الأحد، 27 مايو، 2012

أنا الثورة




في البدء .. أحمد الله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.

منذ عام وأربع أشهر, تحديدا يوم الرابع من فبراير 2011 جلست في سكون مع نفسي, استرجع ذكرايت ذلك اليوم الرهيب, يوم جمعة الغضب, يوم ما بذلت مصر من دماء خيرة أبناءها وبناتها, بسخاء وفير ودون ضجر, يوم ما حبست في عينيها الدموع وكتمت في صدرها الألم ونظرت إلينا بوجه مبتسمٍ وقالت: ها قد أعطيتكم الكثير فأروني ماذا ستفعلون... جلستُ يومها وكتبت بعض من الخواطر التي طافت في نفسي .. وها أنذا الآن, جالس في نفس السكون كأني في ذات ذلك الليل, أقرأ مشاعري آنذاك بقلبٍ حائر بين الأفكار المتناقضة.

أين كنّا؟ وكيف نحن الآن؟ وأي الطرق سلكنا؟ ماذا صرنا؟ هل حقا نجونا؟ أم هلكنا؟! من خاننا؟ ولماذا خاننا؟ أينبغي أن أفرح؟ أم أحزن؟ هل ضاع حلمي مني؟ أم مازلت أقبض عليه بيدي؟ هل أعدو خلف بصيص الأمل البعيد؟ أم هو مجرد سراب يخدعني كما خدع الجميع من قبلي وسألقى حتما حتفي ولا يبقى مني إلا جثة تشبه كل الجثث التي حولي؟ .. لست أدري .. حقا لست أدري.

لم أكن لأتخيل إنه بعد مرور عام ونصف على أعظم ما صنعنا أن يكون الوضع قاتم هكذا. انتخابات رئاسية يدّعون انها لاختيار أول رئيس لمصر الثورة, اختياران أحلاهما علقم وألذهما إفسنتينا. كيف أفاضل بين من قتلني ومن بارك قتلي؟ أحدهما قنصني جهرا والآخر طعنني غدرا في ظهري؟ الأول فقأ عيني واستحل عرضي والثاني رآني وعرض عني كأنه لا يعرفني؟

ولن أقبل كما ينصحونني بنصف العمى, ولن اختار "احسن الوحشين", إذ كيف ألوم بعدها هؤلاء الذين يقبلون الذل خشية الجوع ويرتضون العبودية لينجو من الخوف؟؟ أنا أيضا لن أقبل الفاشية الدينية كبديل عن الاستبداد السياسي والعكس صحيح. ومازلت أذكر جيدا هدفي الذي خرجت لأجله: الحرية والكرامة والعدالة ولن أرضى بأقل منه.

مَن ألوم على سوء الحال هذا ومَن أبكّت وفيمن أشفي غليلي؟ هل هو القدر الذي يعبث بنا؟ .. كيف يكون والقدر ليس عدو مترصد حتى يضطهدنا دائما ولن أحمّله المسؤولية كما يفعل المتكاسلون ليرضوا أنفسهم أمام ذواتهم الضعيفة. من ألوم إذا؟ ليتني أعرف من هو المذنب بيننا كي ألقي به البحر فتهدأ الريح وتسكن الأمواج.

بالطبع لن ألوم النظام القديم بمجلسه بأركانه برجاله لأنه العدو الصريح, وأي رجل يلوم عدوه لأنه هزمه ! هذا أيضا ضعف وقلة حيلة.

هل ألوم هؤلاء الذين لقبوا أنفسهم بمرشحي الثورة لأنهم لم يتحدوا وفضّل كلُ منهم أيديولوجيته الخاصة ومشروعه الخاص على مصلحة الوطن, وداعبهم سلطان الهيمنة وأزاغ عينيهم بريق الكرسي حتى لم يعودوا يروا المصير الذي دفعوا الجميع إليه.. أم ألوم مؤيديهم الذين قضوا ليلهم ونهارهم يتربصون بأخطاء بعضهم البعض ويشوهون بعضهم البعض غير دارين أنهم يؤذون أنفسهم.. أم ألوم المقاطعون المنسحبون الذين تركونا في ميدان المعركة وحدنا وجلسوا يتفلسفون وينعتوننا بالغباء والحماقة كأنهم أحكم من أنجبت الأرض.. أم ألوم الشعب الجاهل الذي نسي دماء التي سفكت من أجله واختار القاتل والجلاد, الشعب الذي يشتاق إلى العبودية كما يشتاق التائة في الصحراء إلى الماء.. أم ألوم الأقباط, الذين فضلوا الجلوس عند قدور اللحم وأكل الخبز للشبع عن خوض الحرب.. الذين لا يروا إلا أنفسهم ولا يفكرون إلا في مصالحهم الطائفية الضيقة.. أم ألوم الإسلاميين على فشلهم المفجع في البرلمان, والذين استخدموا الخطاب الإقصائي الاستعلائي المتطرف الذي نفّر الناس منهم ودفعهم لاختيار النظام القديم خوفا منهم أو نكاية فيهم.

أم ألوم نفسي ... لأني .......  حقا, ما أسهل أن تلوم الآخرين وما أصعب أن تعترف بخطأك.

من الآن إذا حتي يُقر كل من أخطيء بخطأه, ويعمل على تصحيحه, وحتى يدرك الجميع أن التناحر والطمع والمساومة على الحق يقودان حتما للفشل, سأظل محتفظا بحلمي, لن أنساه أبدا, ولست ساخطا او متذمرا على نتيجة الانتخابات سواء فاز السيء أو الأسوأ, لأني على يقين أننا نستحق ما ابتلانا وأن الجزاء من جنس العمل ولن نجني إلا ما زرعنا.. تلك هي عدالة السماء.

ولست يائسا, فقد علمتني الثورة ان اليأس هو موت الأحياء. الثورة ليست ميدان ممتليء ولا حزب مهيمن ولا رئيس منتخب, بل نحن الثورة, أنا الثورة وأنت الثورة, إذا يأسنا استسلمت, وإذا قاومنا صمدت وحاربت .. الثورة عقيدة راسخة, إيمان ثابت بالمبدأ, ثقة يقينية بانتصار الحق ولو بعد حين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق