الأحد، 27 مايو 2012

أنا الثورة




في البدء .. أحمد الله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.

منذ عام وأربع أشهر, تحديدا يوم الرابع من فبراير 2011 جلست في سكون مع نفسي, استرجع ذكرايت ذلك اليوم الرهيب, يوم جمعة الغضب, يوم ما بذلت مصر من دماء خيرة أبناءها وبناتها, بسخاء وفير ودون ضجر, يوم ما حبست في عينيها الدموع وكتمت في صدرها الألم ونظرت إلينا بوجه مبتسمٍ وقالت: ها قد أعطيتكم الكثير فأروني ماذا ستفعلون... جلستُ يومها وكتبت بعض من الخواطر التي طافت في نفسي .. وها أنذا الآن, جالس في نفس السكون كأني في ذات ذلك الليل, أقرأ مشاعري آنذاك بقلبٍ حائر بين الأفكار المتناقضة.

أين كنّا؟ وكيف نحن الآن؟ وأي الطرق سلكنا؟ ماذا صرنا؟ هل حقا نجونا؟ أم هلكنا؟! من خاننا؟ ولماذا خاننا؟ أينبغي أن أفرح؟ أم أحزن؟ هل ضاع حلمي مني؟ أم مازلت أقبض عليه بيدي؟ هل أعدو خلف بصيص الأمل البعيد؟ أم هو مجرد سراب يخدعني كما خدع الجميع من قبلي وسألقى حتما حتفي ولا يبقى مني إلا جثة تشبه كل الجثث التي حولي؟ .. لست أدري .. حقا لست أدري.

لم أكن لأتخيل إنه بعد مرور عام ونصف على أعظم ما صنعنا أن يكون الوضع قاتم هكذا. انتخابات رئاسية يدّعون انها لاختيار أول رئيس لمصر الثورة, اختياران أحلاهما علقم وألذهما إفسنتينا. كيف أفاضل بين من قتلني ومن بارك قتلي؟ أحدهما قنصني جهرا والآخر طعنني غدرا في ظهري؟ الأول فقأ عيني واستحل عرضي والثاني رآني وعرض عني كأنه لا يعرفني؟

ولن أقبل كما ينصحونني بنصف العمى, ولن اختار "احسن الوحشين", إذ كيف ألوم بعدها هؤلاء الذين يقبلون الذل خشية الجوع ويرتضون العبودية لينجو من الخوف؟؟ أنا أيضا لن أقبل الفاشية الدينية كبديل عن الاستبداد السياسي والعكس صحيح. ومازلت أذكر جيدا هدفي الذي خرجت لأجله: الحرية والكرامة والعدالة ولن أرضى بأقل منه.

مَن ألوم على سوء الحال هذا ومَن أبكّت وفيمن أشفي غليلي؟ هل هو القدر الذي يعبث بنا؟ .. كيف يكون والقدر ليس عدو مترصد حتى يضطهدنا دائما ولن أحمّله المسؤولية كما يفعل المتكاسلون ليرضوا أنفسهم أمام ذواتهم الضعيفة. من ألوم إذا؟ ليتني أعرف من هو المذنب بيننا كي ألقي به البحر فتهدأ الريح وتسكن الأمواج.

بالطبع لن ألوم النظام القديم بمجلسه بأركانه برجاله لأنه العدو الصريح, وأي رجل يلوم عدوه لأنه هزمه ! هذا أيضا ضعف وقلة حيلة.

هل ألوم هؤلاء الذين لقبوا أنفسهم بمرشحي الثورة لأنهم لم يتحدوا وفضّل كلُ منهم أيديولوجيته الخاصة ومشروعه الخاص على مصلحة الوطن, وداعبهم سلطان الهيمنة وأزاغ عينيهم بريق الكرسي حتى لم يعودوا يروا المصير الذي دفعوا الجميع إليه.. أم ألوم مؤيديهم الذين قضوا ليلهم ونهارهم يتربصون بأخطاء بعضهم البعض ويشوهون بعضهم البعض غير دارين أنهم يؤذون أنفسهم.. أم ألوم المقاطعون المنسحبون الذين تركونا في ميدان المعركة وحدنا وجلسوا يتفلسفون وينعتوننا بالغباء والحماقة كأنهم أحكم من أنجبت الأرض.. أم ألوم الشعب الجاهل الذي نسي دماء التي سفكت من أجله واختار القاتل والجلاد, الشعب الذي يشتاق إلى العبودية كما يشتاق التائة في الصحراء إلى الماء.. أم ألوم الأقباط, الذين فضلوا الجلوس عند قدور اللحم وأكل الخبز للشبع عن خوض الحرب.. الذين لا يروا إلا أنفسهم ولا يفكرون إلا في مصالحهم الطائفية الضيقة.. أم ألوم الإسلاميين على فشلهم المفجع في البرلمان, والذين استخدموا الخطاب الإقصائي الاستعلائي المتطرف الذي نفّر الناس منهم ودفعهم لاختيار النظام القديم خوفا منهم أو نكاية فيهم.

أم ألوم نفسي ... لأني .......  حقا, ما أسهل أن تلوم الآخرين وما أصعب أن تعترف بخطأك.

من الآن إذا حتي يُقر كل من أخطيء بخطأه, ويعمل على تصحيحه, وحتى يدرك الجميع أن التناحر والطمع والمساومة على الحق يقودان حتما للفشل, سأظل محتفظا بحلمي, لن أنساه أبدا, ولست ساخطا او متذمرا على نتيجة الانتخابات سواء فاز السيء أو الأسوأ, لأني على يقين أننا نستحق ما ابتلانا وأن الجزاء من جنس العمل ولن نجني إلا ما زرعنا.. تلك هي عدالة السماء.

ولست يائسا, فقد علمتني الثورة ان اليأس هو موت الأحياء. الثورة ليست ميدان ممتليء ولا حزب مهيمن ولا رئيس منتخب, بل نحن الثورة, أنا الثورة وأنت الثورة, إذا يأسنا استسلمت, وإذا قاومنا صمدت وحاربت .. الثورة عقيدة راسخة, إيمان ثابت بالمبدأ, ثقة يقينية بانتصار الحق ولو بعد حين.


الخميس، 26 أبريل 2012

ضد الإرهاب الفكري; تضامنا مع عادل إمام




مش محتاج كل مرة أنتقد سلوك حد اقول قبلها اني بحترمة, ولا كل ما ادافع عن حد اقول اني بختلف معاه .. المرحلة ديه تجاوزناها من زمان.

متضامن مع عادل إمام ضد الحكم الظالم الإرهابي اللي اتعرضله بتهمة "إذدراء الإسلام", ومش عايز حد يستخدم النظرية الفلسفية بتاعة تالتة ابتدائي (قلمي أطول من قلمك أأااه) ويقولي لو كانت التهمة ازدراء المسيحية كان زمانك مبسوط وبتقول يستاهل .. برضة انا مفترض ان المرحلة ديه تجاوزناها وكبرنا عليها.



لا ترقي بدون فن, ولا فن بدون إبداع ولا إبداع بدون حرية, ولا حرية في وجود قوانين تسلط سيوف الإرهاب الفكري على أعناق المبدعين ..سيبك من الكلام الإنشا ده اللي ما بيأكلش عيش وتعالى نسأل, هل عادل إمام فعلا إزدرى الإسلام؟ هل تمثيل دور رجل ملتحي نصاب يُعتبر إزدراء للإسلام؟

أول ما سمعت تهمة "إزدراء الإسلام" استحضر ذهني علطول التهم الجامدة الدسمة من أمثال "اسقاط الجيش" و"هدم الدولة" اللي وجهت لنشطاء سياسين كانوا ضد النظام الحاكم.

واستحضر ذهني قضية كشف العذرية,لما طلب ممدوح حمزة وتهاني الجبالي من المناضلة الشابة سميرة إبراهيم سحب دعوتها القضائية "حفاظا على كيان الدولة"! .. السؤال البديهي: مين طعن كيان الدولة وهيبة الجيش؟ الجندي اللي انتهك عرض بنت ولا الضحية اللي قررت ما تسكتش عن جريمة ارتكبت في حقها؟

وبنفس المنطق, الصحفي اللي صور العساكر بيعروا وبيسحلوا ست البنات في التحرير وبعت الصورة لوكالات الأنباء العالمية هو اللي أهان جيش مصر ولا العساكر وقادتهم أشباه الرجال هم من أهان الجيش؟

الصحفي يعتبر مجرم في حق الجيش إذا كان فبرك الصورة, لكن طالما عمله اقتصر على نقل الواقع يبقى بريء مهما كان الواقع قبيح.. وكده يبقى اخدنا الموضوع خطوة لقدام, والسؤال يكون: ما نقله عادل إمام في أفلامه واقع ولا فبركة؟

الاعتراف بالحقيقة دايما بيكون سخيف خاصة اذا كانت الحقيقة صادمة ومش على مزاجنا. واحنا بنحب اللي يضحك علينا ويفهمنا اننا حلوين واننا شعب متدين ومحافظ بس الواقع بيقول ان معدل التحرش الجنسي في مصر من أعلى المعدلات في العالم. ونسبة البحث على المحتوى الجنسي ع الانترنت في مصر من أعلى النسب في العالم. نرجع لعادل إمام ونسأل, هل تصوير رجل ملتحي بيدعي الدين والتقوى على انه نصاب واقع ولا فبركة؟

مش هجاوب بس هفكرهم بشوية امثلة للنصب بالدين حصلت مؤخرا من مدعين الدين والتقوى:
خداع عموم الناس وإيهامهم بالباطل ان "نعم" الاستفتاء للحفاظ على هوية مصر الإسلامية. استغلال جهل الناس والنصب عليهم باسم الدين بان صوته في الانتخابات لحزب ما هيدخله الجنة. تشويه صورة مذهب فكري عن جهل بافتراض حسن النية أو عن طريق التضليل باسم الدين – ليبرالية يعني امك تقلع الحجاب. نائب كذاب اختاره الشعب لورعه وتقواه ما صنش الأمانة. رجل بيدعي انه بيتكلم بالدين بيدافع عن جنود انتهكوا عرض بنت في وضح النهار ويقول للي دافع عنها "يا واد يا مؤمن". وتفعيلا لمبدأ (قلمي أطول من قلمك أأااه) التجارة بالدين ووصف الإضراب المدني بأنه ضد الدين.. وطبعا الخداع والكدب والتضليل باسم الدين مش طفرة ظهرت فجأة بعد الثورة لكنها عادة قبيحة مترسخة فينا من زمان بسبب الجهل والسطحية وتدني الثقافة.



أما عن الإرهاب الفكري فاذكر مثال لما واحد آساحبي في عز أيام الخناقات على جنسية أم أبو اسماعيل كتب ستيتس ع الفيسبوك بيفترض انها أمريكية .. فجاله سيل من الهجوم خلاه يحذف الاستاتس بعد فترة قصيرة.

الإرهاب الفكري دايما قامع للعقول ومعطل للتطور الحضاري.. مثلا سقراط أبو الفلاسفة كان بينزل السوق ويكلم الشباب عن الفلسفة, فحُكم عليه بالإعدام باسم الدين بتهمة انكار الآلهه اليونانية و "إفساد عقول الشباب" ومن بعدها بقت الفلسفة عمل الصفوة.

والمسيح جاهر بتعليم مغاير لتعليم اليهود فحكموا عليه بالموت مصلوب باسم الدين. جالليلو جاهر بنظرية كوبرنيكوس ان الأرض ليست مركز الكون وبتدور حول الشمس فحوكم ونُفي لانه نادي بتعاليم –ظنت الكنيسة الكاثوليكية وقتها- انها ضد الانجيل. فرج فودة كُفر واغتيل لأنه نادى بأفكار غريبة عالمجتمع يظنوا انها ضد الدين... وغيرها كتير جرائم ارهاب فكري بشعة ارتكبت وظن مرتكبيها انها يقدمون خدمة جليلة للدين والوطن.



خلاصة الكلام, أنا مع حرية الرأي والتعبير والإبداع. ومش شايف عادل إمام ازدرى الإسلام, هو انتقد بصورة ساخرة استغلال (abusing) الدين من قبل جهلة ومتطرفين وتجار دين وده مش افترا لكن واقع قبيح عايشينه لكن معندناش الشجاعة الكافية اننا نواجهه فبننكره وبنهاجم اللي بيصارحنا بالحقيقة المرة ديه.

ومحدش قالك اعجب بأعماله أو حبها أو شوفها مفيدة .. ومحدش يقدر يجبرك انك تستذوق بلسانه ولا تشوف بعينه, كل واحد حقه يحب اللي عايزه ومايحبش اللي عايزه بس مش معنى ان حاجة مش عاجباك ان تؤذي صاحبها أو تستحل أذية صاحبها .. زي ما من حق المسيحيين انهم يرفضوا الاخوان لكن مش المفروض يستحلوا وقوع الظلم عليهم لان ده ضد المحبة اللي بيدعوا انها عندهم. وزي المسلمين حقهم يرفضوا البهائية بس مش المفروض يستحلوا سجن معتنقيها لأن ده ضد مبدأ السماحة اللي بيدعوا انها عندهم .. اُرفض أفلام عادم إمام انتقده وانتقد عمله اشتمه, ظن فيه زي ما انت عايز لكن مش المفروض تؤذيه أو تستحل أذيته.


الأربعاء، 28 مارس 2012

فـتـاتي





فيما هو راقد على فراشه, واقفا على حافة الموت, أمر خادمه الخاص أن يستدعي كل الخدم حتى يشهد الجميع على كل كلمةٍ سوف يقول.

غاب الخادم قليلا ثم عاد ومعه العشرات من رفقاءه الذين يعملون في أروقة القصر وما حوله من أراضٍ واصطفوا جميعا في صفين حوله في غرفته الواسعة وقد اختبأت وجوهم خلف ستائر من الحزن والدموع. حقا, إنه مشهد ومهيب والأبُ هامد تجتاحه سكرات الموتِ وبجواره ابنته الوحيدة كورت جمسها الضئيل ودفنت رأسها في صدره تبكي بلا انقطاع. وبعد لحظات من الصمت - لم يتخللها إلى شهقات الصغيرة- مرت كأنها دهــــر, أومأ برأسه فاقترب منه الخادم وخاطبه بصوتٍ ضعيف متقطع لكنه مسموع قائلا:

-          ها أنا ذا ماضٍ إلى حيث يمضي الجميع, وقد تركت خلفي أموالا وأملاك كثيرة لكني لست أحسب كل هذا شيء .. فأغلى ما عندي هي نور عيني (ووضع يده على رأس طفلته). استحلفك بالله أمام رفقائك أن ترعاها كحياتك وأن تكون لها كأبٍ من بعدي. أنت تعلم أن الطبيب أرسل يبشرني منذ أيام أن فرصة نجاح عملية زرع القرنية عظيمة.

 بدأ صوته يخفت كأنه آتٍ من كهف بعيد, لكنه استكمل:

-           كم كنت أود أن أحيا حتى تستطيع أن تراني بعينيها لكن هذه إرادة الله.. قال تلك الكلمات وتحشرج صوته داخله ثم مالت رأسه قليلا وسقطت يده من فوق رأس ابنته.

* * *

انقضت أيام المأتم سريعا, عاد بعدها المُعزي إلى بيته والعامل إلى عمله, أما الحياة فنجحت كالعادة أن تلهي كل واحد في ملهاةٍ , فلم يجد الحزن ملجأ مريح يقضي فيه نهاره وليله إلا قلب الصغيرة.. فتاةُ لم تبلغ الثامنة, عبث بها القدر وألقى بها وحيدة في غابة يسمونها الحياة, شعرها أسود طويل وبشرتها بيضاء ناعمة وصوتها كصوت الملائكة, يجتمع في وجهها الصغير برائة الأطفال ووجاهة العظماء معا لكنها لم ترى جمالها هذا قط.

آلت كل الأملاك تحت تصرف الخادم المقرب حسب وصية السيد الراحل. في غفـلة من الزمن وجد بين يديه أموالا طائلة وسلطة واسعة, يستطيع أن يبيع ويشتري, يأمر وينهي, يشرّع وينفّذ ويقضي بل ويعاقب من أخطأ. قدمت له الحياة مشتهياتها على طبق من ذهب فداعب السلطان أحلامه وتحركت الأطماع داخله وفيما يبدو قد التحول الوكيل الأمين إلى متسلِّطٍ لئيم.

وبرغم الحزن العميق الذي يعتصر قلب الصغيرة كانت ترى شعاع نور يلوح بعيدا في الأفق, هي تتذكر جيدا وعد أبيها عن إجراء العملية وعودة البصر إليها لكن كلما كانت تذهب للخادم وتسأله كان يتحجج بأنه مشغول الآن بسداد ديون أبيها للتجار وإرسالها لأوربا لإجراء العملية يتطلب أموالا كثيرة وهو يخشى إذا فعل هذا تنفذ الأموال وقد لا يجدوا شيئا ليأكلوه بعد شهور قليلة .. كم كانت تشتاق أن ترى النور.

لم يعد ينظر إليها كطفلة مؤتمن على رعايتها إلى حين, بل خصمٌ سينتزع منه كل جاهٍ بعد أعوام. بالطمع سقى بذرة الشر في قلبه وبالمكر رسم خطته .. ملأ رأسها بتراهات عن زملائها في المدرسة الذين يحقدون عليها لثرائها ويكرهونها لجمالها ويسخرون منها أمامها دون أن تدري. وفي الخطوة التالية من خطته الشيطانية أخرجها من المدرسة راضية, واستحضر للبيت معلمين منزليين, يلقنهم قبل الدرس ما يقولون, فأعطوها الجهلَ وقالوا هوذا العلم, الخرفات وقالوا سُنّة الحياة.

لم يفُت الخدام الملعون أن يغلق كل طاقة حولها يدخل منها نور. ذهب إلى معبد المدينة وبحث بين الكهان عن عبيد المال, ملأ بطونهم واشتراهم وعهد لهم تعليمها مباديء الدين, وأي دين,  فعلموها الخنوع والذل والقهر والاستكانة, التعصُب والغضب والتشدُق والمهانة, وتناسوا المحبة والرحمة والحق والأمانة. وإذا ما اشتكت يوما من سؤء معاملة "سيد البيت" لها عنفوها وزجروها لأن طاعة ولي الأمر واجبة وإن ظلم.

* * *

مرت أعوامٌ تلو أعوام, والصغيرة أصبحت شابة بالغة. لكن كلما كان يمر بها العمر يوما كان يزداد الظلام حولها قتامة. من رآها قال سبحان الخالق فيما أبدع ومن عرفها أسف لحالها ;شخصيةٌ مهزوزة مهزومة مهترئة, تظن السؤء في الجميع, بلا أصدقاء مقربين, سريعة الغضب, يتملكها الخوف والقلق من أي مجهول.. هكذا كان يراها الجميع .. إلا أنا.

أذكر ذلك اليوم حين قابلتها في السوق ودعوتها للحديث, ذكّرتها بأيام الطفولة حين كنا نلعب سويا في فناء المدرسة, أقسمت لها بأننا لم نكِنُّ لها إلا الحب والمودة. ذكّرتها بوصية أبيها التي خانها الخادم. أخبرتها عن ذلك الكاهن الأمين الشجاع الذي قتلوه خدام القصر لما حاول الدخول إليها, وعن حقها في الإرث الذي استولى عليه الخادم الشرير وعصابته وأنها تستطيع بكلمة واحدة منها أن تطرده وتنتزع حقها انتزاعا. وصفتُ لها القمر وجماله, البحر واتساعه, السماء وصفائها حتى تشتاق للنور الذي حرمها منه الخادم الجاحد. صرّحت لها بحبي ولم أُبقِ في قلبي شيئا إلا واخرجته.

انصتت لي جيدا حتى انتهيت ولم تنطق بكلمة واحدة, ثم وقفت واستدارت وأشارت بيدها للخدام فانهالوا عليّ سبابا وضربا حتى تكسّرت كل عظامي.

ليت شعري .. ماذا عليّ أن أفعل؟!
أأتركها لهلاكها كما ينصحني أصدقائي؟ .. لكن كيف أتركها وهي ضحيةٌ بلا ذنبٍ ولا جرمٍ. أم أحاول معها ثانية كما يحثّني ضميري؟ ولكن كيف وقد رفضتني أولا.. أم أنساها وأعشق غيرها؟ حتى إن نساها عقلي فلن يسلاها قلبي.


الجمعة، 24 فبراير 2012

صكوك غفران القرن الواحد والعشرين؟


في عام 1516 بعد الميلاد, وفي عهد البابا  ليون العاشر بابا الكنيسة الكاثوليكية, أرسلت الكنيسة القس جون تتزل إلى ألمانيا ليبيع ما يسمى "صكوك الغفران" ليجمع أموالا لبناء كاتدرائية القديس بطرس الكبرى في روما.

ولسبب ما, منع الأمير فريدريك الثالث, حاكم ولاية ساكسونيا, القس تتزل من بيع صكوك الغفران على أرضه. فسافر أبناء تلك الولاية إلى الولايات المجاورة حيث كان مسموح للقس أن يعمل, للحصول على صكوك الغفران  وليساهموا أيضا بأموالهم لبناء الكاتدرائية العظيمة في روما.

كاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان

وبعد شهور, وفي كنيسة مدينة فيتنبرج, إحدى مدن ولاية ساكسونيا, جلست إمراة مع قس ألماني, لتعترف وتتوب عن خطاياها لتنال عنها غفران كعادة المسيحيين. وبعد أن أقرّت ببعض الخطايا التي ارتكبتها, أخبرته أنها ليست في حاجة إلى غفران لأنها قد نالته من القس تتزل وأظهرت له صك الغفران الذي اشترته.

استشاط القس الألماني غضبا, والذي كان أستاذا في علم الاهوت أيضا , وأخبرها أن الغفران عطية إلهية, تُعطى فقط للتائب ولا يمكن أن تُشترى بمال. وكتب جوابا لألبرت, أسقف المدينة يعلن رفضه التام لما يسمى صكوك الغفران.

صورة أصلية للأطروحات الـ 95

وفي مساء  31 أكتوبر عام 1517, ليلة عيد جميع القديسين (الهالويين), كتب ذلك القس الألماني 95 أطروحة, يدحض فيها فكرة صكوك الغفران ويعترض على أداء الكنيسة الكاثوليكية عامة, وعلقها على مدخل كنيسة مدينة فيتنبرج, حتى يتثـنى قرائتها لكل داخل للكنيسة. وكانت الأطروحة رقم 86 نصها: "إذا كان البابا ثروته اليوم أكثر من أغنى الأغنياء, فلماذا لا يبنى كاتدرائية القديس بطرس بأمواله الخاصة بدل من أموال فقراء المؤمنين؟".




بفضل الطباعة التي كانت اختراع جديد وقتها, تم طباعة الأطروحات الـ  95 بأعداد كبيرة, حتى أنها في غضون اسبوعين فقط انتشرت في كل ألمانيا وفي أقل من شهرين وصلت إلى أطراف أوربا.

وبسبب زعزعة السلطان الديني, ومن ثم السياسي, للكنيسة الكاثوليكية. اندلعت سلسلة حروب بين معظم بلدان أوربا لأكثر من مائة عام, كانت في بدايتها ذات طابع ديني لكن سرعان ما اختلط الديني بالسياسي, حتى قال أحد المؤرخين أنهم لم يعودوا يعرفوا لأجل أي شيء يحاربون!.

أنتهت سلسلة الحروب تلك بحرب الثلاين عام في ألمانيا, والتي بسببها انخفض عدد سكان ألمانيا إلى الربع وقُتل فيها أكثر من نصف الذكور الألمان.

هذا القس الألماني هو مارتن لوثر, وهذا المذهب الجديد هو البروتستانتية. وحيث أن الفكرة لا يقتلها سلاح, فرغم كل تلك الحروب يبلغ عدد المؤمنين اليوم بالمذهب البروتستانتي الذي أسسه مارتن لوثر حوالي ثـلث عدد المسيحيين على مستوى العالم أغلبهم في أمريكا وأوربا.


* * *
عندما قرأت عن ذلك الفصل الأسود والمخزي ليس في تاريخ المسيحية أو أوربا فحسب, بل البشرية جمعاء, تذكرت مبادرة الشيخ حسان لجمع المعونة الأمريكية.

* * *

قد يجتهد أحدهم, ممن يوافقني الرؤية, أن تلك المبادرة ما هي إلى صورة آخرى لجمع الأموال لبناء كاتدرائية القديس بطرس وأن الاختلاف الوحيد هو 500 عام على مقياس الزمان وآلاف الكيلومترات على مقياس المكان.

وقد يجتهد آخر, ممن يخالفني, ويرى أنه لا علاقة بين الحدثين حتى تتم المقارنة.

من حقك ان تتـفق من هذا أو ذاك لكن دعني أريك كيف أربط بين الحدثين.

اعتراضي على مبادرة الشيخ حسان تلخصها اجابات 4 أسئلة, وهي:

1-      من يجمع النقود؟
2-      ممن يجمعها؟
3-      لمن يجمعها؟
4-      لماذا يجمعها؟

ما يعنيني الآن هو إجابة السؤال الأول, لن أتكلم عن نيته بالطبع فالله أعلم بالنيات. لكن الحقيقة هي أن من يجمع النقود رجل دين واسع النفوذ, وله سلطان ديني -لا أهتم قانوني أو غير قانوني- ومن ثم سياسي على قطاعات عريضة من الشعب. وبالتالي, فإنه يختلط على المتبرع, خاصة من لم ينل قدر كافي من المعرفة والثقافة, وهم أغلبية, ما بين إذا كان التبرع لأجل هدف وطني نبيل (الاستغناء عن المعونة الأمركية | بناء الكاتدرائية) أو لأجل تلبية دعوة دينية (دعوة الشيخ حسان | قرار بابا روما) أو للحصول على مقابل؟ (حسنة | غفران).

* * *

قانون بقاء الطاقة لـجميس جول يقول أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم لكنها تتحول من صورة إلى أخرى.

اخترع الانسان الموتور الذي يحول الطاقة الكهربائية إلى ميكانيكة, وطواحين الهواء التي تحول طاقة الرياح لطاقة كهربائية وهذا حسن .. أما إذا رأيت الانسان يحول الطاقة الدينية لطاقة مالية تخدم مصلحة ما أو العكس, فانصت إلى صوت ناقوس الخطر.


السبت، 21 يناير 2012

التابوات البشرية .. وصراع العقل والضمير




لست أكذب إن ادعيت أني قرأت كل ما كتب قداسة البابا شنودة من كتب ومقالات, ولا أبالغ إن قلت أني من القلائل الذين يحفظون قصائده جميعها عن ظهر قلب, ولم أزل أكنّ له الحب والاحترام, لكــــن وبصراحة, لم يعجبني ما حدث في قداس عيد الميلاد في الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالعباسية.


لست أود الآن التعرُض لفعل البابا شنودة في قداس العيد, من استقبال أعضاء المجلس العسكري وشكرهم  بالرغم من رفضي لهذا شكلا وموضوعا, وإنما لردة الفعل على هذا الحدث, خاصة من أولئك الذين أخذوا على عاتقهم الدفاع عنه.

ففي الأيام التي تلت العيد مباشرة, خضتُ العشرات من النقاشات مع أقارب وأصدقاء بل وأناس لا أعرفهم حول ما حدث, انتهي بعضها نهاية طيبة وأكثرها بخلاف أو بعراك لفظي أو بأحد الاتهامات المغلـّـفة سلفا ومجهزة لكل من يحاول الدخول أحد المناطق المحرمة .. لكن هذا أيضا ليس ما أثار دهشتي.

الملفت للانتباه في الموضوع, والذي لم أحب أن يمر عليّ او على غيري مرور الكرام, هو أن أحدا من المدافعين عن البابا لم يجد أن المجلس العسكري بأعضاءه يستحق الشكر والثناء الذي نالوه. إنما جميعهم (المدافعون), وبدون استثناء, يقرّون أن المجلس مجرم أو على أقل التقدريات مذنب ولا يستحق الشكر. لكن بالرغم من هذا, أخذوا يسوقون الأعذار وينسجون التبريرات, تستخلص منها ,على حسب ما يدعون, أن البابا فعل ما وجب فعله, ولم يكن في الإمكان أفضل مما كان.

* * *

سؤالي هو, لماذا يدافع المرء عن شيء يعترف أنه خطأ ؟! وإلى أي مدى ممكن أن يمتد هذا السلوك؟

في رأيي, تلك الازدواجية في الموقف, ترجع إلى الاصطدام بـ"التابوات" البشرية الدينية.
تقريبا, كل مجتمع له تابواته, تحددها طبيعته وثقافته وظروفه, فمثلا في المجتمعات المتدينة (هكذا الحال عندنا) تكون التابوات دينية, أي مناطق معينة في العقائد لا يجوز الاقتراب منها.
وفي المجتمعات الاستبدادية, ذات الرأس الواحد (وهكذا الحال عندنا أيضا) تكون التابوات بشرية, تتجسد في شخص زعيم, قائد, ملهَم وملهِم, من حقك أن تنتقد أي شخص إلاه.
وإذا حدث مزج بين مجتمع متدين واستبدادي, حدث مزج أيضا بين تابواته, ونشيء نوع جديد وهو تابو القائد الديني, وهذا كان جليا, واضح أشد الوضوح في أوربا في العصور الوسطى, قبل عصر التنويرفهم كانوا آنذاك ينزهون بابا روما عن الخطأ عقائديا, أما نحن الآن فنفعلها ههنا عمليا.



وهذا الأمر جد خطير, وخطورته تكمن في الآتي:

أن الشخص الواقع تحت تاثير تابو من النوع الثالث, يستطيع بسهولة أن يقر نظريا أن رجل الدين أو القائد الديني يخطيء, لكن عمليا, لا يستطيع أبدا تسمية خطأ له, ومن هنا يفقد قدرته على الحكم حكما عادلا. وقد يتطور الوضع لما هو أسوأ من هذا.


لكن كيف يحدث هذا؟

تبدأ الرحلة عندما يستقبل العقل صورة من الواقع كي يصدر عليها حكما أو يبدي رأيا, فينقل العقل تلك الصورة بدوره للضمير ليعرف رأيه, يجيب الضمير أن تلك الصورة تحتوي على نفاق أو كذب أو غش أو أيا من تلك الذمائم التي يكرهها الضمير. يتلقي العقل حكم الضمير, لكن قبل أن يصدر حكمه النهائي يتأكد ان ذلك الحكم لا يتعارض مع أي من المحرمات المعروفة, لكنه يجد أن حكم الضمير يتضمن إدانة لأحد تابوات العقل .. وتكون تلك هي الصدمة الأولى, وبالطبع سوف يرفض العقل إصدار الحكم كما هو.

فيرسل للضمير مرة أخرى, ليتأكد من حيثيات الحكم, لكن بعد الفحص يجيب الضمير بنفس جوابه السابق. وهنا يكون أمام العقل اختياران, إما أن يصدر الحكم كما جاءه على أن يكون مستعد لتحمل تبعات حكمه النفسية و الاجتماعية والفكرية, وهو الاختيار الأصعب.أو يصدر حكما آخر مخالفا لما بعث به صوت الضمير بما يتماشى مع ما يحتوي العقل من تابوات.
فيتدخل العقل, بصفته السلطة التنفيذية الأعلى داخل الإنسان, ويعبث بالضمير, يصنع فيه ثقوبا تارة لكي يمرر حكما, فيُنقِص من قدرته على التمييز. ويغير من مغناطيسيته تارة أخرى, فيُضعِف من قدرته على التوجيه, وهكذا مرة بعد المرة حتى يصير الضمير مشوّه مهلهل ليس لديه قدرة أن يصدر حكما مخالفا لما يرتضيه العقل المُضَلـَـل.


والكارثة لا تتوقف عند هذا الحد مع ذلك الانسان الذي قتل –بالخطأ- ضميره, لكن حالته تزداد تدهورا بعد تدهورا, على النحو الآتي :

يستطيع العقل أن يصنع في الضمير ثقبا ويصدر حكمه الخاص, وقد يكون الحكم قريبا أو بعيدا عن المنطق, حسب القضية المطروحة. لكن حيث أن كل البشر خطائون, حتى تابوات العقل البشرية ,يكون على العقل عبء ثقيل لتبرير مواقف كثيرة بأدلة بعيدة كل البعد عن المنطق. وفي تلك الحالة يكون ذلك العقل فريسة سهلة لأي عقل آخر يتبى وجهة نظر مخالفة. لأنه يستطيع أن يدحض حججه الواهية ويجرده عاريا أمام نفسه .. وهنا يكون أمام العقل المنكوب اختياران:
إما أن يعترف بخطأه, وذلك بالطبع الاختيار الاصعب. إما أن يتعصب لرأيه, أي أن يتمسك به دون سبب مقنع, و يصل لمرحلة نطلق عليها بالعامية "هي كده" أو بالفصحى "لا تجادل ولا تناقش".

وإذا توافرت القوة وظروف أخرى معينة, قد يتحول التعصب إلى إرهاب, أي فرض رأيك على الآخرين وترهيب من يخالفه دون محاولة اللجوء لأي أدلة منطقية تدعم بها رأيك.

* * * 

وسائل دفاع البعض عما حدث في قداس عيد الميلاد هو ما دفعني لأقرأ وأفكر وأكتب عن الموضوع, لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أني اقتصر حديثي على مسيحي مصر, بل المصريين عموما, مسلميها ومسيحييها وغيرهما, فلكل منا تابواته البشرية الدينية الكامنه في عقله. فأحدنا تابوه البابا شنودة, والآخر تابوه مكتب الإرشاد, والآخر تابوه الشيخ زيد أو عمرو.

تذكر أن الإرهاب وليد التعصب, والتعصب وليد عدم قدرة العقل على الاقناع, وذلك وليد لجوء العقل للا منطق لتبرير أحكامه, والذي بدوره وليد قتل الضمير الذي هو نتيجة عدم قدرة العقل على إدانة تابوه بشري, الذي وُجِدَ داخل العقل بسبب استبداد المجتمع.

فإلى أن نتخلص من استبداد المجتمع, لنعالج المشكلة من جذورها, لابد أن تجد طريقة ما لتكسر سلسلة الهلاك تلك.

نصيحة أخيرة: عندما تجد تابو كذب, لا داعي ان تقول فلان كذاب, بل قل ما قاله فلان كذب. و إذا نافق لا داعي أن تقول علان منافق بل قل ما قاله علان نفاق.

فالحكم على الأفعال أسهل كثيرا من الحكم على الأشخاص .. حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

الأحد، 18 ديسمبر 2011

قصة شهيد في التحرير


عاش في أسرة فقيرة يقضي نهاره في الدراسة وليله في العمل ليصرف على أمه الأرمله واخته الصغيرة, حاله كحال الكثيرين من أقرانه, حزين لما آلت إليه بلاده من فقر وجهل وفساد وتعصب, لكنه كان مملوء أملا ورجاء وعلى يقين أنه لابد أن تنصلح الأحوال يوما ما.

سمع من أحد اصدقاءه ليلة الـ 24 من يناير  أن شبابا عزموا أمرهم أن يتظاهروا غدا مطالبين باسقاط ذلك النظام الذي طالما أهان وأذل المصريين, وبالفعل خرج وشارك وهتف معهم بلسانه وقلبه. لكن عندما حل المساء هاجمتهم الشرطة في وسط ميدان التحرير وناله قدرا وافر من الضرب على ظهره حتى تورم.. لم يؤلمة الضرب بقدر ما ألمه قول الناس أنهم "شوية عيال".

مر يومان, وفي صباح الجمعة أخبر أمه أنه خارج اليوم أيضا ليطالب بالعيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لكل المصريين, فانقبض قبلها وصرخت فيه "لا يا ولدي, لا تذهب, إياك أن تذهب, وحياتك لا تذهب, أنت تعلم إني واختك ليس لنا في هذه الدنيا بعد الله إلاك" فهدأ من روعها وربت على كتفها وقال لها ألّا تخاف, فلن يرى إلا ما اراد له الله أن يرى .. وبعد أن هدأت قبّل اخته الصغيرة وخرج.

رأى يومها ما لم يره من قبل وما لم يتخيل أن يراه, شجاعة متناهية وعزيمة وإصرار وثبات كالجبال, وفي المقابل خسة ووضاعة منقطعة النظير. رأى بعينيه قناصا يعتلي إحدى الأبنية الشاهقة, ثم سمع صوت رصاصة تصفـّـر بجوار أذنه, ثم سقط رجل شيخ بجواره  واندفع الدم من رأسه كالنهر, حمله على ظهره وجري كالمجنون لا يعلم أن يذهب .. قد فارق الحياة.

وفي يوم الأربعاء الذي تلاه, وقف بجسده أعزلا, أما وحش بشري يمتطي جملا, فأصابت هراوة رأسه فسقط مغشيا عليه وكادت الخيول أن تمزق جسده الضعيف تمزيقا لولا تدخل أخرين لينقذوه.

ظل في الميدان وافقا, لأيام, لم يبرحه قط, رغم قرسة برد ليل الشتاء ظل واقفا, وهو يعلم جيدا أن الإعلام يقول أنه  يقبض 50 دولارا مقابل وقفته تلك, بيد أنه لا يعرف كم يساوي هذا الدولار أصلا, لم يمسكه أبدا بل ولم يره من الأساس .. ظل واقفا لأيام من أجل أناس يعلم جيدا أنهم يصدقون أنه يأكل الـ"كنتاكي" مقابل وقفته بينما في الحقيقة كان يسيل لعابه كلما مرة من أمام أحد تلك المطاعم لأن حافظة نقوده دائما خاوية.

وفي مساء الـحادي عشر من فبراير سمع ذلك الخبر الذي كان سيفقد حياته مرارا ليسمعه, ورقص قلبه في صدره طربا .. تلاه تدفق ملايين المصريين للميدان نزلوا ليحتفلوا معه, تذكر أن مئات فقط كانوا ههنا منذ ايام بينما تركوه هؤلاء الملايين يواجه الموت وحده, لكنه لم يحزن ولم يضطرب, بل ابتسم قال لنفسه "اللي فات مات" لنبدأ عهد جديد.. وقضى ليله كله في الغناء والرقص ينشد الأناشيد الوطنية وصعد على ظهر دبابة يحمل علم مصر وصافح أحد الجنود وقبّل رأسه ورفع بيده اليمنى شارة النصر وأخذ صورة تذكارية .. هكذا كما فعل الجميع.

* * *

مرّت الأيام .. شعلة حياة جديدة, بدأت تنطفيء, شعاع أمل جديد, أخذ يخفُت, كل يوم يمر ينخفض معه سقف أحلامه .. قال عيش, لكن الفقراء مازالوا لا يجدون العيش .. قال حرية, لكن مازالت الأفواه تُسد .. قال كرامة, لكنه يرى كيف تهان كرامة المصريين كل يوم, قال عدالة اجتماعية, لكن مازال الأغنياء يزدادون غنىً والفقراء فقرا.. ما هذا؟ هل ذاك هو ما كدت أفقد حياتي لأجله؟!

كلما فتح التلفاز أو ركب أوتوبيس سمع حديث عن تخوين وعمالة وتمويل .. مستحيل!! مستحيل أن يكون هؤلاء الرفقاء الذين بذلوا حياتهم من أجل بلادهم خونة أو عملاء .. كلما حدثت مصيبة أو إلتهبت فتنة في البلاد سمع "حرام عليكم خربتوا البلد"  .. لا! أنا لم أخرب البلد, لكن أحدا لم يسمعه. حتى القميص الذي اشتراه يحمل شعار 25 يناير, أصبح لا يخرجه من دولابه بعد أن كان يلبسه كل يوم مزهوا به بين أصدقاءه.

عراك سفسطائي عقيم عن دولة دينية أم مدنية, تخويف وإرهاب وجهل يملأ الأجواء .. تعصب واستقطاب سياسي وديني بين مريدي التيارات المختلفة .. وهو لا يعرف أي شيء عنها, كل ما يعرفه أنه يريد أن يعيش بكرامة كما يعيش البشر.


* * *

سمع أن الشرطة عادت تمارس ما اعتادت أن تمارسه منذ زمان, لقد اعتدت على مصابين الثورة المعتصمين في الميدان وضربت منهم من ضربت واعتقلت من اعتقلت, ازداد غضبه وحنقه وذهب فورا للتحرير, كان يريد أن يقف في الصفوف الأولى في شارع محمد ممحمود بين هؤلاء الذين يفقدون أعينهم لكن مهمته كانت حمل المصابين للمستشفى الميداني, يحمل أحدهم ويجري به نحو المستشفى ليتلقى الإسعاف, ثم يذهب ويحضر آخر وآخر, ظل ثلاثة أيام يفعل هكذا, لم يرتح ساعة واحدة لأنه شعر أنه لو تأخر دقيقة سوف يكون مقصر في حق هؤلاء الأبطال.. لكن عينيه ذرفت دما بدل الدموع عندما رأى مذيعة نشرة الأخبار تعلق على صورته في أحد المشاهد وتقول أنظروا إلى ثيابه البالية هذا ليس ثائرا بل بلطجي.

وفي يوما ما, بينما هو في التحرير في الصباح يستنشق هواء الحرية الذي لم يعد قادرا أن يستنشقه في أي مكان آخر, رأى جنود من الجيش يقتحمون الميدان من ناحية شارع القصر العيني, تجري أمامهم فتاة,تعثرت قدماها وسقطـت, فتجمع حولها الجنود ومزقوا ملابسها وركلها أحدهم بقدمه في صدرها, فاستشاط غضبه واندفع نحوها بكل قوة وعزم أن ينقذها من أنيابهم مهما كلفه الأمر, فرفع أحد الجنود نحوه سلاحه وأطلق رصاصة نحو صدره, سمع دويها, وفي لمح البصر, تلاقت عيناه مع عيني ذلك الجندي .. نعم! إنه هو! هو, لن ينساه أبدا ..هو ذلك الجندي الذي إلتقط معه الصورة التذكارية فوق الدبابة منذ عشرة أشهر, ورفع معه شارة النصر وهتف معه الجيش والشعب إيد واحدة ...

مرت حياته كلها أمام عينيه كشريط, تذكر ضحكة أبيه الحانية الذي توفاه الله وهو في التاسعة من عمره,تذكر حضن أمه الدافيء ودعواتها له بالنجاح وطول العمر عندما حصل على الشهادة الثانوية, تذكر زهرة اخته الصغيرة وهي تطلب منه الحلوى وهو عائد للبيت في المساء, تذكر أصدقاءه وجيرانه وبيته ومدرسته وطفولته بأدق تفاصيلها, تذكر كل شيء كل شيء, وفي لحظة اختارها القدر بعناية نفذت رصاصة الغدر في وسط قلبه وخرجت من ظهره تحمل معها أمانيه وأحلامه إلى المجهول.

وبقي جثمانه لعدة أيام في مشرحة زينهم لم يتعرف عليه أحد لكنه رسم على وجهه إبتسامه هادئه تريح كل من ينظر إليه وتخبره أن النصر قادمٌ قادمٌ لا محالة.


إن قرأت تلك السطور تذكر كل من قدم حياته لم يحسبها ثمينة لكي نعيش نحن حياة كريمة, واغمض عينيك لثوانٍ وأدعو من قلبك لكل شهيد بالرحمة ولأهله بالعزاء.



الجمعة، 9 ديسمبر 2011

مش عشان شعب متدين


قالك احنا شعب متدين
يعني ايه شعب متدين؟
يعني بيحب الدين
يعني ايه بيحب الدين؟
يعني بيديّن كل حاجة.
كل حاجة؟
آه كل حاجة, بنديّن الأكل والشرب واللبس والسلامات وصباح الخير ومبروك وباي باي ومؤخرا, البكيني!.
طب وده حلو ولا وحش؟
هو نفسه لا حلو ولا وحش, العبرة بالنتيجة, هيخلينا محترمين ونشتغل بأمانة وعندنا اخلاق يبقى أهلا وسهلا وعلى راسنا من فوق, هيخلينا منافقين ومتعصبين يبقى ملهوش لزمة واهو بنمثل على بعض وكل واحد مبسوط بدماغه وكل عام وأنتم بخير.
مش بس بنديّن الحاجات ديه, احنا كمان بندين مشاكل وأمراض المجتمع .. وعلى سبيل المثال لا الحصر:

* * *

عشان احنا شعب متدين, مش بنحب نسمع كلمة نقد في حق رمز ديني, يعني لو واحد مسيحي متدين مش بيستحمل يسمع كلمة نقد واحدة في حق البابا أو حد من الاساقفة ولو واحد مسلم متدين بيعتبر نقد احد الشيوخ نقد للدين, مع إن كلنا بشر وكلنا بنغلط وكلنا محتاجين للنقد عشان نقوّم من سلوكنا وأفكارنا.

بس عايز أقول لحضرتك ان احنا مش بنعمل كده عشان شعب متدين, لكن عشان ده مرض نفسي في مجتمعنا.

مرض اسمه "تأليه القادة", وممكن نفتي كتير في اسبابه بس أنا مليش مزاج افتي دلوقتي (هوم ورك 1), بس أعراضه ان الواحد يعمل "مودل" من قائده وينزهه من كل عيب ونقص, ويدافع عن خطأه حتى لو كان الغلط ده واضح زي الشمس.

يعني لو جيت مثلا تقول الاسقف الفلاني غلط لما قابل المجلس العسكري بعد احداث ماسبيرو تلاقي نظرات الاحتقار جيالك منين ومنين ومنين ولو تجرأت وقلت الشيخ علان غلط لما قال التماثيل حرام مش هتعرف تلاحق عالشتيمة.

فيه ناس مثلا كانت بتؤيد مبارك (وده حقهم طبعا), تقولهم يا ناس ده حرامي, مفيش, يا عالم ده خرب البلد, ماتحاولش, ياهووه ده قتل الشباب, انسى, طب كاني طب ماني, كأنك بتدن في مالطة .. ونفس القصة مع المجلس العسكري, يخوّن, يدهس, يقتل, يخنق, يكدب برضه هو حبيبنا وخط أحمر واللي ينتقده يبقى عميل إسرائيل وإيران وأمريكا وصربيا وموزمبيق في نفس ذات الوقت.

* * *

وعشان احنا شعب متدين, فتلاقي المسلم المتدين خايف جدا على هوية الدولة الإسلامية لحسن حد يغيرها, وقلقان موت لحسن الليبراليين يخلعوا الستات الحجاب, وتلاقي المسيحي المتدين خايف للإخوان يمسكوا البلد فيقفلوا الكنايس أو السلفيين يسيطروا على البرلمان فيسفروه كندا.

بس الخبر السعيد اللي عايز  اقوله لحضرتك ده مش سببه ان احنا شعب متدين ولا حاجة, لكن ده مرض نفسي في مجتمعنا.

مرض نفسي اسمه "الخوف من كل شيء ومن لا شيء", أعراضه إن لو حد قالك بخ بتخاف وتقعد 3 ليالي مش عارف تنام. أما أسبابه هي ان احنا اتربينا على الخوف:
وانت نونو كنت بتشرب اللبن وتنام بدري عشان ابو رجل مسلوخة مايشوفكش صاحي, وانت في ابتدائي عملت الواجب عشان المس بتضرب, وانت في الجامعة حضرت المحاضرة عشان الدكتور بياخد غايب .. وعشان كده واحنا كبار أهو وحلويين برضة اللي عايزنا نعمل حاجة بيخوفنا واللي عايزينا ما نعملش حاجة برضة بيخوفنا...

الحقوااا عجلت الانتاج وقفت. خوف. الاقتصاد بينهاااار. خوف. بلطجية ع الدائري. خوف. قانون طواريء. خوف. هيشيلوا المادة التانية في الدستور. خوف. جمعة الوقيعة. خوف. هتدفع 500 جنيه غرامة. خوف. يد خفية. خوف. اصابع خارجية. خوف. زعزعة الاستقرار. خوف. سيناريو تقسيم مصر. خوف. وأخيرا مع اللمسة العوكاشية, الماسون الأعظم. برضة خوف.
الحقيقة المرة انهم بيخوفونا عشان احنا خوافين وبنخاف.

السؤال المحوري بقى, اشمعنى هي ديه الطريقة اللي متعارف عليها في المجتمع عشان يسوقوا الناس؟ .. الموضوع ده طويل طويل طويل ومش هتكلم فيه وده هيكون (هوم ورك 2).

* * *

وعشان احنا شعب متدين وبيحب الطهارة والعفة والنقاوة مش بنحب الحال المايل, وعشان كده كلنا استفزنا ان علياء تتصور عريانة (معلش انسى ان صورتها اتشافت 2,000,000 مرة في 3 ايام, الوحشيين هم اللي شافوها مش احنا بعد الشر). و عشان احنا شعب متدين عايزين نمنع الأفلام الإباحية, وعشان احنا شعب متدين عايزين نحشم البنات وعايزين محدش ياكل في الصيام  وكل الناس تصلي.

في المجتمع المتدين, الانسان المتدين بيكون عاوز يفرض مجموعة من الفضايل, تقع في ما يُسمى "الدايرة الهمايونية" (أنا اللي افتكست الاسم) , كل ما في داخلها يُفرض, وكل ما هو خارجها يُهمل, فضايل جوة الدايرة زي العفة, لازم الشعب يبقى عفيف, و زي الطاعة, لازم كل واحد يسمع الكلام ويقول حاضر, في نفس الوقت تلاقيه بيهمل الفضائل اللي برة الدايرة, فالكدب عادي والنفاق شغال وظن السوء مايضرش وأحيانا هو نفسه يمارسها في أفج صورها.

بس الخبر المحبـط اللي عايز اقوله لحضرتك, ان احنا مش بنعمل كده عشان شعب متدين, أبسوليوتلي, لكن ده مرض نفسي في مجتمعنا.

مرض نفسي اسمه "فرض الفضيلة بالعافية",أعراضه واضحه, انك تلاقي واحد شايف حاجة معينة في دماغه انها الصح أو الأحسن فتلاقيه عايز كل الناس تعملها غصب عنها.

المجتمع فور إكزامبل مثلا على سبيل المثال وضع لينا "فضيلة", اسمها كلية طب, تقابل خطيئة اسمها كلية زراعة, فعشان كده تلاقي كل أب و أم عايزيين ابنهم يتحلى بتلك الفضيلة ويطلع دكتور, فيجي الأب قبل ثانوية عامة يشيل التلفزيون من الصالة ويدخلوا الأوضة عشان الولد يذاكر (بالعافية), وقبل الامتحان يحكم على ابنه انه مايقومش من ع الكتاب.. فتلاقي الواد حاطط قصة أدهم صبري وسط الكتاب طول اليوم, وطبعا مش هيحصّل طب وهيدخل زراعة وهيفشل في زراعة لأنه أساسا كان عايز يطلع رسام.

فرض المذاكرة مش هيطلع ولد ناجح. ولا ضرب العيال في التحرير هيمشيهم. ولا حجب المواقع الإباحية هيمنع الأباحة, ولا تحشيم البنات بالعافية هيمنع قلة الأدب.

والسؤال اللي بيطرح نفسه: ليه الأب بدل ما يشيل التلفزيون ما يقنعش ابنه بأهمية المذاكرة؟ ليه بدل ما تضرب عيال التحرير تشوفهم عايزين ايه؟ ليه بدل ما تحجب المواقع الإباحية ما تعرفش الشباب ضررها؟ ليه بدل ما تحشم البنت بالعافية تعلمها الاحترام وهي هتحتشم من نفسها؟

ممكن يكون ضعف قدرة على الإقناع. وممكن يكون استسهال اسخدام السلطة والقوة. وممكن يكون تدني عام في مستوى الثقافة. وممكن وممكن وممكن برضة تعتبر الإجابة (هوم ورك 3).

* * *

دول بس كانوا 3 أمثلة, لو اتأملت هتلاقي مشاكل كتير أوي عندنا وأمراض مستفحلة جوانا, لكن صبغها بالصبغة الدينية بيقف حائل قدامنا في طريق حلها.

مش هدفي اني اسخر من المجتمع ولا تدينه لكن الاعتراف بالمشاكل ومواجهتها اول خطوة عملية لحلها.