السبت، 20 أغسطس، 2011

لماذا أكره إسرائيل




لن أعرض أحداث يومية, فهي تملأ الصحف, ولا وقائع تاريخية, فهي تملأ الكتب, لكني أعرض وجهة نظري الشخصية في محاولة لأريك ما أراه ولأجد جوابا يشفي فضولي "لماذا أكره إسرائيل".
وبعد قراءة المقال قد تجد أن عنوانه كان مضلل إلى حد ما.. قد ضللني أنا أيضا.


كثيرا ما تسائلت هل إسرائيل حقا هي سبب كل ما يصيبنا من بلاء؟ ولولاها ستكون مصر يوتوبيا؟  .. تبدو لي الإجابة, نعم.


ففي مصر, لا يتردد الرأي العام أن ينسب لإسرائيل كل شر وشبه شر يلحق بنا, وإذا افترضت أن الرأي العام دائما على صواب (وهو ما يعتقده كثيرون) لصدقت أن أحداث العنف الطائفي التي تندلع بين مسلمين ومسيحيين بين الحين والآخر سببها إسرائيل, ولعلمت أن سمكة القرش التي قضمت ذراع مصطافة ألمانية أرسلتها إسرائيل, وتيقنت أن الشغب في مبارة الفريق المصري والتونسي أوعزت به إسرائيل, وأدركت أن مفجّر أنابيب الغاز في سيناء يعمل لصالح إسرائيل.

بل ذهب البعض إلى أن الثورة المصرية التي أطاحت بحليف إسرائيل هي من صنع إسرائيل. ولا يتوقف الموضوع عند إلقاء الملامة فحسب, بل إحدى شروط الترشح للرئاسة سواء كنت ليبرالي أو إسلامي أن تكره إسرائيل, وبقدر ما تسب إسرائيل وتكيل عليها اللعنات بقدر ما زادت شعبيتك وأثبتُّ وطنيتك وحماستك.

يذكرني الأمر براسكولينيكوف, القاتل المحترف, الذي قضى شهرا ونصف لا ينام, كل همه أن يخطط لأدق تفاصيل جريمة السرقة والقتل التي أزمع أن يرتكبها ضد إمرأة عجوز, وبالفعل تممها بنجاح, وبعد سنين طويلة عندما مثل أمام القاضي دافع عن نفسه قائلا "لقد أغواني الشيطان" في حين أن الشيطان كان يجلس تحت رجليه صامتا يتعلم من شدة دهاءه. بالطبع أنا لا أدافع عن الشيطان ( وبالتالي لا أدافع عن إسرائيل) والشيطان نفسه لم يدافع عن نفسه!, بل وقف بعيدا سعيدا بمجدٍ ناله لا يستحقه, مفضلا الصيت على الغنى.

* * *

أنتقل لمشهد آخر, أعود في أوله بالذاكرة سنين للوراء, عندما كنت جالسا أمام التلفزيون, فارغ الصبر, منتظرا انتهاء نشرة أخبار التاسعة المملة على القناة الأولى, حتى أعواد اللعب بالأتاري. ويطل المذيع السمج, ليذيع الخبر الأول في النشرة - الذي هو كالعادة – ذهب الرئيس جاء الرئيس استقبل الرئيس قال الرئيس, ثم الخبر الثاني: "شنت مروحية إسرائيلية غارة على قطاع غزة وأطلقت قذائف راح ضحيتها شهيد فلسطيني وخمس مصابين, ورد الجناح العسكري لحركة حماس بإطلاق صاروخين على مستطونات إسرائيلية أسفرت عن مقتل إسرائيلي وإصابة اثنين أخرين".

كنت أتسائل لماذا نسب المذيع للفلسطيني الشهادة وللإسرائيلي القتل؟ أليس كلاهما مدنيين ماتا بنيران عسكرية؟ ليكن إذن كلاهما شهيدين أو قتيلين. والرد الذي يأتيني هو أن الأول يهاجم أما الثاني يرد, أو ان الأول مغتصِب والثاني مقاوم. حسنا, سوف أقبل تلك الإجابة فهي تبدو منطقية, وعلى أي حال أنا لا يهمني قول المذيع, فبجانب كرهي له, كنت واثقا أن الله تعالى لن يرسل هذا المذيع ليقف على باب الجنة.

الموضوع إزداد تعقيدا أمامي حين قمنا بالثورة, وسقط مبارك, ورأينا ردود الأفعال الإسرائيلية تجاه هذا, لقد كانت إسرائيل تساند مبارك حتى النفس الأخير, وها هو حسين سالم الصديق الأقرب لمبارك يحمل جواز سفر إسرائيلي, الغاز المصري يصدر بأبخث الأسعار لإسرائيل, بل أن مبارك كان "الحليف الإستراتيجي" لإسرائيل في المنطقة على حد قول أحد وزرائهم.

لماذا إذن كان الإعلام المصري الرسمي الغير الحر الخاضع مئة في المئة لنظام مبارك كان يرسخ في أذهاننا تلك الصورة السوداء عن إسرائيل وكأنها الشر المطلق في الأرض بينما كان مبارك حليفهم الإستراتيجي؟ سؤال صعب.

وليس بسر أن نظام مبارك لم كان يوجِّهنا من خلال نشرة الأخبار فقط, بل كان هناك من يدعون "رجال دين" صنعهم النظام وكرسوا أنفسهم لخدمته, ودافعوا عنه حتى الممات بينما كان أتباعهم يشكون من قمع النظام لهم وعدم قدرتهم على ممارسة شعائرهم الدينية بالحرية التي يريدونها. فليس أسهل من أن يطلق أحدهم لحيته وتُصنع له قناة فضائية ويُصدّر إعلاميا حتى يتبعه كثيرون ثم يعمل لخدمة نظامه الظالم. هؤلاء رأيتهم كثيرا يقضون الساعات يبثون الكراهية تجاه إسرائيل ثم يسبحوا بحمد النظام. والمدعون "مثقفون" أيضا, منهم من صنعهم النظام وصدرهم إعلاميا وكان شغلهم الشاغل الثناء على النظام وصب اللعنات على رأس إسرائيل.

مازال السؤال الصعب قائما, لماذا كان إعلاميو مبارك, و"رجال دين" مبارك, و"المثقفون" المباركيون و الساسة المباركيون, يرسخوا في أذهاننا كراهية إسرائيل حتى النخاع بينما كان مبارك نفسه حليفهم الإستراتيجي؟؟

والسؤال الصعب يبدو سهلا إذا ما قارنته بالسؤال الثاني: لماذا تركت إسرائيل حليفها الإستراتيجي يكرس في عقول وقلوب شعبه كراهية إسرائيل؟ هل لم يكونوا على علم؟ بالطبع لا. لماذا لم يرفع نتنياهو سماعة هاتفه ليطلب من صديقه أن يصور إسرائيل على أنها صديق؟ أو على الأقل أن يخفف من حدة ترسيخ الكراهية ضدهم؟

هل تعتقد أنه كان سيفشل؟ أقول لك لا. فعلى مدار 30 عاما تشكل فيها ثقافة أجيال وأجيال كان يقدر مبارك أن يزرع فينا ما أراد عن طريق جنوده المختلفين الذين ذكرتهم سابقا. لو أراد أن يصنع من المصريين والإسرائيليين أحب الأصدقاء, لفعلها. لا أحكم من خيالي بل من وقائع ألمسها, فقد نجح نظام مبارك (وحلفاءه) أن يغيروا مفاهيم أساسية وإنسانية فينا وليست سياسية فقط. فهناك قطاعات عريضة من المجتمع تعتقد أن قتل من خالفك الرأي جهاد في سبيل الله, وقطاعات أعرض تعتقد أن القمع هو الانضباط, و قطاعات أعرض وأعرض تعتقد أن الذل والمهانة هما الرضا بما قسم الله لنا.

نعم, أكررها, إن أراد نظام على مدار 30 عاما أن يغير فينا ما أراد من مفاهيم لفعل, في ظل ضعف عام للمؤسسات الدينية, انحدار شامل في مستوى الثقافة, انشغال المواطن العادي بقوت يومه, ومؤسسات إعلامية ومجتمعية يسطو عليها النظام.

* * *

هكذا ظلت تلك الأسئلة تحيرني حتى وجدت إجابتها أمس عندما قرأت عن مقابلة حدثت مع هيرمان جورنج, الذراع الأيمن لهتلر بينما كان يتنظر محاكمته بعد سقوط النازية.

      سأله محاوره:
-          هل الفقراء يريدون الحرب؟
-           بالتأكيد الناس لا يريدون الحرب. لماذا يعرض فلاح فقير حياته للخطر بينما أفضل ما يمكن أن يجنيه بعد الحرب هو أن يعود مرة أخرى إلى حقله. الناس العادية لا يريدون الحرب, لا في روسيا ولا إنجلترا ولا أمريكا ولا حتى ألمانيا. هذا مفهوم. لكن الواقع أن قادة الدولة هم من يرسمون السياسات ودائما قيادة الناس على تنفيذ تلك السياسات أمر هين, سواء كان النظام ديمقراطي أو ديكتاتوري فاشي أو برلماني أو شيوعي.
فعلق محاوره:
-          لكن هناك فرق, ففي الأنظمة الديمقراطية هناك ممثلين عن الشعب, وفي الولايات المتحدة مثلا لا يؤخد قرار الحرب إلا من خلال الكونجرس.
فأجاب جورنج قائلا:
-          أوه, هذا كله جيد, لكن أن تقنع الناس أيا كانوا بما يريده القادة أمر سهل جدا, كل ما عليك فعله, أن تخبر الناس أننا معرضون للهجوم, وتشجب معارضي الحرب بأنهم قليلو الوطنية, وتعلن رسميا تعرض الدولة للخطر. هذا الحل يعمل بنفس الطريقة في أي دولة.

هذا حقا ما يفعله الحكام, وبتلك الطريقة يفكرون, يجب أن يشعر الناس دائما ان هناك خطر ما يحوم حولهم, لابد أن يكون هناك عدو ما واقف على الأبواب, حتى يؤيد الناس قادتهم تأييد أعمى نابع عن خوف, وليس اقتناع, ويقمع صوت كل معارض.

هذا ما فعله هتلر ليبرر غزوه لبولندا في بداءة الحرب العالمية الثانية.

هذا ما فعله بوش حينما خدع الرأي العام الأمريكي ليبرر حربه ضد العراق.

هذا ما فعله مبارك ليبرر بقاءه في الحكم.

هذا ا تفعله إسرائيل لتبرر استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين.

هذا ما يفعله بعض المتشددين الإسلامين حين يخبرون أتباعهم أن خطر العلمانيين الكفرة على الأبواب.

هذا ما يفعله بعض اليساريين المتطرفين حين يخبرون أتباعهم أن خطر الإمارة الإسلامية الرجعية بات محقق.

هذا ما يفعله كل ظالم وجد في يده سلطة,
 فليرحمنا لله منهم جميعا.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق