت في دماغي وانا صغير ,, جايز اكون ماكنتش اعرف مصطلح "مخير ومسير" وجايز أكون ماكنش عندي القدرة الكافية إني اصوغ الإشكالية في الفاظ لكن كانت في عقلي ... 
ودلوقتي لما كبرت ومعرفتي زادت وصلت لحل اعتقد انه مرضي ليا شخصيا نوعا ما .. قلت أشيره يمكن رينا يكون فتح على حد يقولي رأيه ينفعني بيه

بس قبل ما أقول الرأي اللي انا مقتنع بيه حاليا هقول مقدمة بسيطة كده لتاريخ الرأي ده..
زمان في العصور القديمة كان الناس بيؤمنوا ان فيه قوة علية مسيطرة على الكون ومتحكمة فيه .. فيه شعوب آمنت ان القوة ديه هي الله, وشعوب قالت القوة ديه هي الآلهه, وشعوب قالت القوة ديه هي الطبيعة, وشعوب قالت النار أو الشمس أو القمر وشعوب رفضت تسمية القوة العليا ديه لكنها آمنت انها موجودة.

كانت الشعوب بتفسر البرق والرعد والمطر وزلازل والبراكين والفيضانات والأمراض انها إرادة القوة العلية وان الظواهر ديه بتحصل في وقت ما لغرض معين تعلمه القوة العلية.
فضل الحال على كده لحد انفجرت الثورة العلمية على إيد جاليليو وكبلر ونيوتن في القرن السبعتاشر ..
الثورة العلمية مش نظريات وقوانين وتجارب واختراعات زي ما ناس كتير فاكرة .. لأ .. الثورة هي "فكرة" .. فكرة أن الكون يخضع لقوانين

فيه قوانين بتحدد مسارات الكواكب وحركاتها .. قوانين بتحدد سرعة الأجسام .. الجسم المقذوف نقدر بالقانون نعرف هيكون فين وامتى وازاي بكل دقة.. قوانين بتحدد كمية الطاقة وقوانين بتحدد شدة الضوء وقوانين للأطياف وقوانين للأصوات كل حاجة في الكون تخضع لقوانين صارمة .. والكون ملهوش الحق ولا القدرة ولا الجرءة انه يكسر قانون من القوانين.


زادت ثقة الانسان بنفسه وبدأ يعتقد انه في مقدورة يعرف أي حاجة, أي حاجة, في أي وقت سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل إذا توافرت عنده المعطيات المناسبة  والقانون الصح.

بدأ بعدها الإنسان يكفر بالقوى العليا .. خلاص ماعدش ليها لزمة ..وانتشر الإلحاد.. زمان كان فاكر ان الكون يخضع لإرادة عليا طلع بيخضع لقوانين رياضية وفيزيائية ويقدر يتنبأ بالطقس والزلازل والأعاصير, ومش بس كده ..

الإنسان زاد جبروته وغطرسته وبقى بيعتقد ان مش بس العلوم الطبيعية, لأ , كمان العلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسية كلها تخضع لقوانين وبدأت تتطور نظريات علم النفس اللي بتفسر السلوك الإنسان وكان ليها قدرة على التنبؤ بسلوك الأفراد بقدر معين من الدقة , برضة إذا توافرت المعطيات والقانون.

فضلت البشرية كده تتكبر وتتكبر وتتغطرس وتنتفخ وتتشامخ لحد ما خدت على دماغها ..
مين اداها على دماغها؟
قولت انت مين؟
فكر كمان شوية !!
.
ماكس بلانك


ماكس بلانك ينسب ليه الفضل الأكبر في نظرية الكم .. كان من أهم نتائج نظرية الكم هو مبدأ "اللا يقين" اللي صاغه هاينزبرج
Uncertainty principle

هو مبدأ علمي بحت, لكن العلم والفلسفة توأم ملتصق وبالتالي كان ليه بعد فلسفي خطير.
المبدأ بيقول ان الإنسان ليس لديه القدرة على معرفة كل شيء بدقة 100%ـ

على سبيل المثال:
لو تم قذف فيض (ملايين) من الإلكترونات على سطح مايل فالنظريات العلمية ممكن تتنبأ ان مثلا 60% هينعكسوا و 30% هينكسروا و10% هيمتصهم الجسم.

لكن لم تم قذف إلكترون واحد, لا توجد طريقة يمكن بيها التنبوء بسلوكه .. فسلوك الإلكترون الوحيد بيخضع لقانون واحد اسمه "اللا يقينية" .. بالتالي كبرياء الإنسان تحطمت على صخرة اللا يقينية العلمية.

أرجع تاني للبونبوناية وأسال: هل أنا ليا حرية الاختيار أحطها في ايدي اليمين أو الشمال؟
في ضوء مبدأ "اللا يقين" وحيث أن العلم والفلسفة توأم ملتصق هقول:ـ
يمكن التنبؤ بسلوك الجماعة لكن لا يمكن التنبؤ بسلوك الفرد
يمكن التنبؤ بحصلية مجموعة من الأحداث لكن لا يمكن التنبؤ بنتيجة حادثة واحدة.

هناك قوانين تحكم المجاميع لكن لا توجد قوانين تحكم المفردات.
وبالتالي -نسبيا-  أنا لي حرية كاملة وتامة أحط البونبوناية في ايدي اليمين أو الشمال لكني مازلت مسير في حياتي كلها كمجموع ..
ايه رأيكم في الكلام ده؟ ينفع ولا ما ينفعش؟