الاثنين، 29 أبريل، 2013

أزمة المدرسة السلفية في تفسير الأمور الدينية


اخبرني صديق باعترفه لكاهن بانه لا يحب الزواج على طريقة الصالونات لانه لا يراها الطريقة المُثلى لاختيار شريكة حياته, فما كان من الكاهن إلا بتوجيه صديقي وتوضيح له زيف اعتقاده, إذ أن زواج الصالونات مذكور في الكتاب المقدس. فإبراهيم أبو الآباء عندما إراد تزويج ابنه اسحق -وحتى لا يتزوج بفتاة من بنات الكنعانيين حيث كان يقيم آنذاك- ارسل أحد عبيده لأرض أرام النهرين إلى مدينة ناحور, ومن هناك اختار له زوجته رفقة, وقد بارك الله تلك الزيجة (تكوين 24). انتهى.

هنا تبدو حُجة ذلك الكاهن الكتابية قوية ولا رادٍ لها, فهو استند إلى نصوص كتابية صريحة يتعذّر معها التأويل. وتلك الطريقة في الأتيان بالحُجَج غالبا ما تكون بمثابة الضربة القاضية إذا ما استخدمت في أي حوار ذو بُعد ديني, إذ يستدَّ بَعدها كل فم.

لكن التسليم المطلق بصواب طريقة المدرسة السلفية هذه في سياق الحُجَج يضعنا في مواجهة مباشرة مع مشاكل ومعضلات كثيرة يصعُب أن تجد لها حلولا منطقية يقبلها العقل بسلاسة دون ضغوط دوجماطيقية. والجدير بالذكر أن طريقة التفكير السلفية هذه ليست قاصرة على حزب النور أو التيار الإسلامي المحافظ أو المتدينين من المسلمين, لكنها مدرسة تؤسس لمنهج فكري لا يرى الصواب إلا في الماضي وما سار على درب الماضي. وتلك المدرسة الماضوية هي المسيطرة اليوم على عقول عموم الشرقيين على اختلاف اديانهم.

أعود وأقول ان استخدام ذلك المنهج السلفي البحت في معاجة العقائد الدينية المسيحية يتوجب معه حل كثير من المعضلات حلول منطقية حتى يتحقق الانسجام بين العقل والروح. ودون إيجاد حلول منطقية وافية لتلك المعضلات نصل لنتيجة من اثنتين:

  1.  أن يتحول الإيمان لمجموعة من العقائد والممارسات تُؤخذ على علاتها دون فحص, فتزداد المحرمات والخطوط الحمراء التي لا يجوز الاقتراب منها. فيتطرف ذلك الشخص في إيمانه, ويَحكُم على من تجرأ على الدخول لتلك المناطق المحرمة بالكفر والضلال وضعف الإيمان. وتلك هي النتيجة التي وصل إليها الكثيرون بالفعل.
  2.   الإلحاد. فبعد أن يعجز الشخص عن تحقيق التوافق المرجو بين عقله وإيمانه. يذهب إلى أن العقائد الإيمانية ليست إلا أمور بشرية موضوعة. وهذا التيار آخذ في الإزدياد في البلدان الشرقية خاصة بعد بسط العلم والتكنولوجيا لنفوذهما على كافة مناحي الحياة ونمو النزعة العقلانية بين الشباب وعدم إدراك المؤسسات الدينية لأبعاد هذا التغيُر السريع.
* * *

وفي حديثي عن معضلات المنهج السلفي في تفسير أمور الإيمان المسيحي أذكر مثالين -ليسا على سبيل الحصر- أحدهما من العهد القديم والآخر من العهد الجديد.

مثال لمعضلة (1) - التحريم في حروب بني إسرائيل:
تذكر اسفار العدد والتثنية ويشوع عن الحروب التي خاضها بنو إسرائيل بأوامر ومعونة إلهية لتملك الأرض الموعودة. فحاربوا الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين وحرموهم  ومدنهم بحد السيف. ومكتوب في تثنية 2 أن بني إسرائيل هزموا سيحون ملك حشبون وحرَّموا (أي قتلوا) الرجال والنساء والأطفال ولم يبقوا شاردا.
هنا يتسائل لسان حال قاريء القرن الواحد والعشرين, كيف يأمر الله بني إسرائيل بارتكاب  تلك الجرائم البشعة والإبادة العرقية التي تستوجب المحاكمة أمام الجنائية الدولية في لاهاي.
و الردود تكون كالآتي:

  •  ان الشر كان قد استفحل في تلك الشعوب ووصل لمرحلة لا رجوع منها فأهلكهم الله كما أهلك سدوم وعمورة بالنار والكبريت وكما هلكت الأرض بالطوفان وبنو إسرائيل لم يكونوا إلا أداة في يد الله كما كان الطوفان قديما.
  •  هذا كان درسا عمليا لبني إسرائيل حتى لا يرتكبوا خطايا تلك الشعوب, فكما سلمهم الله لأعدائهم هكذا يسلم الله بني إسرائيل لأعدائهم إذا عصوه, وهو ما حدث بالفعل في سبي آشور وبابل.
  •  أن تلك الشعوب كانت تمثل مملكة الشيطان التي لابد من إبادتها أولا لإقامة مملكة الله التي يمثلها بنو إسرائيل.
  •  أو على طريقة لا تجادل ولا تناقش يا أخ علي, أن الله كلي الحكمة والمعرفة ولا يجوز السؤال لماذا فعل هذا أو ذاك.
وغيرها من الردود التي لا تقنعني أنا شخصيا لكونها تتناقض مع الصورة الذهنية المرسومة في عقلي عن الله. فأي عقل يستطيع أن يتقبل ان تغزو دولة بجيوشها دولة أخرى ويطردوا سكانها ويستولوا على أرضها ويقتلوا نسائها واطفالها بالقنابل النووية بحجة أنهم أشرار أو أن الله قال لهم افعلوا ذلك!


مثال لمعضلة (2) - العبودية في المسيحية:
رغم أن الانجيل به نصوص صريحة تمنع النفاق والسرقة والغش و .. إلخ. إلا أنه ليس هناك نصوص صريحة تمنع عبودية الإنسان لآخر. بل على العكس نجد نصوص مثل (1 تيموثاوس 6: 1,2) تحدد علاقة السيد بالعبد والعبد بالسيد, مما يعني ان المسيحية وافقت على وجود العبودية وتعاملت مع ذلك الواقع. غير اننا نعتبر الآن العبودية أمر مذموم إنسانيا وأخلاقيا وقد أقرت الأمم المتحدة في المادة الرابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 أن الاستعباد جريمة وحظرت تجارة الرقيق بكافة أشكالها وأنواعها.
وإذا تسائل أحد عن موقف المسيحية السلبي من العبدوية جاءت الردود كالآتي:

  •  وضعت المسيحية مفهوم جديد للسيادة والعبودية, فالسيد هو الخادم والعبد هو عبد الخطية.
  •  المسيح لم يأت لتأسيس ممكلة أرضية بل سماوية, وهو سعى لتغيير الإنسان من الداخل وليس لتغيير الانظمة السياسية والاجتماعية ولذلك لم يتطرق لسن قوانين جديدة.
  •  ان الرسل لم يريدوا الاصطدام مع الدولة الرومانية التي تبيح العبودية, لكنهم فرَّغوا العبودية من محتواها عن طريق حث الاسياد والعبيد على المعاملة الجيدة المتبادلة وذلك بدوره اضعف العبودية شيء فشيء حتى اختفت.
لكن كل هذه الردود وغيرها لا تغير من حقيقة ان المسيحية تعاملت مع العبودية وفي ذلك إقرار بوجودها وشرعيتها.

* * *

كانت تلك مجرد أمثلة للأزمات التي تقودنا لها المدرسة السلفية في تفسير العقائد الدينية وههنا المسيحية مثال.

بيد أن هناك عنصر هام يهمله المنهج السلفي عمدا لأن استخدامه يجرد الفكر السلفي من سلطوتيه وسطوته وهو عنصر الزمن, نسبية الزمن, فالتفكير النسبي هو الوحيد القادر على مقاومة التفكير السلفي المطلق .. فماذا يفعل الزمن؟

الزمن هو الحركة, والحركة هي التغيّر, والسكون هو الموت, فلا توجد حياة بدون حركة, وبذلك تكون الحياة هي التغيُّر .. فماذا يغيُّر الزمن؟

الزمن لا يغيُّر وسائل الاتصال والنقل والانتاج وحسب. بل يغيِّر أيضا العقـــل. فالعقل الذي اكتشف كيفية انشطار النواة ليس هو ذات العقل التي اكتشف كيفية اشعال النار, فبينهما عنصر الزمن الذي سمح للمعارف والخبرات ان تتراكم عبر آلاف السنين. فالعقل البشري الذي تطور في المعارف والخبرات تتطور أيضا في آليات العمل والاستنتاج. والعقل هو منتِج الأخلاق وهو المميِز لها بين الخطأ والصواب. وبذلك تكون الأخلاق أيضا تتطور بتغيُّر الزمن. وتلك هي ضالتي.

فكون العبودية مذمومة بحسب أخلاق اليوم لا يجعلها أمر قبيح في أخلاق 2000 عام مضت. وكون حروب الإبادة العرقية جريمة شنعاء في أخلاقنا اليوم لا يجعلها  هكذا في أخلاق 3400 عام مضت. وكون زواج الصالونات طريقة جيدة للزواج منذ 4000 عام لا يجعله طريقة الزواج المثلى اليوم.

فما كان صواب في الماضي ليس بالضرورة صواب الآن وما هو خطأ الآن ليس بالضرورة خطأ في الماضي.

وبذلك تكون القاعدة العامة هي: لا تفكر في الحاضر بعقلية الماضي ولا في الماضي بعقلية الحاضر. فإن فعلت الأولى صرت سلفيا ماضويا متطرفا وإن فعلت الثانية سقطت في دوامة الإنكار والشك. بل فكِّر في الماضي بعقل الماضي والحاضر بعقل الحاضر. بس.