الجمعة، 7 أكتوبر، 2011

لماذا يتقاعس المجتمع عن إدانة العنف ضد الأقباط؟



لا يدهشني عزوف كثيرين عن إبداء أراءهم جهارا في الأمور السياسية, فهناك من يخاف ومن يجهل ومن لا يهتم, فالمشاركة السياسية ليست فرض عين على كل فرد في المجتمع. لكن ما يدهشني هو الصمت المخزي, الذي يحط على الرؤوس إذا ما تعرض المسيحيون لأحداث عنف طائفي, فهذا الأمر ليس سياسيا بل دينيا, فعندما تهاجِم جماعة, باسم الدين, كنيسة, نكون أمام حادث ديني بحت, أو قل طائفي. ونحن شعب – هكذا نروج لأنفسنا – متدين. لماذا إذا الصمت؟

بالطبع يوجد متطرفون, وأي مجتمع يخلو منهم؟!, فهم ليسوا لعنة اختصتنا بها السماء. وفي محاولتي المتواضعة لفهم أسباب ذلك الصمت المشين من غير المتطرفين, استعنت بمنحنى "جاوس" الجرسي لبيان التوزيع الطبيعي لأي عينة عشوائية.
ورسمت مقياس التطرف على المحور الأفقي وأعداد الناس على الرأسي, وقسّمت المجتمع إلى 4 قطاعات حسب درجة التطرف, إرهابي ومتعصب وعادي ومعتدل.


هذا كان التوزيع الطبيعي, لكن المنحنى قد ينحرف انحرافا سلبيا لليمين أو إيجابيا لليسار, إذا ما أثرت على طبيعة التوزيع مؤثرات أخرى. وفي حالتنا في مصر, وتحت تأثير الجهل, والفقر, والفساد, والتمييز, والإحباط, وضعف الدولة, وغياب القانون, ورجال الدين المتطرفين, والقنوات الفضائية التي تبث سموم الكراهية,  انحرف المنحنى كثيرا سلبا, فصار المعتدل عادي, والعادي متعصب, والمتعصب إرهابي.



القطاع الأول "الإرهابي" - أعدادهم زادت نتيجة للمؤثرات السابقة, لكهم مازالوا أقلية.
من هو الشخص الإرهابي؟
هو ذاك الذي امتلأ قبله وعقله بكل كراهية وبغضة تجاه من يخالفه الدين, ومستعد أن يترجم كراهيته دائما لأفعال, بداخله بركان غضب متأهب, من السهل جدا استثارته, يملك مفاتيح الجنة وجهنم, لا يتردد أن يصنف الناس كافرا و مؤمنا حسبما يتراءى له, دائما على صواب, احتمال أن يدرك خطأه يكاد يكون غير وارد. إذا سألته عن رأيه في حرق كنيسة, أجابك في فخر "قد نالوا ما يستحقون, جزاءهم من جنس عملهم, قد استباحوا نسائنا, وعبدوا صلبانهم على أرضنا" إلى أخرها من المبررات التي يستحل بها لنفسه جرائمه ويبقى بها على وقود آتون الكراهية المتأجج داخله.


القطاع الثاني "المتعصب" – أعدادهم زادت بشدة, لكنهم ليسوا أغلبية.
من هو الشخص المتعصب؟
يشبه إلى حد بعيد الإرهابي, لكنه لم يصل لمرحلة تحويل مشاعره إلى أفعال, لديه دائما قناعة أن عرقه هو الأرقى, ودينه الأسمى وعشيرته الأعلى ومذهبه الأتقى. شخص يَصعُب التعامل معه, المساواه عنده مقبوله قولا ومرفوضه فعلا, فقد خلقه الله أفضل من بقية البشر. إذا سألته عن رأيه في حرق كنيسة, أجابك أنه لا يعترض وإن كان لن يفعلها .. ما حدث قد حدث.


القطاع الثالث "العادي" - أعدادهم نقصت نتيجة اتساع رقعة التطرف, لكنهم مازالوا أغلبية.
من هو الشخص العادي؟
هو المواطن العادي أو قل الكنباوي, هو أنا وأنت, لا يملك أحكاما مسبقة تجاه العنف الطائفي, لا يحرك الأحداث بقدر ما تحركه الأحداث. إن جلس مع مؤيدين أيّد معهم, وإن ناقش رافضين رفض معهم, لا يُصرِّح برأيه إلا إذا سؤل صراحة, وعادة ما يختار الحلول الوسطى. وإن لم يُسأل, يؤثر الصمت.
قد يؤثِر الصمت, لأنه يخشى مواجهة أحد المتعصبين الذي سوف يتهمه بضعف موقفه عن نصرة دينه. وقد يؤثر الصمت لأنه يخشى أن يجانب الصواب ويصدر حكما خاطئا. مثل هذا تجنب كثيرا أن يصف بن لادن مثلا أنه إرهابي رغم أنه اعترف (صادقا أو كاذبا) أنه قتل الآلاف بدون ذنب, فهو يخشى أن يصدر حكما كهذا, فلعل ذاك المعتدي صدق النية لكن أخطأ الوسيلة.
إذا سالته عن رأيه في الاعتداء أو حرق كنيسة, تردد قليلا ثم قال الأقباط أيضا قد أخطأوا, محاولا أن يرر خطأ المعتدين بخطأ المعتدى عليهم, وقد يستتبع ويحاول أن يلتمس أعذارا للمعتدين مثل أنهم قد استفِذوا, وما كان هجومهم إلا ردة فعل.
وإذا عاتبه ضميره الإنساني عن تقصيره في إدانة الاعتداء, سانده لسان حاله وسأله: لو عكست الأيه هل كان الأقباط سوف يدينون الإعتداء على المسجد؟ بالطبع لا, فلماذا أقف في صفهم إذا؟!
يرى أن أولئك الأقباط الغاضبون لم يغضبوا لحق (وإن كانوا يملكونه), بل لبني دينهم, فلا يوجد إذا مبرر من الانحاز لهم.
وهكذا يقود نفسه في فلسفته الفردية حتى يشعر نفسه بسلامة موقفه وحكمة تصرفه.


القطاع الرابع "المعتدل" – أعدادهم نقصت بشدة, لكنهم مازالوا بيننا
من هو المعتدل؟
هو ذاك الشخص الذي لديه القدرة على الحكم على الفعل دون النظر إلى هوية الفاعلين, يتمتع باستقلالية ذاتية, لا يخشى إبداء رأيه وإن هاجمه المتعصبون وهدده الإرهابيون, يقيّم الأمور كما يراها وليس كما يريد أن يراها.


* * *


قالوا أن الساكت عن الحق شيطان أخرس, وأنه تكفي سلبية الأخيار حتى يسطو الشر.

أو كما صاغها إينشتاين: الذين يتسامحون مع الشر هم أخطر على العالم من أولئك الذين بالفعل يرتكبونه.

أزعم أنه لو اجتمعت القوى العالمانية والصهيونية والماسونية والإمبريالية والكنفشيوسية العالمية على هدف واحد وهو إيذاء دينا وتشويه صورته لما نجحوا بقدر ما ينجح صمت متّبعيه على حماقات وجرائم ترتكب باسم الدين في وضح النهار ... وكل صامت, ملوم.
اللهم قد بلغت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق