الاثنين، 11 أبريل، 2011

الصورة النمطية



في مطالعة الجرائد يوميا متعة لا تكتمل إلا إذا قرأت تعليقات القراء أسفل الخبر, خاصة لتلك الأخبار و المقالات محل الجدل التي تختلف فيها آراء السادة القراء. هناك بعض التعليقات أتمنى و أنا أقرأها أن أكون لابسا قبعة حتى أقلعها احتراما لفكر كاتبها و تكون بعض الآارء الآخرى مستفزة إلى الدرجة التي لا يُنصح فيها لمرضى ضغط الدم بقراءتها. والحمد لله, أنا لست أعاني من ارتفاع ضغط الدم فاستطيع قراءة تلك التعليقات, لكن ما جذب انتباهي هي تلك الخطوط العريضة التي يسير على نهجها السادة المعلقون "المتسفزون" إلى الحد الذي استفزني أنا أيضا أن أبحث عن ماهيتها وما خصائصها.
وبعد جهد ليس بقليل وبعض الاستشارات أخيرا وجدتــــــــــها!! .. آراء هؤلاء المعلقون و أفكارهم وتوجهاتهم محكومة بشيء واحد يبرطها جميعا يسمى "الصورة النمطية".

و بحسب التعريف الذي وجدته لذاك المصطلح الأوكروباتي هو الآتي: " الحكم الصادر لوجود فكرة مسبقة في شيوع فكرة معنية عن فئة معينة، فيقوم المدعي بالباسها صفة العمومية أو فكرة مسبقة تلقي صفات معينة على كل أفراد طبقة أو مجموعة." حسنا حسنا .., لا تدع كل تلك المعينات تقلقك فقط عد وإقرأ التعريف مرة ثانية هو سهل بسيط.

وجدت علماء النفس و المتخصصون يعزون تكون الصورة النمطية عند الفرد كنتيجة لأحادية الرؤية. والبركة في إعلامنا العظيم, فإن كان الإعلام له الدور الأهم في تشكيل ثقافة المجتمع في العصر الحديث فأنا أتهم الإعلام الموجَّه الذي عمل جاهدا على مدار سنين على تشويه العقلية المصرية عن طريق تسليط فكرة واحدة على الرؤوس حتى تعمقت تلك الثقافة في جذورنا المعرفية, ثقافة الصورة النمطية. وللاختصار, سوف استخدم التعبير "الشخص النمطي" في إشارة إلى الشخص الذي يفكر بصورة نمطية.

الشخص النمطي هو شخص عادي!, زيه زينا, مع الفارق, هو شخص قام بتقسيم المجتمع لفريقين, الأول هي الفريق التي ينتمي إليه و الثاني هو أي كيان لا ينتمي إليه, وقد يكون التقسيم على أساس ديني أو عقائدي أو ثقافي أو جنسي أو طبقي أو فلسفي إلخ أو بعضهم أو كلهم, المهم أن يجد نفسه دائما ينتمي لفريق وأن يجد الآخرين في الفريق الآخر ولا يعنيه كيثرا معرفة ما هو هذا الآخر. وحيث قام بتصنيف المجتمع إلى مع و ضد, فهو يشعر دائما أنه في معركة, تتملكه رغبه دائمة في المنافسة, ينظر للآخر باحتقار وبرغبة في قهره وإذلاله.
الشخص النمطي – حسب التعريف السابق – دائما ما يمتلك فكرة مسبقة, رده جاهز قبل أن يسمعك, ميالا أن يحكم حكما شموليا, يُسقِط على الفرد حكم الجماعة وعلى الجماعة حكم الفرد, لا تعنيه التفاصيل كثيرا ولا يكلف نفسه عناء إعادة التفكير فهو دائما على حق, يشعر بارتياح نفسي إذا ما أصدر حكما سلبيا على الآخر لأن هذا يشعره بقيمة ذاته.

في مقال نشرته جريدة اليوم السابع في 9 أبريل 2011 بعنوان : اللجنة الوزارية الأمنية تجتمع غدا برئاسة الجمل, جاء تعليق أحد السادة القراء النمطيين كالآتي نصا: " طالما تم اسناد اللجنة ليحيي الجمل فقد فشلت مقدما و لن يرضى الشعب عن اي  اجراء او قرار يصدر عنها. انشر ياعم" هذا مثال للشخصية النمطية ذات الحكم النمطي و للآسف كثيرا ما نحكم نحن أيضا على الآخرين مستخدمين هذا الأسلوب المعدوم العقل. فمن قراءة التعليق نلاحظ الأتي:
-          لا يحتاج إنسان أن يقرأ تفاصيل الخبر حتى يأتي بتعليق كهذا فتعليقه لم يأتِ بأي تفاصيل تخص الخبر, و هو ما يجلعنا نفترض مطئنين أنه لم يقرأه. (لاحظ هنا تجنبه لتفاصيل الخبر)
-          المعلق حكم حكما مسبقا (لاحظ قوله مقدما) على يحيي الجمل دون أن يبدي سببا واحدا لسبب هذا الفشل المستقبلي المزعوم.
-          أسقط المعلق على الشعب حكم نفسه حين قال " لن يرضى الشعب ", أريد أن أسأله, من أقامك يا سيد نائبا عنا؟؟و بأي صفة تتحدث باسم الشعب؟ الإجابة بسيطة, هو حكم حكما شموليا شمل الشعب كله.

و لأن الشخص النمطي يظن أنه وحده وفريقه على صواب, يقسم الناس إلى صادق و كاذب, أبيض وأسود, كل ما يقوله الصادق صدق وكل ما يقوله الكاذب كذب. وهو على يقين أن المجموعة التي ينتمي إليها هي القياسية, ويجب على كل آخر أن يقتضي بها. لا يعظِّم فريقه فحسب بل يحقّر الآخر كلما واتته فرصة, هو إنسان مسكين يعيش, في معترك قتال افتراضي, يحارب في ساحة حرب ليس لها وجود إلا في خياله, يريد أن يقهر عدوه قبل أن يقهره هو. يصارع مسوخا اختلقها لنفسه ثم يطعنها و يصيح في نشوة متلذذا بالانتصار.

في خبر نشرته جريدة المصري اليوم في 21 مارس 2011 تحت عنوان :  انتصرنا في «غزوة الصناديق» والبلد بلدنا.. والشعب قال «نعم» للدين, كان تعليق أحد القراء كالآتي بنصه: " اللهم احفظ شيخنا الجليل والله قد قال الحق الذي لا يريده كثير من الناس الذين يريدون فصل السياسة عن الدين واعطاء الحرية الكاملة للاشخاص الذين يريدون الفسق والفجور والفساد في البلد" يظهر أن  كاتب التعليق يعيش في معركة خيالية, وضع الخوذة على رأسه و أمسك بالسيف في يده و اعتزم أن يحارب حتى الموت دفاعا عن الحق ضد الفاسقين و الفاجرين و الفاسدين. .. للآسف كاتب هذا التعليق قد أهدر طاقته في معركة لم توجد, لبس ثوب الحق وألبس غيره الباطل, لم يتردد أن يصف معارضيه بأقذع الألفاظ حتى يطمئن قلبه لسلامة موقفه.

يضيف علماء النفس أن الشخص النمطي يرى أن النشاطات المجتمعية يجب أن تقتصر عليه و فريقه, قد يقبل مشاركة الآخرين لكن على استحياء و تحت قيود و قوانين حازمة لا تسري عليه هو!. محاولة اقناعه كثيرا ما تبوء بالفشل, لأنه حكم عليك قبل أن يحكم على فكرتك, بل يجيبك دون أن يسمعك و ينتقدك على شيء لم تقوله (يذكرني هذا بحوار الفريق أحمد شفيق مع الدكتور الأسواني @11:50). يخشى النقد و يتجنبه ويغضب إذا زادت حدته. يأخذ موقف المدافع دون أن تهاجمه. لا يستخدم عقله في الحكم على الأمور, بل القالب الذي صُبَّ داخله. نادرا ما تجده يثني على شيئا لا ينتمي إليه, يتحدث عن المستقبل بلهجة الواثق حتى يعتقد محدثه أنه يدعي النبوة.

ولا تقتصر سطوة الصورة النمطية داخل المجتمع فحسب بل تمتد لتشمل أحكاما شمولية و أفكارة مسبقة ضد لون أو عرق أو جنس, كأن يُتهم السود مثلا بأنهم في درجة أقل تطورا عن البشر البيض, أو أن يتهم الغربيون العرب بأنهم متخلفون أو إرهابيون, أو يتهم الشرقيون الغربيين أنهم دعاة مجون وانحلال أخلاقي.
و في مقال نشره موقع مصراوي بتاريخ 4 أبريل 2011 بعنوان : الإعلامية بثينة كامل تقرر الترشح لرئاسة الجمهورية, أنتقيت هذا التعليق (و قد بحثت كثيرا حلى أنتقي تعليقا لا يحوي ألفاظا يعاقب عليها القانون) : " العملية ظاطت أوي..هو فيه إيه ... هو أي إمعة دلوقتي بقى طمعان يحكم مصر ... مبقاش إلا النسوان كمان ... تعرفوا رأيي إنها بتدور بس على أي فرقعه اعلامية تشهر بيها نفسها ... حاجة بقت تقرف" يكشف هذا التعليق عن مقدار الدونية التي ينظر بها كاتبه إلى المرأة بشكل عام.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق