السبت، 16 يوليو، 2011

فُكك من أهلك



أحد الشعارات التي استخدمت للحشد لتظاهرات 8 يوليو هو "فكك من أهلك وانزل اعتصم" وعندما تتبعت الهاشتاج #fokakmenahlak  على تويتر وجدت أنه استخدم لأول مرة في الساعات الأولى ليوم 8 يوليو .. لست أعلم من ابتكره أو متى لكني أرى فيه قدرا من العبقرية يستحق أن نقف أمامه ولو قليلا.

أولا: الفعل فَكَكَ وهو عربي فصيح, فَكَكْتُ الشيء: خلَّصته وكلُّ مشتبكين فصَلتَهما فقد فككتهما, لكن استخدامه هنا مصري دارج بحت. فإن تعلّم أحدهم اللغة العربية الكلاسيكية وسمع هذا التعبير "فكك من كذا" لن يفهمه إلا إن كان مصريا أو عاش في مصر. وهذا في رأيي الوجه الأول لعبقرية الشعار فهو موجّه للمصريين فقط.

الوجه الثاني يكمن في إضافة "من أهلك" للشعار, لأنه يخصص فئة عمرية بعينها, فلا يستقيم أن تقول لطفل في الثامنة من عمره مثلا فكك من أهلك لأن ارتباطه بوالديه لا يُفك, ولا يُعقل أن تقول لرجل في الأربعين  فكك من أهلك لأنه أصبح مستقلا عن أهله إلى حد بعيد. هو إذا يخاطب شباب صغير مازال في مرحلة الشد والجذب مع الأهل لانتزاع استقلالهم وهي المرحلة العمرية التي نستطيع أن نعول عليها في تغيير حقيقي نرجوه.

الوجه الثالث للعبقرية هو الربط ما بين الاعتصام والعلاقة بالأهل "فكك من أهلك وانزل اعتصم", فمبتكر الشعار يدرك تماما أن رفض الأهل هو العائق الرئيسي الذي يواجه أي شاب قرر أن يعتصم أو حتى يتظاهر. وإني لعلى اقتناع أن ما حققه الشعب المصري في 18 يوما – وهي فترة قصيرة نسبيا – كان ممكن أن يتحقق في 18 ساعة فقط لو كان الأهالي تركوا لابنائهم و بناتهم حرية المشاركة في الاحتجاجات.



ودتت أن أذكر نفسي بالوصية الخامسة من الوصايا العشر أكرم أباك وأمك وبتعاليم الانجيل للأبناء أن يطيعوا والديهم وأذكر أيضا ما درسته في النصوص من سورة الاسراء بالوالدين احسانا وأن أقول لهما قولا كريما. السؤال الآن: هل شعار فكك من أهلك يتعارض وتلك المباديء الدينية وطبيعة ثقافتنا الشرقية؟؟ .. مش عارف! .. آيوة مش عارف. لكني على يقين أن كل سلطة من دون الله هي محل مراجعة وفحص وكلنا قد نخطيء وقد نصيب ومجتمعنا أعطى الأهل سلطات واسعة - وفي بعض الاحيان مطلقة -  ومن المتفق عليه أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة ولذلك لا أرى حرجا في مراجعة الصلاحيات المعطاة للأهل على أبنائهم.

وهنا أريد أيضا أن أتقدم بالشكر لعوض الله (الذي لا أعرفه) صاحب التويتة الملهِمة عن قيمة هذا الشعار الجديد واصفا إياه بأنه بداية الثورة الاجتماعية, وهو كذلك. إلا أنه ليس البداية في حد ذاتها لكنه تجسيد لمفهوم انطلق مع الأيام الأولى للثورة ولم يكن للثورة أن تولد وتتقدم لولاه. أتحدث الآن عن المعنى الأشمل والأوسع للشعار فلا أحصره في المفهوم الضيق للـ"أهل" بل في كل سلطة سخّرت صلاحيتها لتبني حواجز في طريق أهداف وأحلام من يخضعون لها.


نقطة البداية كانت قبل 25 يناير بأيام قلائل عندما انتشرت الدعوات الالكترونية للنزول للشوارع والميادين في اليوم المحدد للاحتجاج وإعلان الرفض لوضع قائم, تلتها فتواى شيوخ أجلاء وقساوسة وأساقفة نقدرهم لا ليحذروا بل ليمنعوا صراحة الشباب من المشاركة. قد يدعي البعض أن هناك ما يسمى بالإسلام السياسي وهو يعطي الحق لرجل الدين استخدام سلطته الدينية سياسيا, الله أعلم. لكني أعلم أنه لا يوجد شيء اسمه "المسيحية السياسية" (سواء كان أم لم يكن, بعد 18 يوم سمعنا تبريرات كثيرة من الجميع لذلك الموقف المتخاذل لكننا لم نسمع اعتذارا واحد. ما أسهل التبرير وما أصعب الاعتذار).. ورغم هذا امتلأت الشوارع يوم 25 وما تلاه بشباب مصر الحر في مشهد لن تنساه مصر, وتلك كانت الشرارة الأولى لـشعار "فكك من أهلك" الذي لم نكن نعرفه بعد.

علامة أخرى على طريق فكك من أهلك ظهرت قبل أن تتمخض به ثورتنا, يوم 27 مايو حينما تجددت الدعوات للتظاهر, كانت المؤسسات الدينية الرسمية استوعبت درس 25 يناير فلم يلقننا أحد وقتها أينبغي أن نشارك أم لا (وهو أمر عظيم ومفرح) لكن جماعة الأخوان لم تكن قد استوعبته بعد فجاء موقفها – مفترضا حسن النية – متخاذلا يفتقر للحنكة السياسية وحاولوا الحشد ضد اليوم لكن شبابهم الحر شارك جموع المصريين في فعاليات اليوم الرائع. وأيضا كاسيناريو 25, علقوا على موقفهم المتخاذل بكثير من التبريرات لكن لم نسمع اعتذارا واحد .. حقا ما أصعب الاعتذار.

شعار فكك من أهلك الذي ولد مع الموجة الثانية للثورة يحمل في طياته ثورة اجتماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى, ثورة بين جيلين اتسع الفارق بينهما, اكبرهما تربى على الطاعة العمياء, استقى معارفه من الجيل الأكبر. وأصغرهما وجد أمامه العالم مفتوحا, له الحق أن يختار ما يشاء ويعرف ما يشاء ويبحث عن اسباب كل شيء. جيل يهتم بماذا وآخر يبحث عن لماذا.

ولكي لا أبدو متحاملا على جيل أبائي وسلطة الأهل عموما أذكر مثالا عن أحد الأباء الأكثر من رائعين الذين بدأوا اعتصامهم يوم 8 يوليو في ميدان التحرير ( نعم, للآسف, هم ليسوا بلطجية كما يقولون).

سأل أحدهم الأب: انت معتصم يا حاج؟
-          ايوة معتصم.
-          ليه؟
-          عشان أخد حق ابني اللي مات يوم 28 يناير برصاص القناصة.
-          طب يا حاج انت سيبته ليه ينزل يوم 28؟ ما كنتش عارف ان اليوم ده خطر؟
-          أنا للي قولتله انزل.
هنا صمت محاوره قليلا من صعوبة الموقف ثم سأله ثانية:
-          انت مش ندمان انك انت اللي قولتله ينزل؟
فجاء رد الأب سريعا و مفاجئا: لأ مش ندمان
ثم أضاف و قد امتلأت عيناه بالدموع وقلبه بالإيمان وصوته بشجاعة متناهية:
-          وان رجع يوم 25 تاني ورجع ابني صاحي تاني برضه هقوله انزل.

 الدرس الذي بات على جميع السلطات أن تستوعبه, كانت دينية أو أبوية أو سياسية أو عسكرية أو حزبية أو أيديولوجية أنه لا طاقة لكم بالوقوف أمام مطالب الشباب المشروعة, لا تحاولوا الاصطدام بها, ولا تضعوا عوائق وحواجز في طريقها و إلا دُهِست دهسا, احترموا عقول الشباب, ودعونا نعمل معا دون اقصاء أو تعالي.


وعندما يجلس التاريخ ليكتب حكاية ثورة مصر, اقترح عليه أن يختار عنوان فصلها الأول "الشعب يريد", ذلك اللحن الذي صار أغنية, يتغنى بها كل شعب عربي يبحث عن الحرية, صرخ بها الشعب ليعلن للعالم أن له صوت يجب أن يُسمع و له إرادة يحب أن تُحترم. و للفصل الثاني عنوان "فكك من أهلك" مشيرا لثورة اجتماعية  و عقد اجتماعي جديد ينظم العلاقة من سلطة تحترم أبنائها وأبناء يطيعونها في الحق.


يقول المفكر محمد النويهي إبان "ثورة" 1952  أن أي ثورة سياسية لم يتبعها ثورة اجتماعية وفكرية محكوم عليها مقدما بالفشل. هذا وقد صنعنا الثورة السياسية ونصنع الثورة الاجتماعية.. متى نصنع الثورة الفكرية؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق