السبت، 15 سبتمبر، 2012

أزمة حضارية .. (1)


اعترف بخطأي إذ ظننت أن إزاحة مبارك عن سُدة الحكم تكفي لبدء عهدا جديدا لبناء دولة تحترم الإنسان لا استبداد فيها ولا استعباد. غير أني وقفت مشدوها أرى أحلامي تتبدد وسط عواصف رياح عاتية - تبدو وكأنها القدر- لتعود مصر مرة أخرى لتستقر في ذاك المستنقع  المظلم البارد الذي طالما استراحت فيه منذ قرون من الزمان.

نعم نظام مبارك سقط, لكنه لم يسقط لخروج الملايين ضده, إنما سقط لأن استُهلك واستُنفذ واهترأ, أو بكلمات أدق: انتهت صلاحتيه. ومحاولة البعض لإعادة استحياءه أشبه بمَن وضع قطعة لحم عفنه في الثلاجة على أمل أن يجدها في الغد طازجة.

سقط نظام مبارك, وبعد فترة مليئة بالشد والجذب أخذتنا في مسار محتوم –كأنه القدر- قام نظام الاخوان المسلمين, والذي يبدو أن تاريخ صلاحيته اقصر كثيرا عن سابقه لكونهم غير قادرين شكلا ولا موضوعا على صنع تغيير حقيقي, أما شكلا لأن العقلية البرجماتية لقادة الاخوان والعقلية التابعة لجمهور الإخوان غير مؤهلة عضويا لصنع نهضة أو حتى البدء في إصلاح. وأما موضوعا لأن أداء الجماعة يأتي دائما ضعيف سطحي, غير راغب في صنع تغيير بقدر رغبته في تثبيت أقادمه, يسير في نفس الطريق الذي ساره مبارك لكن بخطى أسرع, وإن أصبح المؤيدون معارضين والمعارضون مؤيدين.

ورغم هذا, فإنى على ثقة تبلغ حد اليقين, أن محاولات اسقاط مرسي ومن ثَم جماعته لن تــُـحسِّن من الوضع شيئا, بل وإن نجحت ستأتي بديكتاتور آخر بديكتاتورية جديدة تعهد لأساليب مختلفة للاستبداد في البلاد واستعباد العباد وإن اختلفت الأشكال وتغيرت الاسماء وتبدلت الأدوار. وكأن الأنظمة الاستبدادية ليست في ذاتها سبب البلاء بل هي مجرد أداة في يد قوة عليا -كأنها القدر- تعبث بنا, حتى إذا ما أدّت أداة دورها وقُضيَ زمانها ألقت بها جانبا ثم حملت أداة أخرى لتعبث بنا مرة أخرى وهكذا إلا أن تقوم الساعة.

نحن ندور إذا في دائرة مفرغة, شعب مستسلم عاجز عن صنع تغيير, عن علم أو بغير علم يُفرعِن حكامه, وحاكم مستبد يُخضِع الشعب ويقهره ويتركه فريسة للجهل وهكذا دواليك .. معادلة لها طرفان: استبداد حاكم وجهل شعب, وكلاهما سببا ونتيجة للآخر.

ولبحث اسباب تلك المعضلة وكيفية الخروج منها لابد أولا من معرفة كُنّة تلك "اللعنة القدرية" -إن جاز التعبير- الحالّة بنا.


 * * *

حضارة واحدة إنسانية

واضح لي جليا أن أزمتنا في الأصل ليست سياسية ولا إقتصادية ولا ثقافية ولا دينية ولا أخلاقية .. بل كل تلك الأزمات وهي بالفعل موجودة, ليست إلا اثاراً جانبية لأزمة كبرى تعاني منها مصر, ليس مصر وحدها بل كل دول العالم الثالث في منطقتنا (العرب) وهي "أزمة حضــــــارية".

شعوب المنطقة تخلّفت عن ركب الحضارة الإنسانية منذ قرون ولم يبق لها إلا الحنين إلى الماضي والتغنّي بأمجاد الأجداد والتشدّق بما لا يعرفون. وهنا أتعمد استخدام مصطلح "الحضارة الإنسانية" لأنه ليس ثمة حضارات شرقية وغربية أو مصرية وإغريقية وعربية و أوربية .. إلخ, بل هي حضارة إنسانية واحدة متعددة الأوجة لنوع واحد من المخلوقات اسمه "الإنسان", حضارة إنسانية واحدة يحمل رايتها في كل زمان الأجدر على ذلك.



* * *
الحضارة ليست ثقافة

وقبل الخوض في البحث عن جذور أزمتنا يلزم أولا معرفة ما هي تلك الحضارة الإنسانية التي تخلفت عنها شعوبنا.
وهنا نميّز بين مصطلحين متشابكين عند البعض وهما الثقافة والحضارة.

الثقافة: هي مقوّم أساسي لوجود شعب من الشعوب, وهو ما يميّز جماعة عن باقي الجماعات بما تمتلك من عقائد ولغة وقيم ومباديء وسلوك وقوانين, وقد تتغير ثقافة شعب بتغير الزمن. والثقافة مكوّن ضروري غير كافي لوجود حضارة.

الحضارة: هي مفهوم أوسع من الثقافة, الحضارة هي نتاج معارف وثقافات متراكمة. وبمرور الزمن لا تتغير الحضارة بل تُصقل لأنها تراكمية. والحضارة بمثابة وعاء غير ضروري لاحتواء الثقافة.

بكلمات أخرى, قد توجد ثقافات بدون حضارات لكن لا توجد حضارات بدون ثقافات. وفي حديثنا هنا كما ذكرت, اتكلم عن المفهوم الأعم والأوسع للحضارة وهي الحضارة الإنسانية التي هي نتاج تراكمات معارف وثقافات بني الإنسان منذ أو وُجد  على سطح هذا الكوكب.

وحيث أن الحضارة هي خبرات ومعارف تراكمية, فيستلزم البحث عما يتعلق بها العودة للماضي وإعادة فحص وتقييم القديم.


* * *
جذور الأزمة
----------------------------

الدولة العثمانية

فلنولي وجهنا الآن شطر الماضي ولنعود بالتاريخ للوراء قبل أن تتم الأرض حوالي آخر 800 دورة لها حول الشمس, تحديدا عام 1299 من الميلاد/698 من الهجرة وهو تاريخ قيام الدولة العثمانية على يد أول سلاطينها عثمان بن أرطغل. ونراقب أحوال العرب قبلها وبعدها ونفحصهما من وجهة نظر "حضارية".

    • ما قبل الدولة العثمانية:

لم يهتم الأمويون بالمجالات المتنوعة من العلوم ولذلك فتأسيس العلوم عند العرب يعود فعليا للعصر العباسي. ولأن الحضارة الإنسانية تراكمية, بدأ العباسيون رحلتهم المعرفية عن طريق ترجمة أعمال فلاسفة اليونان كأرسطو وأفلاطون وأرشميدس, وشجعهم في ذلك أوائل الخلفاء العباسيين كأبي جعفر المنصور وهارون الرشيد. ثم أخذ العرب في البناء عليها وتطويرها والإضافة إليها. وفي تلك الفترة كانا الجهل والأمية متفشيان في أوربا كما يقول المؤرخ الفرنسي موريس لموبارد في كتابه "العصر الذهبي للإسلام" .

وإثر هذه الوثبة الحضارية, انتعشت عقول العرب وساهموا وبقوة في إثراء الحضارة الإنسانية ودفعها للأمام, وجاد العرب على العالم بكثير من العلماء في شتى المجالات كالفلك والطب والرياضيات والهندسة والجغرافيا والفلسفة والموسيقى مثل: ابن باجة والبيروني والخوارزمي والإدريسي والمجريطي وأبو بكر الرازي وابن الهيثم وابن سينا وابن البيطار والكندي والفرابي وابن رشد.. إلى آخره.

وفي هذا يقول المؤرخ الروسي الاصل ألكسندر كويريه:
      إن عرب بغداد وقرطبة (الأندلس) كانوا معلمي الغرب, ولولا تراجم ومؤلفات الفارابي وابن سينا وابن رشد وشروحهم, لما وصل الغربيون يوما لفهم كتابات أرسطو ومؤلفات بطليموس.
غير أن في أواخر عهد الدولة العباسية سيطر على القصر تيارات دينية متشددة, ففرضت قيودا على عقول العرب وركزت على التعاطي السلبي مع أي عِلم أو كتاب غير القرآن والسنة. فتراجعت العلوم تراجعا ملحوظا. فدُعيت الفلسفة زندقة والمتفلسف زنديق وأُضطُهد العلماء وقيل أيامهم "لا تُفرِط في دراسة الكواكب، إلا لمساعدتك على تحديد مواقيت الصلاة.". وجدير بالذكر هنا: أن ابن الرشد الذي كانت أعماله من الدعائم الأولى التي قامت عليها النهضة الأوربية ولقبوه بـ"الشارح الأكبر"  حرق العرب كتبه واتهموه بالكفر والإلحاد ونـُـفي .. فاستنارت أوربا بأعماله وسقط العرب في هوة الظلام والجهل السحيق.

    • عصر الدولة العثمانية:

أجمع المؤرخون أنه عصر الكبوة الحضارية في تاريخ العرب. حيث أهمل العثمانيون التعليم والعلوم اللهم إلا قليل من الاستثناءات. واهتموا ببناء الجيش إما لصد هجمات الصليبيين أو لتوسيع رقعتهم الجغرافية وخاضوا في ذلك حروب كثيرة.

ويُرجع المولى الرومي تدهور العلوم والمعارف الدينية منها والطبيعية عند العثمانيين إلى تقريب الولاة للمنافقين إليهم ورفعهم إلى مراتب العلماء مقابل المدح والثناء والتبجيل والتحصين, فيقول الكواكبي على لسانه: "ضلَّ المتعممون وصاروا أضر على الدين من الشياطين" ويضيف في وصف حال العلماء عند العثمانيين "استأثر الجهلاء الفاسقون بمزايا العلماء العالمين واغتصبوا أرزاقهم من بيت المال ووقف الأسلاف فبالضرورة قلت الرغبات في تحصيل العلوم وثبطت الهمم .. وهكذا فسد العلم وقل أهله فاختلت التربية الدينية في الأمة فوقعت في الفتور وعم فيها الشرور".

كان عصر الفكر الأحادي وعلا فيه الصوت والسوط الديني المتشدد ولم تكن هنالك اي حضارة او علوم أو فنون متفتحة بأي معنى من معاني الكلمة, والحياة الثقافية آنذاك لم تكن إلا إمتداد للبذور التي زرعها العباسيون ومع الزمن أخذت في البهتان والخفوت ثم ما لبثت أن يبست وماتت.

وفي هذا يقول الجبرتي عن وصف إلى أين وصلت العلوم في القرن الثامن عشر: "إن أهل الأزهر لا يشتغلون بشيء من العلوم الرياضية إلا بقدر الحاجة الموصلة إلى علم الفرائض والمواريث".

وعلى مدى خمسة قرون من الزمان, تراكم جهلٌ فوق جهلٍ وسقطت من يد العرب شعلة الحضارة وابتعدوا شيئا فشيئا عن الصفوف الأولى من موكب التطور الإنساني. ونضب الرحم العربي وأصابه العقم حتى عجز على أن يجود بأي عقل يساهم في دفع عجلة الحضارة .. إلى أن كانت الصدمـــــــــــة.


* * *
الصدمة الحضارية


في الأول من يوليو عام 1798 م استقرت قرابة 400 سفينة حربية في ميناء ابو قير وبعد معركة لم تدم لأكثر من ساعات نجحت حملة نابليون في السيطرة على الإسكندرية .. وبعث نابليون برسائل للمصريين يدعوهم للتعاون معه يؤكد لهم انه اعتنق الإسلام مرددا الشهادتين. وبعد أقل من ثلاثة أسابيع كان نابليون قد دخل القاهرة.

ما يهمنا الآن هو البعد الحضاري لذلك الحدث. كانت الحملة الفرنسية بمثابة "صدمة حضارية" للمصريين. كانت أول احتكاك مباشر للمصريين بأوربا بعد عصر النهضة. ودهشوا لتلك الأسلحة الثقيلة والعتاد والتنظيم الدقيق المتناهي الذي يتحرك به الفرنسيون. وبهتوا عند إطلاعهم على النظام الإداري الحديث للفرنسيين مثل سجلات المواليد والوفاة والقوانين والمحاكمات الحديثة وقيم الحرية. تلك الصدمة الحضارية بجانب ما لها من أضرار لكنها أيقظت المصريين من سباتهم العميق الذي دام لخمسة قرون وبعد أعوام قليلة انتفضوا وخلعوا الوالي العثماني خورشيد باشا وعينوا محمد علي باشا مكانه.

لكن قبل أن نبحث في الأثر والتطور الحضاري الذي لحق بالمصريين والعرب في عصر محمد علي, هناك سؤالا ملحا يطرح نفسه: إن كان في خمسة قرون من الزمان تدهور الحال بالعرب هكذا تراجيديا وسقطوا من قمة التحضر الإنساني إلى السفوح. فماذا فعل الغرب ليتسلق هذا الجبل العالي ويجلس متربعا على قمة الحضارة الإنسانية؟


* * * 

أوربا من الظلام إلى النور

بجانب الأحداث الجسام التي مرت بها أوربا في هذه القرون الخمسة, هناك ثلاثة علامات حضارية فارقة في تاريخ أوربا أخذتها من غياهب الظلام والتخلف والأسطورة لعصر النور والنهضة والعلم وساهمت بشكل راديكالي في تشكيل الوعي الغربي الحديث وإثراء الحضارة الإنسانية وهي:

   الإصلاح الديني -  الثورة الكوبرنيكية -  التنوير
(1) العلامة الأولى:   الإصلاح الديني
في العصور الوسطى سيطر رجال الدين المسيحي على أوربا, وفرضوا وصايتهم على الأرواح والأجساد, واحتكروا لأنفسهم حق فهم وتفسير الكتب المقدسة, وأكثروا من التابوات حتى عصموا بابا الكنيسة من الخطأ. وعم الجهل وانتشر الفساد الابس عباءة الدين الذي تجلى في صكوك الغفران التي تهب غفرانا عن الخطايا مقابل مبلغ يتم دفعه من المال.

واستمر الحال هكذا إلى أن تحلى قس ألماني من ولاية ساكسونيا اسمه مارتن لوثر بالشجاعة الكافية للوقوف ضد هذا الإفساد الديني إن جاز التعبير. وكانت فحوى رسالته هي حرية إعمال العقل في فحص النص الديني. وعلى إثر تلك الدعوة خاضت أوربا صراع طويل وحروب مروعة بدأت دينية ثم تحولت لسياسية, استمرت لأكثر من 120 عام مات فيها الملايين .. بعدها فقط تحرر العقل الغربي من هيمنة رجل الدين.

(2)    العلامة الثانية: ثورة نيكولاوس كوبرنيكوس

بعض الأفكار تعتبر ثورية, أما فكرة كوبرنيكوس هي ثورة كاملة في حد ذاتها. ناقض كوبرنيكوس نموذج عالم الفلك المصري كلاوديوس بطليموس للكون الذي لم يتجرأ احد على نقده لألف وخمسمائة عام! المنادي بأن الأرض مركز الكون, وأثبت كوبرنيكوس ان الأرض تدور حول الشمس وأن الشمس هي المركز وليس الأرض.

وقد آمن بنظريته العالم الإيطالي جاليليو, وبسبب مجاهرته بهذا الإيمان حُكم عليه بالسجن ومُنع من مناقشة أفكاره بتهمة الهرطقة لأن كاردينالات الكنيسة ظنوا وقتها أن الأرض ثابتة والشمس هي المتحركة بحسب الكتاب المقدس. .. نظرية كوبرنيكوس حررت العقل الغربي من وهم تمركز الكون حولهم ومن مطلقتهم للنسبيات.

(3)    العلامة الثالثة: التنوير
التنوير ليس حدثا محددا بتاريخ لكنه عصر تغيرت فيه الثقافة الأوربية, هو تتويج لحركة طويلة من الصراع بين الفكر المستنير من جهة والدولة والكنيسة بسلطاتهما المطلقة من جهة أخرى أو قل هو صراع بين العقل والوهم انتهى بانتصار الأول. التنوير هو نضوج العقل الأوربي.

عصر التنوير شارك فيه كثير من الفلاسفة والعلماء نقلوا أوربا من الظلام إلى النور ومهدوا بأفكارهم للثورة الفرنسية والأمريكية والبلشيفية من أشهر اعلامه فولتير وديكارت وروسو وبيكون ولوك وهيوم  ونيوتن وختمه إيمانويل كانط وجَسّده وصاغه في عبارات محدده ووصفه بأنه "خروج الإنسان من مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن الرشد" وفي إجابته عن السؤال ما هو شعار التنوير قال " كن جريئا في استخدام عقلك".

عصر التنوير حرر العقل الغربي من كل سلطان إلا سلطان العقل وفتح أمامه باب الإبداع على مصراعيه ليكتشف أسرار الكون ويغزو الفضاء.

نترك أوربا الآن ونعود مرة أخرى للشعوب العربية ولنبحث, أين كانوا على خريطة الحضارة الإنسانية من بعد محمد علي؟


* * *
عصر محمد علي - إرهاصات عصر التنوير العربي

هناك علامة آخرى فاصلة في تاريخ الحضارة العربية وهي تولي محمد علي حكم مصر والذي يعتبر مؤسس الدولة الحديثة. اهتم محمد علي بتطوير المنظومة التعليمية, وحيث أن الحضارة تراكمية, أرسل الطلبة المصريين لاوربا ليلموا بآخر المعارف الإنسانية ليكوّنوا نواة نهضة معرفية وعلمية.


ولم تذهب جهود محمد علي هباء, فسرعان ما أتت ثمارها وعاد المخاض لرحم الأمة العربية من جديد, فأنجبت أعلام قادوا مسيرة قصيرة للتنوير العربي من أمثال: رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده والأفغاني والنديم ولطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين وفرج فودة ونجيب محفوظ وهدى شعراوي والعقاد وطلعت حرب وعلي عبد الرازق وفرح انطون والقائمة تطول. وأقول هنا مسيرة قصيرة لأن حركة التنوير العربية سرعان ما تم محاصرتها وإجهاضها على يد تيارات دينية متشددة في الربع الثاني من القرن العشرين ولم تقدر على الصمود لأن أساساها كان هشا ..

فها هو طه حسين يُتهم في دينه ويفصل من الجامعة لكتابه "في الشعر الجاهلي" ونجيب محفوظ يتعرض للاغتيال ويُتهم بالإلحاد وتُمنع روايته "اولاد حارتنا" من النشر. وها فرج فودة يتم اغتياله على يد جهال لا يعلموا لماذا اغتالوه. وفرح أنطون تصادر مجلته "الجامعة" التنويرية. وعلي عبد الرازق يُطرد من زمرة علماء الأزهر ويمنع من التعليم لكتابه "الإسلام وأصول الحكم".

وهكذا تم اغتيال العقل العربي للمرة الثانية. ولم يتوقف الأمر هنا, بل قد زادت الطينة بلة بعد ثورة النفط.


* * *
ثورة النفط

بعد هزيمة 1967 التي قتلت في العرب عموما والمصريين خصوصا الروح! وأثقلتهم بتبعات اقتصادية وعسكرية مهولة مما دفع السادات لتبني سياسية الانفتاح الاقتصادي ظهر النفط في بلاد الخليج, ولا يجب أن تُهمل تلك العلامة عند دراسة أزمة العرب الحضارية.

ظهور النفط في الخليج أدى لتدفق رؤوس الأموال الغربية على شبه الجزيرة, مما دفع المصريين وغيرهم للهجرة لتلك البلاد  للهروب من واقعهم القاسي وتحقيق الثراء السريع. فنمت عند العرب ثقافة رأس المال الطفيلي الضامن لتحقيق ثراء فاحش وسريع دون انتاج. فتحولت المجتمعات العربية لمجتمعات مستهلكة من الطراز الأول. ناهيك عن التبعية الجبرية للغرب, الذي فرض سطوته على العرب وأخذ يغذي الصراعات الطائفية ويدلل أنظمة الحكم الدينية المتشددة وجعل من العرب تابعين عميان للغرب سياسيا واقتصاديا بما يضمن لهم الخضوع والولاء التام.

إذا أردت تشبيه حال العرب في بعد ثورة النفط شبهته بالجسد الضعيف الهزيل المصاب بداء نقص المناعة وإذا لم ترد تجميل الحقيقة قل الإيدز .. فما أن يمر بقرب الجسد العربي فيروس فكري أو اجتماعي إلا وأصابه وأمعن في إصابته .. في تلك الأونة إصيب العالم العربي بداء عضال اسمه التعصب الديني والطائفي نخر في عظام تلك الأمة حتى النخاع مدعوما بأموال النفط ورؤوس مال متوحشة. ومن الجهة الغربية أصيب بداء "الإستيرادومانيا" فأصبحت هناك حالة يرثى لها لمجتمع متجذرة فيه الكراهية للغرب وفي نفس الوقت يعيش تابع له, مقتاتا من طعامه, مقلدا لتقاليده, ممتثلا لأوامره وثقافته. ناهيك عن الإنحلال الأخلاقي واستفحال الفساد والميل للعنف وغيرها من مظاهر التدهور الحضاري.


* * *
 الربيع العربي؟

ثم لاح في أفق ما يسمى "الربيع العربي" حين نجح شباب تونسيون ومصريون في كسر حاجز الخوف ونظموا صفوفهم باستخدام ادوات تكنولوجية حديثة فانضم إليهم جموع الشعب الذي ضاق صدره بالفقر والجهل والقهر والقمع وتدني مستوى المعيشة وأطاحوا برؤوس أنظمتهم الاستبدادية.

ولكن يبدو أن الشتاء لم ينقشع بعد .. وها العرب يستبقون التاريخ مرة ثانية, ويبنوا ثوراتهم على أساس ضعيف هش فسرعان ما حادت ثوراتهم عن الطريق الذي تخيله شبابهم إذ لم تُمهَّد عقول العرب أولا لقبول مفهوم الثورة حيث ضنّت الأراضي العربية بالعلماء والفلاسفة القادرون على رسم رؤى مستقبلية لشعوبهم.

وحين سقط الحاضر وفي ظل غياب المستقبل, أصبح الباب مفتوحا أمام الماضي ليغزو. فسيطرت على البلدان العربية تيارات رجعية ماضوية بلا رؤية مستقبلية, لا يرون المستقبل إلا في مرآة الماضي. واستبدل العرب ديكتاتور بديكتاتور وقمع بقمع وبهتت الروح المعنوية وخملت في الحضيض. وفشل العرب للمرة الثالثة في اللحاق بركب الحضارة الإنسانية.

لهذا أقول ان ثورات الربيع العربي بذرة جيدة, بل جيدة جدا لكنها سقطت على أرض لم تُحرث ولم تُهيء, فسرعان ما أتت غربان الحقل المتطفلة فسرقت البذور لقوت يومها, وتركت الأرض خرباء جرداء لا زرع فيها ولا ماء, فلا صلـُحَت الأرض ولا نمت البذور لا سُدَّ جوع الغربان.

إن فشل الثورات العربية كان حتميا .. ولا أقصد المعنى السلبي للفشل اي عدم القدرة على الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية القائمة بل المعنى الإيجابي وهو الفشل في بناء نظام جديد يعظم من قيمة الإنسان ويدخل العرب مرة أخرى لدائرة الحضارة الإنسانية بعد أن عاشوا ثمانية قرون عالة على البشرية.

وتلك ليست دعوة للتشاؤم .. بل للأخذ بالأسباب والبحث الجاد والشجاع عن جذور التخلف في الثقافات العربية ..


* * *
ضرورة الثورة الفكرية

الحضارة الإنسانية واحدة وإن انتقلت شعلتها جغرافيا من مكان لآخر. وليس المطلوب من العرب إعادة اختراع العجلة بل استخدامها .. مطلوب لوثر عربيا يحرر العقل العربي عمليا من الخضوع الأعمى لسلطان رجل الدين .. مطلوب كوبرنيكوس عربيا يحرر العقل العربي من وهم تمركز الكون حولهم .. مطلوب كانط عربيا يعيد للعقل العربي مقامه وينزع له سلطانه الذي سلبه منه الملوك وعلمائهم المنافقون..

مطلوب ثورة فكرية جذرية تزيل عن العقل العربي صدأ قرون الركود. وإذا ما هُيئت العقول العربية, تكون الثورة السياسية ليست خيارا بل نتيجة طبيعية بديهية لنضوج حضاري موجود. ولن تكون الثورات وقتها مفاجئة كما حدث في الربيع العربي  بل متوقعة مكانا وزمانا. ولن تكون هناك حاجة لحملات تعريف بالثورة وأهدافها لأن العقل الناضج يقود نفسه بنفسه.

إن المتأمل المحايد يرى أن هنالك مسافة زمنية تفصل بين العرب والغرب طولها على الأقل 600 عام. لكني أعول على الانترنت ووسائل التكنولوجية الحديثة أن تكون قادرة على تقليص هذا الفاصل بشرط .. توافر الإرادة. المهم هو بدء السير في الطريق الصحيح وطريق الألف ميل أوله خطوة!

* * *

هذا كان بحثا موجزا عن أزمة العرب الحضارية من الناحية التاريخية. لكن كيف تأثر العقل العربي فكريا بتلك الأزمة؟ في هذا يكون لنا حديثا آخر بإذن الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق