الأربعاء، 22 مايو 2013

تجديد فهم النص الديني


من جذور اسباب تخلفنا كشرق التزمت في فهم النصوص الدينية, أو بكلمات أدق الإصرار على فهم النص الديني اليوم بنفس طريقة اللي اتفهم بيها وقت كتابته سواء من 2000 أو 1400 سنة. والإصرار ده بيتطلب إعادة تشكيل عقل الحاضر ليكون على نفس شاكلة عقل الماضي وده بدوره بيؤدي للاصطدام مع مستجدات العصر اللي بيعجز عقل الماضي عن مجارتها. فبيصيبه الركود ومن ثم التخلف.

المسيحية مثال:
كتبت عن الموضوع ده قبل كده عن إمكانية تغيير بعض نصوص القداس بما يتماشى مع مستجدات العصر (زي سبي البربر, فيضان النيل, الصلاة من أجل الأرثوذكسيين http://bit.ly/12K4Scd), لكن طريقة تغيير النصوص ما تنفعش مع نصوص الإنجيل لإن الإيمان المسيحي يقر بأن نصوص الإنجيل موحاه وبالتالي لا نملك حق تغييرها, وفي الحالة ديه بيكون قدامنا حل تاني وهو تغيير طريقة فهمنا للنص. والطريقة ديه مفيهاش مشكلة لاهوتية لان إن كان دور الوحي هو إعطاء النص, فدور العقل هو فهم النص. إذاً احنا لينا الحق في فهم النص زي ما اللي سبقونا كان ليهم نفس الحق.

فاكر زمان لما كنت بسخر أو أبدي استيائي من مبارك كان التيار السائد في الكنيسة بيعتبر ده غلط كتابيا, مستشهدين بآيات من العهد الجديد زي:
"أَحِبُّوا الإِخْوَةَ. خَافُوا اللهَ. أَكْرِمُوا الْمَلِكَ" (1بط 2 : 17) 
أو
"فَأَطْلُبُ أَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ، أَنْ تُقَامَ طَلِبَاتٌ وَصَلَوَاتٌ وَابْتِهَالاَتٌ وَتَشَكُّرَاتٌ لأَجْلِ جَمِيعِ النَّاسِ، لأَجْلِ الْمُلُوكِ وَجَمِيعِ الَّذِينَ هُمْ فِي مَنْصِبٍ" (1 تيمو 2 : 1,2)

وبغض النظر عن ان الناس اللي كانوا بيرفضوا ده بيعملوا نفس الشيء مع مرسي متغاضين عن الآيات اللي كانوا بيستخدموها لرفض الإساءة لمبارك.
بس الواضح ان وقت كتابة رسائل بولس وبطرس ماكنش نظام الحكم في الإمبراطورية الرومانية ديموقراطي ولا جمهوري, وماكنش فيه حزب حاكم وأحزاب معارضة بالمفاهيم الموجودة حاليا. وماكنش فيه صراع سلمي على السُلطة من خلال وسائل شرعية قانوينة يضمنها الدستور والمواثيق الدولية.

وبالتالي استخدام آية من الإنجيل عن علاقة المحكوم بالحاكم اتكتبت من 2000 سنة في ظروف معينة في مكان معين لتطبيقها انهاردة بحذافيرها مش بـ make sense خالص. وما ينطبق على آيات علاقة المحكوم بالحاكم ينطبق على امور تانية كتير.

محتاجين نجدد طريقة فهمنا للنص الديني بما يتماشى مع مستجدات العصر, عشان نخرج من بير التخلف ونعرف نتنفس هوا فريش!

الاثنين، 29 أبريل 2013

أزمة المدرسة السلفية في تفسير الأمور الدينية


اخبرني صديق باعترفه لكاهن بانه لا يحب الزواج على طريقة الصالونات لانه لا يراها الطريقة المُثلى لاختيار شريكة حياته, فما كان من الكاهن إلا بتوجيه صديقي وتوضيح له زيف اعتقاده, إذ أن زواج الصالونات مذكور في الكتاب المقدس. فإبراهيم أبو الآباء عندما إراد تزويج ابنه اسحق -وحتى لا يتزوج بفتاة من بنات الكنعانيين حيث كان يقيم آنذاك- ارسل أحد عبيده لأرض أرام النهرين إلى مدينة ناحور, ومن هناك اختار له زوجته رفقة, وقد بارك الله تلك الزيجة (تكوين 24). انتهى.

هنا تبدو حُجة ذلك الكاهن الكتابية قوية ولا رادٍ لها, فهو استند إلى نصوص كتابية صريحة يتعذّر معها التأويل. وتلك الطريقة في الأتيان بالحُجَج غالبا ما تكون بمثابة الضربة القاضية إذا ما استخدمت في أي حوار ذو بُعد ديني, إذ يستدَّ بَعدها كل فم.

لكن التسليم المطلق بصواب طريقة المدرسة السلفية هذه في سياق الحُجَج يضعنا في مواجهة مباشرة مع مشاكل ومعضلات كثيرة يصعُب أن تجد لها حلولا منطقية يقبلها العقل بسلاسة دون ضغوط دوجماطيقية. والجدير بالذكر أن طريقة التفكير السلفية هذه ليست قاصرة على حزب النور أو التيار الإسلامي المحافظ أو المتدينين من المسلمين, لكنها مدرسة تؤسس لمنهج فكري لا يرى الصواب إلا في الماضي وما سار على درب الماضي. وتلك المدرسة الماضوية هي المسيطرة اليوم على عقول عموم الشرقيين على اختلاف اديانهم.

أعود وأقول ان استخدام ذلك المنهج السلفي البحت في معاجة العقائد الدينية المسيحية يتوجب معه حل كثير من المعضلات حلول منطقية حتى يتحقق الانسجام بين العقل والروح. ودون إيجاد حلول منطقية وافية لتلك المعضلات نصل لنتيجة من اثنتين:

  1.  أن يتحول الإيمان لمجموعة من العقائد والممارسات تُؤخذ على علاتها دون فحص, فتزداد المحرمات والخطوط الحمراء التي لا يجوز الاقتراب منها. فيتطرف ذلك الشخص في إيمانه, ويَحكُم على من تجرأ على الدخول لتلك المناطق المحرمة بالكفر والضلال وضعف الإيمان. وتلك هي النتيجة التي وصل إليها الكثيرون بالفعل.
  2.   الإلحاد. فبعد أن يعجز الشخص عن تحقيق التوافق المرجو بين عقله وإيمانه. يذهب إلى أن العقائد الإيمانية ليست إلا أمور بشرية موضوعة. وهذا التيار آخذ في الإزدياد في البلدان الشرقية خاصة بعد بسط العلم والتكنولوجيا لنفوذهما على كافة مناحي الحياة ونمو النزعة العقلانية بين الشباب وعدم إدراك المؤسسات الدينية لأبعاد هذا التغيُر السريع.
* * *

وفي حديثي عن معضلات المنهج السلفي في تفسير أمور الإيمان المسيحي أذكر مثالين -ليسا على سبيل الحصر- أحدهما من العهد القديم والآخر من العهد الجديد.

مثال لمعضلة (1) - التحريم في حروب بني إسرائيل:
تذكر اسفار العدد والتثنية ويشوع عن الحروب التي خاضها بنو إسرائيل بأوامر ومعونة إلهية لتملك الأرض الموعودة. فحاربوا الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين وحرموهم  ومدنهم بحد السيف. ومكتوب في تثنية 2 أن بني إسرائيل هزموا سيحون ملك حشبون وحرَّموا (أي قتلوا) الرجال والنساء والأطفال ولم يبقوا شاردا.
هنا يتسائل لسان حال قاريء القرن الواحد والعشرين, كيف يأمر الله بني إسرائيل بارتكاب  تلك الجرائم البشعة والإبادة العرقية التي تستوجب المحاكمة أمام الجنائية الدولية في لاهاي.
و الردود تكون كالآتي:

  •  ان الشر كان قد استفحل في تلك الشعوب ووصل لمرحلة لا رجوع منها فأهلكهم الله كما أهلك سدوم وعمورة بالنار والكبريت وكما هلكت الأرض بالطوفان وبنو إسرائيل لم يكونوا إلا أداة في يد الله كما كان الطوفان قديما.
  •  هذا كان درسا عمليا لبني إسرائيل حتى لا يرتكبوا خطايا تلك الشعوب, فكما سلمهم الله لأعدائهم هكذا يسلم الله بني إسرائيل لأعدائهم إذا عصوه, وهو ما حدث بالفعل في سبي آشور وبابل.
  •  أن تلك الشعوب كانت تمثل مملكة الشيطان التي لابد من إبادتها أولا لإقامة مملكة الله التي يمثلها بنو إسرائيل.
  •  أو على طريقة لا تجادل ولا تناقش يا أخ علي, أن الله كلي الحكمة والمعرفة ولا يجوز السؤال لماذا فعل هذا أو ذاك.
وغيرها من الردود التي لا تقنعني أنا شخصيا لكونها تتناقض مع الصورة الذهنية المرسومة في عقلي عن الله. فأي عقل يستطيع أن يتقبل ان تغزو دولة بجيوشها دولة أخرى ويطردوا سكانها ويستولوا على أرضها ويقتلوا نسائها واطفالها بالقنابل النووية بحجة أنهم أشرار أو أن الله قال لهم افعلوا ذلك!


مثال لمعضلة (2) - العبودية في المسيحية:
رغم أن الانجيل به نصوص صريحة تمنع النفاق والسرقة والغش و .. إلخ. إلا أنه ليس هناك نصوص صريحة تمنع عبودية الإنسان لآخر. بل على العكس نجد نصوص مثل (1 تيموثاوس 6: 1,2) تحدد علاقة السيد بالعبد والعبد بالسيد, مما يعني ان المسيحية وافقت على وجود العبودية وتعاملت مع ذلك الواقع. غير اننا نعتبر الآن العبودية أمر مذموم إنسانيا وأخلاقيا وقد أقرت الأمم المتحدة في المادة الرابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 أن الاستعباد جريمة وحظرت تجارة الرقيق بكافة أشكالها وأنواعها.
وإذا تسائل أحد عن موقف المسيحية السلبي من العبدوية جاءت الردود كالآتي:

  •  وضعت المسيحية مفهوم جديد للسيادة والعبودية, فالسيد هو الخادم والعبد هو عبد الخطية.
  •  المسيح لم يأت لتأسيس ممكلة أرضية بل سماوية, وهو سعى لتغيير الإنسان من الداخل وليس لتغيير الانظمة السياسية والاجتماعية ولذلك لم يتطرق لسن قوانين جديدة.
  •  ان الرسل لم يريدوا الاصطدام مع الدولة الرومانية التي تبيح العبودية, لكنهم فرَّغوا العبودية من محتواها عن طريق حث الاسياد والعبيد على المعاملة الجيدة المتبادلة وذلك بدوره اضعف العبودية شيء فشيء حتى اختفت.
لكن كل هذه الردود وغيرها لا تغير من حقيقة ان المسيحية تعاملت مع العبودية وفي ذلك إقرار بوجودها وشرعيتها.

* * *

كانت تلك مجرد أمثلة للأزمات التي تقودنا لها المدرسة السلفية في تفسير العقائد الدينية وههنا المسيحية مثال.

بيد أن هناك عنصر هام يهمله المنهج السلفي عمدا لأن استخدامه يجرد الفكر السلفي من سلطوتيه وسطوته وهو عنصر الزمن, نسبية الزمن, فالتفكير النسبي هو الوحيد القادر على مقاومة التفكير السلفي المطلق .. فماذا يفعل الزمن؟

الزمن هو الحركة, والحركة هي التغيّر, والسكون هو الموت, فلا توجد حياة بدون حركة, وبذلك تكون الحياة هي التغيُّر .. فماذا يغيُّر الزمن؟

الزمن لا يغيُّر وسائل الاتصال والنقل والانتاج وحسب. بل يغيِّر أيضا العقـــل. فالعقل الذي اكتشف كيفية انشطار النواة ليس هو ذات العقل التي اكتشف كيفية اشعال النار, فبينهما عنصر الزمن الذي سمح للمعارف والخبرات ان تتراكم عبر آلاف السنين. فالعقل البشري الذي تطور في المعارف والخبرات تتطور أيضا في آليات العمل والاستنتاج. والعقل هو منتِج الأخلاق وهو المميِز لها بين الخطأ والصواب. وبذلك تكون الأخلاق أيضا تتطور بتغيُّر الزمن. وتلك هي ضالتي.

فكون العبودية مذمومة بحسب أخلاق اليوم لا يجعلها أمر قبيح في أخلاق 2000 عام مضت. وكون حروب الإبادة العرقية جريمة شنعاء في أخلاقنا اليوم لا يجعلها  هكذا في أخلاق 3400 عام مضت. وكون زواج الصالونات طريقة جيدة للزواج منذ 4000 عام لا يجعله طريقة الزواج المثلى اليوم.

فما كان صواب في الماضي ليس بالضرورة صواب الآن وما هو خطأ الآن ليس بالضرورة خطأ في الماضي.

وبذلك تكون القاعدة العامة هي: لا تفكر في الحاضر بعقلية الماضي ولا في الماضي بعقلية الحاضر. فإن فعلت الأولى صرت سلفيا ماضويا متطرفا وإن فعلت الثانية سقطت في دوامة الإنكار والشك. بل فكِّر في الماضي بعقل الماضي والحاضر بعقل الحاضر. بس.

الأحد، 17 مارس 2013

صورة فاضحة


البابا شنودة, ربنا ينيح روحه, انهاردة ذكرى نياحته. كنت شايفه لسنين طويله -إن جاز التعبير- راجل كامل, هو الموديل والمثال اللي على المسيحي أن يحتذيه إن أراد الوصول لأعلى درجات السمو الروحي.

ومرة في يوم واحدة صاحبتي قالتلي ما ينفعش البابا الراهب يركب عربية غالية في حين ان نسبة كبيرة من شعبه فقرا.. أنا اتشلت واتحطيت وازاي وازاي وقعدت اقول سلسلة طويلة من التبريرات لكن هي أصرت على رأيها وأنا أصريت على رأيي والموضوع انتهى بخناقة.

بس الواضح اني كنت بمر بالمراحل الخمسة في نموذج كيوبلر روس لتقبل المآسي: الإنكار, الغضب, المساومة, الكآبة ثم التقبُّل.

لأني بعد مدة -مش قصيرة- اقتنعت ان كلامها صح وانه لا يليق بالبابا ركوب عربية غالية كده. ورغم ان الموضوع أصلا تافه وهايف وتقدر تجيبله 100 مبرر اغلبها منطقية بنسبة عالية, إلا أنه ساب فيا أثر نفسي ما اقدرش انساه.

أنا عايز اقول ان صورة الشاب الاخوانجي وهو بيضرب بنت بالقلم يوقعها على الأرض دفاعا عما يعتقد انه مقر حاملي لواء مشروع إسلامي ملوش سند تاريخي أو جغرافي إلا في خياله. بقول ان الصورة ديه هتسيب أثر عميق عميق عميق, بعيد المدى, في نفوس ملايين من البشر من المحيط للخليج وثقوا يوما في هؤلاء.

الصورة ديه هتسيب أثر عميق في نفوس ملايين من البشر, استثني منهم من يُطلق عليهم مجازا "خرفان" في اشارة لالغاءهم لعقولهم وتفضيلهم انهم يمشوا كقطيع خلف قائد طماع اعمى, بعد ان بايعوا وباعوا, بايعوا مرشدهم وباعوا ضمائرهم .. دول انساهم .. مفيش فيهم أمل .. إلا مَن عاد لرشده ورحمه ربي.

ما تغركش التبريرات اللي بتتقال من ان البنت ايه اللي وداها, أو هي استفزتهم أو أو .. , كل ده دخان هيتخفي في ثواني, ديه مرحلة الإنكار اللي بيستتبعها مرحلة الغضب اللي بدأنا فعلا نشوف بوادرها, وبعد ما ينقشع الدخان هيشوفوا الحقيقة واضحة جلية قبيحة بدون أي تجميل.

جماعة الاخوان قدمت نفسها لأعضاءها وللمجتمع بانها جماعة دعوية دينية, تحمل الخير وتسعى للسلام ولنشر الدين. لكن الواقع اليومي اللي بتشهد بيه الصورة ديه بيقول انها جماعة متسلطة, تسعى جاهدة لنشر الكراهية ولا تحمل للعالم غير السفالة والانحطاط. السُلطة غايتها والكذب دستورها. يكذبون كما لم يكذب أحد قط ببجاحة منقطعة النظير. 

الصورة ديه, وياما شوفنا وهنشوف صور أقبح منها بكتير,هيتبع بعض منها تكبيرات وهتافات بعزة ونصرة الدين, وهيتبع كل منها نفور آلاف أو ملايين من البشر منهم ومن رسالتهم  .. وهكذا .. حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

الخميس، 24 يناير 2013

يوم من عمره .. قصة قصيرة


- يا راجل فذ قوم الساعة سبعة وربع مش عاوزه اتأخر عالشغل.
قام محمود من نومه مفزوعا وهرول للمطبخ بخطى سريعة بعينين يعلوهما الغماص, ملأ البراد حتى نصفه بالماء واشعل النار تحته على اوجها ووضع ملعقتين كبيرتين من السكر وملعقة شاي في الكوب ووقف منتظرا.

لّما دخل عليها محمود ممسكا بكوب الشاي بين اطراف بيجامته كانت قد انتهت من ارتداء ملابسها. برشفات قصيرة وسريعة ومتقطعه اجهزت على الشاي الساخن في زمن قياسي. وقالت بصوت حاسم وهي خارجة:
- انهاردة الخميس هرجع بدري.
ثم انرزع الباب.

 * * *

- كنت هنسى انهاردة الخميس الاول من الشهر ميعاد صرف المعاشات!
قالها محمود فجأة بصوتٍ عالٍ كأنه يُحَدِّث أحدا.

محطة الاتوبيس مزدحمة كالعادة.بعد انتظار دام حوالي النصف ساعة  وصل 791 بشرطة. جلس محمود بجسده الصغير متقوقعا بجوار النافذة. صعدت للاتوبيس إمرأة بدينة, جالت عينيها على الراكبين بنظره محترفة,  ثم حددت ضحيتها, جلست بجوار محمود وقد احتلت حوالي ثلاث ارباع المقعد.

بغير خجلٍ ولا حياءٍ أخذت تتفحص تفاصيل جسده ثم اخرجت سيجارة وبدأت تلتهمها.
- أهرام ومصري يوم السابع حرية وعدالة والحوادث.
أوقفت البائعة الصغيرة واعطتها جنيها. كان محمود يخرج انفه من الشباك مفضلا العوادم على رائحة التبغ المحروق التي ملأت الاتوبيس. بنظره خاطفه غير مقصودة لمح الجريدة بجواره. صورة تحتل الصفحة الاولى لشاب في حوالي الـعشرين من عمره لا يرتدي إلا سرواله الداخلي, حُجِبت عيناه بشريطة سوداء ومكتوب تحتها بالبنط العريض: "اربع سيدات يتناوبن على اغتصاب فتى تحت تأثير البنج" .. ياللهول!

* * *

أخد محمود دوره في الطابور وبعد انتظار تلاه انتظار وصل أخيرا للشباك. نساء يعملن حينا ويتحادثن أحيانا. رسم على وجهه ابتسامة يتصنع بها التودد وقال للموظفة: السلامُ عليكم. رمقته بنظره فيها احتقار لم تخفيه واجابته بغلاظة:
- ورقك يا استاذ انت جاي تخلص مصلحتك ولا تحكي.
وما أن أخذت منه الاوراق وبدأت تنظر فيها, وتنفس محمود الصعداء حتى رن صوتٌ اسكت كل صوتٍ في المكتب:
- كيرياليسون كيرياليسون صلاة الساعة السادسة من النهار المبارك أقدمها للمسيح ملكي وإلهي وأرجوه أن يغفر لي خطاياي.

تركت كل الموظفات أعمالهن غير عابئات بطوابير المنتظرات والمنتظرين. واصطففن في أحد اركان المكتب وبدأن يؤدين شعائر الصلاة التي يحرصن على تأيدتها كل يومٍ في موعدها. والموظفون أيضا دخلوا أحد الغرف واغلقوا الباب ليصلوا. فبولس الرسول قال "واظبوا على صلاواتكم" وفي المزمور يقول داود "سبع مرات كل يوم سبحتك على أحكام عدلك"

* * *

أخيرا انهى محمود مهمته بنجاح وقبض المعاش, حقا مبلغ ضئيل لكنه يعينهم على مصاعب الحياة. وابتدأت رحلة العودة التي لم تكن أقل مشقة من رحلة الذهاب.

انحشر في وسط اتوبيس مزدحم للغاية حتى كاد يختنق, الجو الحار وشمس يوليو الحارقة حولت الاتوبيس لما يشبه أفران الصهر العالي. يحاول محمود بقدر الامكان تجنُب اللمسات المقصودة وغير المقصودة لجسده من هنا ومن هناك. إحدى الراكبات يزعق تليفونها بما يبدو انه ترنيمة لا يستطيع ان يفسر من كلماتها شيئا.
الطريق شبه متوقف, خناقة في وسط الشارع بين سائقتا ميكروباص: مش تفتحي عينك يا ** ابوكي.
حاول محمود كثيرا تفسير العلاقة بين أعضاء الأب التناسلية والإهانة المتعمدة لكنه فشل.

صعد للاتوبيس شاب قوي أبيض البشرة مفتول العضلات, اتجهت إليه كل الأنظار, وقفت سيدة يبدو على وجهها الطيبة وتركت مقعدها لذاك الشاب. جاءت جلسته بجوار راهبة ترتدي صليب ضخم على صدرها, استاءت الراهبة جدا لجلوس ذلك الشاب بجوارها أخذت تستغفر وتتلو صلوات سريعة سمع محمود منها: ويل لمن تأتي بواسطته العثرات.

صوت الأجراس يعلو ويعلو في سماء المدينة حتى لم يعد أحدٌ قادر على سماع أحدٍ , إنها ليست نواقيس إعلان الحرب, بل هي أجراس الكنائس تعلن ميعاد صلاة الساعة التاسعة.
الآن الثالثة والنص! لابد أنها عادت للمنزل!.

* * *

عاد محمود للمنزل منهك القوى تماما, جسديا ونفسيا, وما ان دخل حتى استقبلته عاصفة من الغضب. وصرخت فيه بصوت حاد ينذر بالشر, عالي سمعه القاصي والداني: 
كنت فين يا راجل لحد دلوقتي؟ عليا الطلاق لو حصل ورجعت تاني من الشغل وملقتش الغدا جاهز لكون مبيتاك عند أمك.

الجمعة، 18 يناير 2013

اتوبيس السيدات .. خطوة جديدة على طريق الكبت الجنسي


فيه قاعدة سياسية بتقول ان المُشرِّع الشاطر هو اللي يعمل قانون يقبله الشعب بسلاسة, لان المُشرِّع دوره انه ينظم حياة الناس مش انه يكتم على نفسهم ولا يلخبط حياتهم.

يعني على سبيل المثال ما ينفعش المُشرِّع الأمريكي ينسخ قوانين الحرية الشخصية من السعودية, وإلا الأمريكان في خلال 24 ساعة هيعملوا ثورة تسقط الدولة بالكامل. وماينفعش المُشرِّع في مصر يقولك هنقفل المحلات الساعة 10 زي ألمانيا, ده الغباء بعينه, لان طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والظروف المناخية في ألمانيا غير مصر, فاللي يناسبهم مش بالضرورة يناسبنا.

إذن مفيش قوانين مطلقة تناسب كل الشعوب في كل الازمان, القوانين نسبية, لأن طبيعة وأمزجة الشعوب تتوقف على متغيرات كتيرة وكل شعب هيكون مبسوط بالقوانين اللي تناسبه. الشعب المتحرر هينبسط بقوانين الحرية, والشعب المحافظ هيفرح بالقوانين المقيدة للحرية.

فيه مثال تاريخي يحضرني, لما كانت الامبراطورية الرومانية بتتوسع جغرافيا وبتبسط نفوذها في اوربا والعالم, حصل ان بلد صغيرة سيطر عليها الرومان وكانت قوانينها غريبة, عندهم القتل والسرقة مش جريمة, فأهلها معرفوش يتأقلموا مع القوانين العامة في الإمبراطورية الرومانية, فراح الحاكم الروماني للبلد ديه مع وفد من سكانها للحاكم الأعلى للمقاطعة وعرضوا عليه المشكلة. فكان رد حاكم المقاطعة على حاكم البلد: أحكم بينهم داخليا بقوانينهم الهمجية.
فخلينا نتفق ان الشعب المتحضر هيقبل القوانين المتحضرة والشعب الهمجي هيقبل القوانين الهمجية, إذا ما اتفقنا على تعريف التحضر والهمجية. وكون شعب فرحان بقوانينه مش معنى كده انه هو ده الوضع المثالي.


قبل تطبيق الكلام النظري ده على الوضع الحالي في مصر عمليا لازم اذكر مثلث برمودا, مثلث الرعب, الممنوع الاقتراب منه, واللي هيتمسك متلبس بيحاول يدخل ليلته سودا ومطينة بطين, مثلث برمودا المصري له 3 اضلاع: السياسية والدين والجنس.


الشعب المصري بيعاني من 3 عقد نفسية : عقدة سياسية وسببها الخوف, عقدة دينية وسببها الهوس, وعقدة جنسية وسببها الحرمان.
وبالمناسبة كلمة عقدة نفسية مش شتيمة, الشعوب زيها زي الأشخاص, كلنا عندنا عقد نفسية بس كل واحد عقدته النفسيه في حتة.

العقدة النفسية السياسية:
سببها الخوف من بطش السلطة الحاكمة, من ايام عبد الناصر لحد دلوقتي. فانت كمواطن قدامك 3 اختيارات:
- اما تقبل على نفسك تكون خروف تؤيد السلطة الحاكمة تأييد اعمى.
- أو  تعارضها فهيكون مصيرك التشوية او السجن او الاعتقال او حادثة عالصحراوي.
- أو تنفض للسياسة وتمشي جنب الحيطة وماتخافش هتلاقي لنفسك مبررات كتير.
أغلبية الناس بتلجأ للاختيار التالت, ومع الوقت, الشعب المصري في عمومه بقى سلبي وبعد عن السياسية, والكلام عنها بقى حرام. وإن كانت ثورة 25 يناير فشلت لحد دلوقتي في تحقيق اهدافها إلا انها نجحت نجاح ملحوظ في تراجع الخوف من بطش السلطة السياسية وإن كان مازال مستمر.

العقدة النفسية الدينية:
سببها الهوس الديني, الهوس وليس التطرف, الانسان المصري مهووس بالدين, المتطرف مهووس والمعتدل مهووس. والهوس بيئة صالحة للتطرف. واعتقد ان الهوس الديني هو ما يحلو للمصريين تسميته "التدين" ومن هنا جاءت اسطورة الشعب المصري متدين بطبعه  .. عموما الكلام عن الهوس كتير مش مجاله دلوقتي.

اللي عايز اقوله ان من نتائج العقدة النفسية في الدين عن المصريين, انهم بيفرحوا بالقوانين اللي بتعمق عقدتهم النفسية, في ظاهرة أشبه بالتلذذ بتعذيب الذات. مثلا المصريين فرحانين بقانون يمنع غير اصحاب "الديانات السماوية" من ممارسة شعائرهم الدينية في العلن. المصري بيفرح انه دينه مكتوبله في البطاقة, مبسوط ان في الدستور مكتوب دين الدولة. مبسوط لانه دايما قريب من عقدته النفسية لأنه لو بعد عنها بيشعر بعدم الأمان.

العقدة النفسية الجنسية:
سببها الكبت الناتج عن الحرمان, فتلاقي الشاب (أو الشابة) المصري يا عيني عنده طاقة جنسية, زيه زي اي شاب في العالم, ربنا خلقنا كده, واحتياجه الجنسي لا عارف يشبعه شرعيا (حسب تعريف المجتمع لشرعية العلاقة الجنسية) عشان معندوش شقة ولا مهر ووظيفته معيشاه بالعافية ولا هيقدر يصرف على بيته ولا يدخل عياله مدارس, وفي نفس الوقت مش عارف يشبعها غير شرعيا عشان عليه رقيب خارجي بيحكم عليه في كل كبيرة وصغيرة ورقيب داخلي بيطارده دايما بالاحساس بالذنب. وزي ما قال اللمبي -بتصرف- يا تجوزوهم يا توفرلهم الكلة.

المهم, كبت فوق كبت فوق كبت فوق كبت, له نتيجة من الاتنين:
- إما هيتغلب على القيود الجنسية فينفجر, خلي بالك الانفجار هنا عنيف, لان التغلب على القيود الجنسية يتطلب اولا التغلب على القيود الاجتماعية والدينية, فا هيكفر بقيم المجتمع وهيكفر بالدين, وحتى لو ماصرحش غيره او نفسه بكده لكن ده المستقر جواه.
- أو هتتغلب عليه القيود فيتعقد نفسيا,
عشان كده تلاقي المصري يجيد قراءة كل كلمة وكل حركة وكل موقف قراءة جنسية. وبجانب الابعاد الاربعة الفيزيائية فيه بُعد خامس يراه المصري في كل شيء, البُعد الجنسي.
شعر البنت إيحاء جنسي يثير الغرائز, لو واحد لمس ايد زيملته تبقى منتهى قلة الادب, لو اتكلموا بصوت واطي يبقى اكيد فيه سيكو سيكو, لو وصلته بعربيتها يبقى فيه حاجة مخبينها, لو ركبوا مع بعض الاسانسير تبقى خلوة غير شرعية, لو قعد جنب بنت في اتوبيس يبقى سافل وبيعاكسها, لو هي بتكلم اصحابها عالفيسبوك تبقى ماشية المشي البطّال, لو حطة صورتها على تويتر تبقى عايزة تصيد رجالة .. إلى آخره من مظاهر تخيل وجود بُعد جنسي غير موجود في الواقع.

وعلى نفس طريقة التلذذ بتعذيب الذات, هتلاقي المصريين بيفرحوا بالقوانين اللي بتجذر احساسهم بالعقدة النفسية الجنسية, هيفرحوا بمنع المرأة من العمل في بعض الوظايف, أو فرض زي معين على المرأة, أو تخصيص عربية في المترو للستات, إلى آخرها من مظاهر التمييز الجنسي.

مبادرة تخصيص اتوبيس السيدات وما على شاكلتها, وإن لاقت قبول شعبي, فهي مش بتحل مشكلة لكن بتزود عمقها.

الخميس، 10 يناير 2013

تغيير نصوص القُـدّاس


Copts will relate

ايه المشكلة ان يحصل تعديل أو تغيير في بعض نصوص القداس بحيث تتماشى اكتر مع متغيرات العصر؟
دلوقتي فيه في القداس بعض النصوص قديمة ومحتاجة تغيير وفقدت معناها الواقعي اللي بيمس حياة المصلين او الناس عموما وفيه بعض المفاهيم تغيرت مع الزمن لكن نصوص القداس لسة ما اتغيرتش.

على سبيل المثال لا الحصر:

- في أوشية الموضع, بنصلي من اجل خلاص العالم ومدينتنا وكل المواضع, وبيكمل الكاهن: ونجنا من الغلاء والوباء والحريق وسبي البربر .. سبي البربر ده انتهى من زمان دلوقتي ملهاش معنى ان الواحد يصلي ربنا ينجيه من البربر. وبنفس المنطق الصلاة من اجل المسبيين, دلوقتي مفيش سبي.

- الصلاة من اجل صعود مياة النهر .. بعد بنا السد العالي المية بقت بتتخزن ومابقيناش محتاجين فيضان النيل كل سنة زي زمان, او على الاقل مش هي ديه الحاجة اللي الناس حاطاها في بالها وشايلة همها عشان تصلي عشانها.

- تحديد الصلاة من اجل الارثوذكسيين .. جايز يكون ده كان الوضع الطبيعي في وقت الكنيسة كانت بتبص لباقي الطوائف المسيحية على انها دخيلة أو هراطقة أو ضالين مضلين. لكن دلوقتي الوضع اتغير. دلوقتي في تعايش وقبول اكتر بين الطوائف المسيحية المختلفة, سواء على مستوى الشعب او على مستوى القيادات الدينية, فمفيش داعي اننا نصلي لنفسنا بس واحنا بندعو للوحدة المسيحية.

وقس على هذا فيه امثلة كتير ... 


اعتقد ان الكلام ده هيواجه باعتراضين اساسيين.

الاعتراض الاول: ان نصوص القدّاس مقدسة كتبها آباء الكنيسة الاوليين من قرون طويلة واحنا لا نملك تغييرها.
الاعتراض ده مردود عليه:
اولا قدسية نص القداس تختلف عن قدسية النص المقدس scripture وهو قابل للتغيير لانه غير موحى.
تاني حاجة القداس متقسم اجزاء, انا مش بتكلم عن core اللي بيختص بالعقيدة وكده كلامي اغلبه عن طلبات بتتوقف على المكان والزمان.
القداس بصورته الحالية مش هي نفس الصورة اللي اتكتبت زمان, انا معملتش دراسة تفصيلية عشان اقول ايه اتغير امتى لكن بنظرة سريعة ممكن نكتشف حاجات اتضافت قريب, مثلا:
- في اوشية المسافرين الكاهن بيصلي من اجل المسافرين في البر والبحر والجو وكل الطرق المسلوكة. والمعروف ان الانسان مابدأش يتسخدم الجو في السفر غير في نص القرن العشرين.
- الصلاة من اجل نجاح الطلبة وعمل للمحتاجين, مشكلة زيادة البطالة ما استفحلتش غير مؤخرا.

الاعتراض التاني: ان النصوص ده ناخدها بمعناها الروحي مش الحرفي 
برضة مردود عليه, لانها لما اتكتبت كان يقصد بيها معناها الحرفي.
ان كنا ما ينفعش نغير نصوص الكتاب المقدس فبناخد معناها الروحي إلا اننا نملك تغيير نصوص القداس فمش محتاجين squeeze معناها عشان تتماشى مع مفاهيمنا الحديثة.

بس..

الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

مؤيدو الديكتاتورية


اتعجب كيف لمن نادى بالحرية مرةً أن يرضى بالاستبداد ولمن ثار ضد الظلم أي يخنع أخيرا للديكتاتورية, بل ويؤيدها, ظانا أنه يؤدي عملا جليلا. هل ما كان يطلبه قديما حقا حرية؟ أم إنه خُدع ببضاعة زائفة روجوا لها أنها حرية؟

لن أطيل الحديث, فقط أحاول تفسير أسباب قبول ديكتاتورية إعلان مرسي الديكتاتوري مِن قِبل أولئك الذين ظنوا يوما انهم يريدون "حرية". كما حاولت قبلا تفسير مواقف مَن قبلوا مقتل مئات الشباب ومَن أهانوا ست البنات.

سأقسِّم من خنعوا للاستبداد الجديد لطوائف, مُبيّـنا وموجِزا أسباب قبول كل طائفة لذلك الاستبداد .. وإن وجدت في كلامي إهانة شخصية تذكر أن لكل قاعدة شواذ, تستطيع ان تعتبر نفسك من استثناءات تلك الطائفة, والموضوع ليس شخصي على أي حال.

1- الاخوان المسلمون:
أو الاخوان المُسيَّرون, أو الاخوان منزوعي الإرادة. نزعوها بأنفسهم, أو انتزعت منهم, ووضِعت بين يدي الرأس المُتسِّلط, أو مكتب الإرشاد كما يسمونه. يريدون كما يريد, اذهب فيذهب, جيء فيجيء, اغضب فيغضب, اهدأ فيهدأ. ليس لهم إرادة في ذواتهم إلا ما يراد لهم أن يريدوا. أولئك قبلوا الاستبداد لأنه قيل لهم: اقبلوه.

2- السلفيون:
أو قل حلفاء الاخوان في العموم, وأغلبهم من قادة القوى السياسية الـ"إسلامية", أو هكذا يدعون أنفسهم. رفقاء قادة الاخوان في درب سرقة الثورة, وتفريغها, وتشويه صورة أبطالها, والتحالف مع أعدائها, وتسفيه شهدائها, والدفاع عن فاقئي عينها . بدأوا معهم رحلة الخداع في نعم الاستفتاء, مرورا بكل أشكال التكفير والاستعداء, وقوفا عند مذابح ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وبورسعيد وشارع منصور, وصولا لسلق الدستور. أولئك قبلوا الاستبداد لأنهم وعدوا بقبوله.

3- المتوهمون:
أو المخدوعون. يخوضون حربا ضروسا حدودها داخل رؤوسهم. نهارهم وليلهم يصارعون أشباحا, لا يراها غيرهم. مؤمنون وواثقون من المؤامرة الكونية ضدهم, أكثر من إيمانهم بوجودهم. يخشون أن يلقوا سيوفهم لئلا يطعنهم العدو الخفي في ظهورهم.  أولئك قبلوا الاستبداد خوفا وذعرا لئلا يتمكُّن منهم أعدائهم.

3- المنافقون:
أو المطبلاتية. وهم بيننا في كل زمان ومكان. يبحثون عن صاحب السُلطة ويتشممون رائحته, فيداهنونه, ويتقربون إليه, متطلعين لعطاياه, أو متجنبين بطشه. يدافعون عن سقطاته, ويبررون خطاياه, يمدحونه ويعظمونه ويألهونه من دون الله. أولئك قبلوا الاستبداد لأن ليس لهم ربّاً إلاه.

5- المائعون:
أو الضعفاء. يذهبون حيث يأخذهم التيار, يضعون كرامتهم تحت حذاء الاستقرار. كما يسير الاصدقاء فهكذا يسير. أو ينتظر من يغلب, فيؤيده, فيفرح بكونه مِن الغالبين. قد يرفض اليوم ويؤيد غدا, أو يؤيد اليوم ويرفض الغد ويؤيد بعد غد. مائعون, غير ثابتين, مبادئهم تائهه وسط الضجيج. أولئك قبلوا الاستبداد لأنهم هكذا وجدوا من حولهم يفعل.

6- الكارهون:
يرفضون الاستبداد لكن لا يقدرون إلا على قبوله, لأنهم يكرهون رافضيه. لن يقف بين من يكرهم وإن علم انهم على حق. يفضّل أن يلعنهم وإن عرف انه على ضلال. إن قالوا يمين, قال يسار. وإن قالوا سيء قال جيد. هو ليس فعل بل ردة فعل. أولئك قبلوا الاستبداد لأن من يكرهونهم رفضوه.


إن كنت ممن يحبون الحرية, ولكن تتقبل الاستبداد الجديد, كحل "مؤقـت" أو كثمن لتطهير القضاء أو لبناء مؤسسات الدولة والوصول للديمقراطية إلى أخرها من تلك الترهات, فعليك أن تدرك أن:
لا تتحقق الديمقراطية بالديكتاتورية, ولا تُنشد الحرية بالاستبداد, ولا تُبنى الدولة باللادولة. فقط, كن صريح مع نفسك وضعها في أحد طوائف ميؤيدي الديكتاتورية.

أو عد لرشدك وكن بين الاحرار