الاثنين، 25 أبريل، 2011

الازدواجية .. تغييب أم خداع للعقل؟


بعد يوم عمل طويل وفي طريق عودتي للمنزل أخذت مكاني على مقعد في عربة المترو في محطة رمسيس "حسني مبارك سابقا" ومع العلم إنني لست من هواة التسابق على المقاعد الخالية إلا أني كنت منهكا يومها جدا وشكرت ربنا لمّا وجدت مقعدا خاليا فقررت أن أجلس وسندت رأسي على المسند بجواري وقد رخيت جسمي منتظرا مرور 8 محطات حيث اعتدت أن أنزل في محطة فيصل.

بعد محيطات قليلة صعد إلى العربة - من باب الصعود! - رجلٌ و امرأتان منتقبتان وكانت العربة قد أخذت تزدحم قليلا, الرجل تقريبا في منتصف العقد السادس من عمره والمرأتان تبدوان إحداهما زوجته والأخرى ابنته أو شيئا من هذا القبيل, وبالرغم من أني من أولئك الشباب الذين كثيرا ما يسمعون عبارات من أمثال "شكرا يا حبيبي" و "ربنا يخليك يا ابني" في المواصلات العامة حين أترك مقعدي لرجلٍ أو امرأةٍ مسنة إلا أنني قررت ألا أترك مقعدي لسببين, الأول وهو الذي قلته لنفسي هو أنني متعب وأحتاج للراحة والثاني وهو الذي خبأته في قلبي هو أن المرأتين منتقبتين (نعم أعلم أنها عنصرية بغيضة), أصل كلام بيني وبينك في السر أنا ما بحبش الستات المنقبات بحسها كده كأنها بتشتمني أو بتعاملني على أني حيوان مستني يشوف اللحمة عشان ينهشها (ومن فضلك لا تترك تعليقا يتعلق بموضوع النقاب لأنه ليس موضوعي الآن), المهم, بدأت المرأتان تجولان بناظريهما على المقاعد كأنهما تبحثان عن مكانٍ خالٍ ولسان حال أعينهما المستترة يقول "يالا حد يخلي عنده دم ويقوم عشان نقعد", لكن من الواضح إن مش أنا بس اللي ماكنش عندي دم, فقد لم يقم أحد ليجلسهما.

تنتن تنتن, صفرت الصفارة مرتين, أُغلق الباب و تحرك القطار مكملا رحلته, تحرك معه عقلي وقلبي في جدلٍ قصيرٍ لكنه عميق, قلت لنفسي: ما بالك جالسا هكذا بمنتهى البرود وأمامك امرأة عجوز واقفة, هَبْ أنها أمك, هل كنت لتتركها واقفة هكذا؟؟ قم الآن كشهمٍ واترك لها مقعدك .. لكني كل يومٍ أترك مقعدي لآخر, أنا شهمٌ أما اليوم فأنا بحق متعب, انتظر قليلا لعلهم نازلون المحطة القادمة .. هل لم تقف بعد؟ قم الآن ولوِّح بيدك اليمنى للرجل العجوز ليرسل إحدى امرأتيه لتجلس مكانك, وهذا بدوره سوف يُكسب ديانتي بنطا عندما يرى الناس شابا موشوم ساعده بصليب يترك مكانه لمنتقبة .. هل جننت؟ هل حقا ستترك مكانك لامرأة خبأت وجهها حتى لا تراها؟ هل ستفعل خيرًا مع رجل يحسبك كافرًا؟ .. وهكذا امتلأ رأسي المُتعَب بأفكارٍ متواترة سريعة لكنها كثيرة حتى أخيرا حسمت أمري أني ... لن أترك مقعدي أبدا, وتنفست الصعداء مستريحا لقراراي الذي أخذته.

وما كدت أرخي جسمي ثانية طاردا عن رأسي تلك الأفكار حتى حدث ما لم يكن في الحسبان, فقد قام الشاب الملتحي عن يساري داعيا المرأة العجوز أن تأخذ مكانه, يبدو أنه كان في معركة فكرية داخلية هو أيضا لكنه ذهب لعكس ما ذهبت أنا, شَكَرَته المرأة الوقور وجلست بجواري, تبعها الرجل و المرأة الأخرى ووقفا أمامنا, شعرت بالحرج للحظة لكني لم ألتفت إليهما لأن هذا سوف يزيد حرجي وأخذت أردد بداخلي حيثيات قراري الأخير حتى لا أتوانى و ظللت أُذكّر نفسي أني متعب وأن هؤلاء القوم يحسبونني كافرا وغيرها من الأفكار التي تشدد من أزري. قطع حبل أفكاري صوت رجل عجوز يقول لي: "يا أستاذ" فالتفتُ, فأضاف "ممكن لو سمحت بعد إذنك عشان المدام حامل" وأشار إلى المرأة الأخرى الواقفة. بدون تفكير وفي لمح البصر تركت مكاني وذهبت إلى باب العربة حيث كانوا هم واقفين, تبعتني عبارات استحسان و شكر لكني لم أستمعها جيدا لأني كنت متوترا.

بعد بُرهة عنّفني فكري قائلا: ها أنت قد وقفت ولم تستطع أن تجيب الرجل ولو بكلمة واحدة يالك من جبان. فأجبت نفسي: أنا فعلا قد قررت أني لن أقوم لكني لم أكن أعلم أن المرأة حامل. قاطعني فكري ثانية: هه, أنت ساذج, أي امرأة لكي تقيم رجلا تقول أنها حامل, ثم هَبْ أنها فعلا حامل, لماذا جلست المرأة الأخرى أولا؟ كان بالأولى أن تترك صاحبتها الحامل لتجلس أولا, ههه لقد خدعوك وكذبوا عليك وأنت شربتها كمعتوه. وهكذا ظلت الأفكار تراودني وتطاردني حتى أخيرا وصل القطار محطة فيصل فهممت بالنزول.


إنها الازدواجية, ازدواجية الفكر, التي دائما ما تضع صاحبها في مأزق حينما يكون للمرء معايير مختلفة في الحكم على الأمور. والحياة مليئة بالمعضلات ونحن ملآنين بالنزعات. أذكر على سبيل المثال هؤلاء القوم ذوي خلفية "إحنا آسفين يا ريس" فكثير منهم تحت وطأة التأثير الإعلامي رضخوا أخيرا أن الرئيس السابق لم يكن الرجل الكفء الذي حسبوه بطلهم لكنهم مازالوا متعلقين به عاطفيا لذلك تجدهم يرفضون أن يحاكَم و إذا سألتهم لماذا يقولون "حرام", فهم وقعوا في الازدواجية ما بين شعورهم بالرأفة ناحية إنسان طالما أحبوه وبين وقائع فساد وإهدار المال العام تملأ الجرائد كل يوم.

وأيضا صفحات الفيسبوك من أمثال شباب 6 أبريل أو كلنا خالد سعيد وكثير من الشباب المصري فمع احترامي الشديد وتقديري لهم إلا أن أحدهم لم يحرك ساكنا لقضية المدون المصري الذي حُكِمَ عليه بالسجن كنتيجة لرأي قاله, فبالرغم من أنهم يتحدثون كل يوم عن المصري الجديد وضمان حرية الرأي و التعبير إلا أنهم أيضا سقطوا في فخ الازدواجية اللعين, ما بين مطرقة رفض المحاكم العسكرية للمدنيين والدفاع عن حرية الرأي و سندان فقدان كثير من الشعبية إذا دافعوا عنه لأنه يحمل موقفا مغايرا تجاه إسرائيل.

ازدواجية أيضا يسقط تحت رحاها عشرات الملايين من المصريين, الذين يتحدثون ليل نهار عن المواطنة وعن تساوي جميع المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين أو الجنس أو اللون, ثم تجدهم يرفضون أن يتولّى عليهم محافظ قبطي أو رئيس قبطي. هم يئنون تحت عجلات ازدواجية الفكر, ما بين مبادئ دينية وإنسانية ووطنية ترسخت في أذهانهم عن أن الجميع سواء وما بين فتوى أحد أو بعض الشيوخ عن حُرمة أن يتولى قبطي على مسلم, ولهذا تخرج مواقفهم مشوبة بازدواجية عجيبة.

لستُ أدعي المثالية لكن من حقي أن أبحث عنها, فأنا أيضا في حياتي اليومية أتحسس ازدواجيتي في كثير من الأمور, فأحيانا أتعرض لموقف ما مرتين, أتصرف في كل مرةٍ تصرفا عكس الآخر, في المرة الأولى أبرر موقفي بأني كنت أطيع والديّ و المرة الثانية أبرر موقفي بأنه من حقي أن أستقل و أن أفعل ما يحلو لي. ولمّا أرى حرب الإرهاب فكري قد أضرمت, أغضب بشدة وأكتب وأتحدث مع هذا وذاك عن حرية الاعتقاد وحرية الاختيار وما أن أجلس إلى نفسي حتى أجدني لم أختر يوما ما هي عقيدتي!.

هناك ملاحظة أخيرة, لم يتوقف القطار ليسألني سائقه عما أصابني من حيرة بل أنا الذي نزلتُ في محطتي. لم يعقد ركاب القطار مؤتمرا جماهيريا ليبحثوا معي ما راودني من أفكار وعن موقفي تجاه الرجل و المرأتين المنتقبتين.
فسوف تظل الحياة مليئة بالمعضلات وسوف نظل نحكم بمعايير مزدوجة. وسوف نظل نتفلسف ونتحذلق ونتفزلك و نتحلفص (لا تسألني عن معنى نتحلفص) حتى نبرر مواقفنا ونُطمئِن أنفسنا لسلامة مبادئنا بينما قطار الحياة .. يسيــــــــــــــــــر.

هناك تعليقان (2):

  1. الكون بلا تفكير عقيم فالفضاء اكبر بكثير من حدودالارض ومن عليها ولكنه غير مشغول الا بتسبيح وتمجيد الرحمن اما الانسان فهو مفكر لانه سيقرر اى طريق يختار ومن ثم يحاسب على اختياره ارى ان الانسان اعظم ما خلق الله والمفكرين من بنى البشر هم المميزون وازدواجية الفكر هى محصلة العقائد والافكار فعليك ان تفكر جيداوتعتقد بالصواب وربما تصل الى الرشد وعليه فالمقال اكثر من رائع وراى هذا بدون ازدواجية لانى لن انافقك

    ردحذف