الجمعة، 17 يونيو، 2011

ماذا يحدث لو "الشمس خبطت في الجَمَر" ؟


بمناسبة خسوف القمر الأخير.. كلنا يعرف أن تلك الظاهرة تحدث نتيجة تلاقي الشمس والأرض والقمر على خط مستقم على الترتيب مما ينتج عنه أن أشعة الشمس تُحجب عن القمر بواسطة الأرض فنرى جزء منه أو كله قد أظلم. وكسوف الشمس كذلك يحدث عندما تتلاقى الشمس والقمر والأرض على خط مستقيم على الترتيب فيحجب القمر أشعة الشمس عن الأرض فتختفي عنا الشمس جزئيا أو كليا أو حلقيا .. لم أتفلسف!, فدرس الكسوف والخسوف كان مقررا علينا في منهج العلوم في الصف الثاني الإعدادي.





لكن هل درس العلوم هذا كان يكفي؟؟؟
أتذكر في صيف 1998 أخذنا أبي لقضاء بضعة أيام من الأجازة الصيفية ببورسعيد, لم أكن قضيت ربيعي الثاني عشر بعد, ومثلي مثل أطفال سني كنت مفعما بالحيوية أعشق الأماكن الواسعة والجري واللهو أينما وجدت. لكن تصادف لسوء الحظ (أو هكذا حسبت) أن أعلن التلفزيون عن حدوث كسوفا للشمس تراه مصر بعد يومين, وبدأت قنوات التلفزيون القليلة تستضيف ضيوفا يتحدثون عن الكسوف المرتقب. أتذكر تلك النبرة التخويفية التي كان يتكلم بها ضيوف التلفزيون الرسمي وحديثهم عن الأشعة الفوتونية الضارة التي تصاحب الكسوف وأن من سوف يتجرأ وينظر للشمس أثناء الكسوف سوف يصاب بالعمى لا قدر الله وملخص الرسالة أن يلتزم الجميع بيوتهم ولا يخرجوا منها ويدعوا الله أن يمر ذاك اليوم بسلام.

لا أنكر أن الخوف أصابني لبرهة بعد جرعة تحذيرات وتخويفات لكن أبي جلس معنا وبين لنا أن ما يقوله التلفزيون هذيان وشرح لنا سبب الكسوف وأبعاده حتى اطمأن قلبي. وفي ليلة الكسوف بينما كانت السيارات تجوب شوارع بورسعيد محذرة السكان والمصطافين من الخروج للشوارع غدا كنا نحن في غرفة الفندق المتواضع مشغولين بالبحث عن قطعة زجاج لنسودها بشمعة لنراقب الكسوف في اليوم التالي.

استقيظنا في الصباح الساعة السادسة كالعادة وتناولنا إفطارنا وجهزنا أمتعتنا وخرجنا للقاء شاطيء البحر الجميل, بدت المدينة يومها مدينة أشباح, خلت من كل حركة وصوت اللهم إلا بعض القطط التي كانت تجري هنا وهناك كأنما أصابها الذعر هي أيضا وصوت موتور سيارتنا. وصلنا الشاطيء العام الذي اعتدنا ارتياده وقد بدا المشهد غريبا حقا فهذا الشاطيء كان يعج دوما بالمصطافين أما اليوم فهو خالي حتى من حارس الشاطيء. نصبنا شمسيتين وجمعنا بعض الكارسي وجلسنا تحتيهما. كان اليوم رائعا وهادئا, الشاطيء يجلس وقورا بينما البحر يداعبه بأمواج خفيفة متتابعة والسماء ترسل رياحا حلوة بين الحين والآخر والشمس وقفت متلألأه في كبد السماء تراقب هذا المشهد الجميل الذي أبدعه الخالق.

قضيتُ واخوتي يوما مخلتفا, ذرعنا الشاطيء بطوله جيئة وذهابا, نصرخ بأعلى أصواتنا فتختلط بصوت الأمواج غير مبالين بأحد فلا أحد ههنا ليسمعنا ثم ندخل البحر ونغوص على مقربة من الشاطيء ثم نلعب قليلا على الرمال ونبحث عن الأصداف متبارين من يجمع أكبر صدفة. وعندما بدأ الكسوف دعانا أبي لنراقبه من خلال قطعة الزجاج السوداء التي أحضرناها معنا وألتقطنا صورا تذكارية ونحن وحدنا على الشاطيء الطويل مازلت احتفظ بها إلى الآن بالتأكيد.

عادت الحياة في اليوم التالي لطبيعتها, لم يختلف إلا حديث الناس فكان موضوع كسوف البارحة هو حديث الساعة, وعندما وفقنا بالسيارة في الصباح أمام إحدى الأكشاك لشراء مأكولات سريعة سمعنا المرأة في الكشك تقول لأحد زبائنها "اصل احنا كان خوفنا ايه ؟ للشمس تخبط في الجمر يحصل انفجار". ضحكنا في السيارة كثيرا من قول تلك المرأة وكنت ولازلت أكرر مقولتها هذه على أصدقائي على أنها مزحة ثم أقول لهم: من الجهل ما قتل;... من يدري, لعل تلك المرأة لم تنل قسط من التعليم للتعرف على الأجرام السماوية أو لتدرك ان المسافة بين الأرض والشمس تبلغ 390 ضعف المسافة بين الأرض والقمر, من السهل أن أفترض هذا لكن لا استطيع أن أسلم بأن مدينة بورسعيد بكاملها لم يوجد فيها إنسان درس الكسوف والخسوف في المرحلة الإعدادية!. لا, بل هو الإعلام الضال المضلل الذي بث الرعب في قلوب المصريين حتى جعل الملايين من الشعب يتصرفون في يومٍ كجهلاء, من نال منهم قدر من العلم ومن لم ينل.

الإعلام كان و – للأسف – لا يزال يبث الرعب والخوف في قلوبنا كلما عقدنا عزمنا على عمل جليل, ليس الإعلام فحسب بل كثير من المسؤولين والقادة والسياسيين وغيرهم, وبالطبع تذكر مثلي "تامر بتاع غمرة" كمثال للاستخفاف بالعقول و نشر الذعر الكاذب حتى خيل للبعض أن ميدان التحرير به ديناصورات وكائنات فضائية عجيبة تلتهم البشر! .

ليخيفونا قالوا أن من أشعل الثورة عناصر خارجية, ليخيفونا قالوا أن الثوار يأكلون الكنتاكي!, ليخيفونا قالوا نشطائنا ماسونيين, ليخيفونا قالوا بعد مبارك الفوضى, ليخيفونا قالوا إسرائيل تستعد لغزو سيناء, ليخيفونا قالوا إما الأمن أو الحرية, ليخيفونا قالوا إما الكرامة أو الخبز, ليخيفونا قالوا فتنة طائفية, ليخيفونا قالوا إقتصاد ينهار, ليخيفونا قالوا جمعة وقيعة, ليخيفونا قالوا جاسوسا قاد الثورة, ليخيفونا قالوا وقالوا وسيقولوا ويقولوا كل ما هو كذب وخداع وتضليل.

علمتني الحياة أني عندما لم أخف من مهاترات التلفزيون حول الكسوف قضيت يوم ولا أروع على شاطيء بورسعيد.
عندما لم أخف من تهديدات الشرطة البائدة شاركت في جمعة الغضب 28 يناير وسوف أظل طول عمري أفخر بأني شاركت في هذا اليوم العظيم الذي سقط فيه مئات الشهداء ممن أحبوا بلادهم بحق.
عندما لم أخف من التخويفات بالبلطجية والوقيعة قضيت يوما رائعا في الميدان تحت قطرات المطر الخفيف بعيدا عن الشعارات والايدولوجيات والصفقات السياسية وسط أناس أحبوا مصر.

الخوف طبيعة فينا لكن لا تدعهم يتلاعبون بك بل أغلب التخويف بإيمانك وشجاعتك وعقلك.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق