الاثنين، 20 يونيو، 2011

قيم مجتمعية مشوهة; يوم التدوين ضد التحرش الجنسي


نسقط في خطأ حقيقي اذا اختزلنا قضية التحرش الجنسي في مصر في عبارات مثل "ولد قليل ادب"  أو  "بنت مش متربية"  إذ نبلغ من السذاجة محاولة اختزال العنف الطائفي في شجار بين عائلتين, او نزيف الاسفلت في اختلال عجلة القيادة. بل هي مشكلة أكثر عمقا وتأصلا, تضرب بجذورها في موروثنا الثقافي والاجتماعي خاصة القريب. أو كما يوصِّفها د\جلال أمين في كتابه "ماذا حدث للمصريين" بأن المجتمع المصري لم يكن مستعد للانفتاح السريع على الثقافة الغربية و الخليجية بعد ثورة النفط الأمر الذي أدى إلى اختلال في الموازين الأخلاقية للمجتمع.

القضية إذن عميقة الجذور, ومحاولة حلّها بعيدا عن اسبابها هي محاولة ناجحة لإضاعة الوقت. المشكلة في رأيي تتمركز حول النظرة دونية التي تتبع المرأة في المجتمعات الأقل تقدما (تلك هي اللفظة الأفضل), تلك النظرة ناتجة عن ترسبات ثقافية استقرت في ذاكرة المجتمع وهذا الموروث والرواسب الثقافية خلقت ما يسمى بمجتمع الهيمنة الذكورية Male-Dominant Society  الذي يسمح بالتمييز الصارخ ضد المرأة بداية من استبعادها من أي مراكز قيادية في المجتمع سياسية أو اقتصادية أو ثقافية ... إلخ مرورا بكل أشكال التمييز الجنسي ضد المرأة وصولا لخلق بيئة تستبيح انتهاك حرمة الأنثى جنسيا فيما يسمى التحرش الجنسي أو العنف الجنداري.


دور المجتمع في دعم التحرش الجنسي:
لم يأخذ المجتمع موقفها حازما ضد التحرش الجنسي بالمرأة ولا حتى وقف موقف المحايد بل انحاز للرجل عن طريق خلق مجموعة من القيم الأخلاقية المشوهة التي يتجرعها الذكور (وأحيانا الإناث أيضاً !) بين الحين والآخر لتبرير أي هجوم أو انتقاص من شأن المرأة أو انتهاكا لحرمتها. ومن بين تلك القيم سأتحدث عن اثنتين, ثقافة لوم الضحية ومنطق استحلال الحرام.

لكن دعني أولا أسرد موقفا - غالبا قد مر عليك أيضا - يبرز تلك القيم المشوهة.
سؤال على الفيسبوك "في رأيك ما هو الحل الامثل للمعاكسات؟" واقترح السؤال اجابتين لا ثالث لهما وعليك ان تختار اجابة واحدة, الاولى هي ان الولاد تحترم نفسها والثانية البنات تلبس محتشم. وقد جاءت الاجابة تتجاوز العشرة آلاف كاسحة حاسمة  للاختيار الثاني. لم اهتم كثيرا بالسؤال ولا بسطحية وركاكة الاجابات المقترحة لأني دائما مستعد ان افترض ان شخصا ما أخطأ فكلنا خطائون, ما لفت نظري هو التوجه الغالب للمجيبين الذي وضع ثقل المشكلة على عاتق المرأة وحدها بالرغم أنها الضحية.

ثقافة لوم الضحية:
كلنا يحب أن يكون في موقف القوي لكن واقع الحياة يخبرنا أن الحق لا يكون الأقوى دائما لأن هناك معايير أخرى للقوة. فبدلا من أن ينحاز الشخص للحق ثم يدافع عنه في موقف الضعيف, ينحاز للقوي ثم يبتكر من الأسباب ما يثبت به ان ما انحاز إليه كان الحق. وهذا واضحا جليا في المثال السابق, ففي التحرش الجنسي بالمرأة يكون الذكر هو المعتدي والأنثى المتعدى عليه. لذلك انحاز حكم الأغلبية ناحية القوي (المعتدي) رغم أن الضحية كانت الأنثى التي وقع عليها الضرر.
يذكرني هذا بأحداث الثورة المصرية فبعد أن كانت وسائل الإعلام تقدم فروض الولاء والطاعة للنظام الحاكم وتصب جام غضبها على شباب الثائرين انقلبت بين ليلة وضحاها لتمجدهم وتحقّر من النظام السابق. بالطبع لم ينقلب الحق باطلا والباطل حقا في ليلة, بل هي انحازت بصورة عمياء للطرف الأقوى, وذلك بالتأكيد لا يخلو من الكثير من النفاق.

منطق استحلال الحرام :
أذكر مشهد من مسلسل الأرض الذي كان يذاع قديما, عندما ذهب الفلاح البسيط لقسم الشرطة يشكو للضابط من موظف التقاوي التابع للوحدة الزراعية الذي نصب عليه, وعندما استدعى الضابط ذلك الموظف وواجهه بالاتهام أجابه الأخير بعد ضحكة طويلة هازئة "واحد مغفل ما أسرقوش؟! ده حتى مايجينيش نوم". هذا بالظبط منطق كثير ممن صوتوا لصالح ان البنت تلبس محتشم, فهم على استعداد أن يبرروا جريمتهم (او جريمة غيرهم) الأخلاقية بأن لبس الفتاة أثارهم.
السؤال: هل لبس الفتاة وإن كان مثيرا يحل انتهاك حرمتها؟ هل لبس الفتاة مبرر كافي أن يجعلك تخرج عن طور أدميتك مندفعا بشهوة حيوانية لتلبي رغبة جنسية ألحت عليك وقتها؟ إذا رأيت نقودا تسقط من أحد في الشارع هل يبرر هذا أن تأخذ النقود لنفسك؟؟ لا, بل تلك النقود حرام عليك سواء في جيب الرجل أو سقطت منه كذلك حرمة المرأة حرام عليك سواء لبست محتشما أو مثيرا. و إن افترضنا ان لبسها المثير حرام  فهذا أيضا لا يحل لك حراما ولا يحل لك أن نتنهك حرمتها بفعل أو قول أو حتى بنظرة أو إيحاء.



المجتمع "المتدين" والتحرش الجنسي:
تزداد مشكلة التحرش الجنسي تعقيدا في مجتمع محافظ ( أو هكذا يدعي)  لأنه يلزم الفتاة بألا تبيح بما تعرضت له من مضايقات وإلا انتقدها المجتمع كما ذكرت سالفا. وتزداد تعقيدا على تعقيد في مجتمع متدين (أو هكذا يدعي – أيضا!) لأنه يرفض شكلا وموضوعا الإقرار بتلك المشكلة لما فيها من تنافي صارخ مع قيم الدين من عفة وطهارة يدعي المتدينون أنها السائدة.
لم يسعفني الوقت للبحث عن احصاءات عن معدلات جريمة التحرش الجنسي في المجتمعات التي نسميها "محافظة" و الأخرى"المتحررة" لكن يمكنك بنفسك البحث على google trends  , لا أعلم إن كنت ستتعجب إذا وجدت أن مصر تحتل المركز الثالث عالميا  في معدل البحث عن كلمة Sex  على سبيل المثال. لم توجد جامعة مصرية تحتل مركزا من الـ 1000 الأولى على مستوى العالم, لم يستطع منتخب مصر القومي لكرة القدم الوصول لنهائيات كأس العالم منذ 22 عالما, لكن ها هي مصر تحصل على المركز الثالث عالميا وعلى مدار سنين في البحث عن "الجنس" على الانترنت,,, كم أنا حزين عليك يا بلادي لا لأنك تعانين هكذا بل لأنك تنكرين وجود المشكلة من الأساس,,, ستظلي تعانين حتى تعترفي بما فيك من ضعف.

هذا فضلا عن تحيز الخطاب الديني في المجتمع بما يتماشي مع طبيعته الذكورية, فأنا أذهب للكنائس كثيرا وأسمع خطب شيوخ أكثر في التلفزيون والراديو وغيره. كثيرا ما سمعت دعاوى للبنات بالاحتشام ولبس ما يليق وهذا أمر محمود, هذا غير الملصقات التي تشوه الجدران في الشوارع والمواصلات التي تحث على الحشمة كطريق للجنة في حين أن نادرا ما سمعت موعظة أو خطبة لرجل دين تدعو الفتيان لغض البصر وعفة النظر, ولم أرى أبدا ملصقا في شارع يدعو الشباب بالاتزام الأدب كطريق للجنة.

الخطاب الديني لم يتحيز للرجل فحسب بل تجني على المرأة في أبشع الصور وبذلك يلقى هوى أيضا في مجتمع سيطرت عليه النزعة الذكورية. قرأت لأحد الكتاب تعبيرا مؤلم ومخزي لكنه للأسف واقعي حين قال متحدثا عن أحدهم "عقله بين رجليه" واصفا بأسلوب عبقري النظرة الدونية التي يتم تكريسها ضد المرأة على أنها جسد فقط. متناسيا أنها كيان انساني يفرح ويحزن, يحب ويكره, ينفعل ويهدأ, نسي كل هذا و تذكر فقط أنها جسد خُلق لمتعة الرجل. وبعد أن سمعت هذا لم أتعجب تشبيه أحد أصدقائي للمرأة بأنها قطعة حلوى يجب تغطيتها وإلا تراكم عليها الذباب L .



دور المرأة في قضية التحرش الجنسي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر.
ليست الحرية هبى تعطى بل حق ينتزع.
لم يضع حق وراءه مطالب.

كلها عبارات رددناها كثيرا وهي قريبة لقلبي لما تحمل من معنى إيجابي فهي تخدم فكرة أن من له حق عليه أن يسعى إليه. و حيث أن المتضرر الأول من التحرش الجنسي هي المرأة وجب عليها أن تسعى إليه وإلا ضاع, وكم من حقوق ضاعت لم يسأل عنها أصحابها. اليوم تتعرض المرأة للتحرش والإيذاء الجنسي وتصمت, وهكذا ستظل المرأة تعاني.
 كيف قبلن النساء بالمكانة الدونية التي وضعهن فيها المجتمع؟ كيف رضت المرأة ان يكون لها كوتة في مجلس الشعب (آسف في التعبير) كالكلب الذي رضى بالفتات الذي ألقي له من مائدة أربابه؟ كيف ترضى المرأة أن يخصص لها عربة في المترو مكرسة للفكرة ذاتها؟ هي من حقها أن تقف حيثما شائت وتلبس ما تريد وعلى المجتمع أن يحترمها ويقدرها كما يقدر الرجل شاء المنحرفون أم أبوا.
لن يضيع حق المرأة إن طالبت به, فقد طالبت به صفية زغلول وهدى شعرواي وغيرهن وانتزعن حقوقهن من المجتمع انتزاعا. فما بال النساء اليوم رضين بالمهانة؟؟؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق