‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثورة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثورة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 18 ديسمبر 2011

قصة شهيد في التحرير


عاش في أسرة فقيرة يقضي نهاره في الدراسة وليله في العمل ليصرف على أمه الأرمله واخته الصغيرة, حاله كحال الكثيرين من أقرانه, حزين لما آلت إليه بلاده من فقر وجهل وفساد وتعصب, لكنه كان مملوء أملا ورجاء وعلى يقين أنه لابد أن تنصلح الأحوال يوما ما.

سمع من أحد اصدقاءه ليلة الـ 24 من يناير  أن شبابا عزموا أمرهم أن يتظاهروا غدا مطالبين باسقاط ذلك النظام الذي طالما أهان وأذل المصريين, وبالفعل خرج وشارك وهتف معهم بلسانه وقلبه. لكن عندما حل المساء هاجمتهم الشرطة في وسط ميدان التحرير وناله قدرا وافر من الضرب على ظهره حتى تورم.. لم يؤلمة الضرب بقدر ما ألمه قول الناس أنهم "شوية عيال".

مر يومان, وفي صباح الجمعة أخبر أمه أنه خارج اليوم أيضا ليطالب بالعيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لكل المصريين, فانقبض قبلها وصرخت فيه "لا يا ولدي, لا تذهب, إياك أن تذهب, وحياتك لا تذهب, أنت تعلم إني واختك ليس لنا في هذه الدنيا بعد الله إلاك" فهدأ من روعها وربت على كتفها وقال لها ألّا تخاف, فلن يرى إلا ما اراد له الله أن يرى .. وبعد أن هدأت قبّل اخته الصغيرة وخرج.

رأى يومها ما لم يره من قبل وما لم يتخيل أن يراه, شجاعة متناهية وعزيمة وإصرار وثبات كالجبال, وفي المقابل خسة ووضاعة منقطعة النظير. رأى بعينيه قناصا يعتلي إحدى الأبنية الشاهقة, ثم سمع صوت رصاصة تصفـّـر بجوار أذنه, ثم سقط رجل شيخ بجواره  واندفع الدم من رأسه كالنهر, حمله على ظهره وجري كالمجنون لا يعلم أن يذهب .. قد فارق الحياة.

وفي يوم الأربعاء الذي تلاه, وقف بجسده أعزلا, أما وحش بشري يمتطي جملا, فأصابت هراوة رأسه فسقط مغشيا عليه وكادت الخيول أن تمزق جسده الضعيف تمزيقا لولا تدخل أخرين لينقذوه.

ظل في الميدان وافقا, لأيام, لم يبرحه قط, رغم قرسة برد ليل الشتاء ظل واقفا, وهو يعلم جيدا أن الإعلام يقول أنه  يقبض 50 دولارا مقابل وقفته تلك, بيد أنه لا يعرف كم يساوي هذا الدولار أصلا, لم يمسكه أبدا بل ولم يره من الأساس .. ظل واقفا لأيام من أجل أناس يعلم جيدا أنهم يصدقون أنه يأكل الـ"كنتاكي" مقابل وقفته بينما في الحقيقة كان يسيل لعابه كلما مرة من أمام أحد تلك المطاعم لأن حافظة نقوده دائما خاوية.

وفي مساء الـحادي عشر من فبراير سمع ذلك الخبر الذي كان سيفقد حياته مرارا ليسمعه, ورقص قلبه في صدره طربا .. تلاه تدفق ملايين المصريين للميدان نزلوا ليحتفلوا معه, تذكر أن مئات فقط كانوا ههنا منذ ايام بينما تركوه هؤلاء الملايين يواجه الموت وحده, لكنه لم يحزن ولم يضطرب, بل ابتسم قال لنفسه "اللي فات مات" لنبدأ عهد جديد.. وقضى ليله كله في الغناء والرقص ينشد الأناشيد الوطنية وصعد على ظهر دبابة يحمل علم مصر وصافح أحد الجنود وقبّل رأسه ورفع بيده اليمنى شارة النصر وأخذ صورة تذكارية .. هكذا كما فعل الجميع.

* * *

مرّت الأيام .. شعلة حياة جديدة, بدأت تنطفيء, شعاع أمل جديد, أخذ يخفُت, كل يوم يمر ينخفض معه سقف أحلامه .. قال عيش, لكن الفقراء مازالوا لا يجدون العيش .. قال حرية, لكن مازالت الأفواه تُسد .. قال كرامة, لكنه يرى كيف تهان كرامة المصريين كل يوم, قال عدالة اجتماعية, لكن مازال الأغنياء يزدادون غنىً والفقراء فقرا.. ما هذا؟ هل ذاك هو ما كدت أفقد حياتي لأجله؟!

كلما فتح التلفاز أو ركب أوتوبيس سمع حديث عن تخوين وعمالة وتمويل .. مستحيل!! مستحيل أن يكون هؤلاء الرفقاء الذين بذلوا حياتهم من أجل بلادهم خونة أو عملاء .. كلما حدثت مصيبة أو إلتهبت فتنة في البلاد سمع "حرام عليكم خربتوا البلد"  .. لا! أنا لم أخرب البلد, لكن أحدا لم يسمعه. حتى القميص الذي اشتراه يحمل شعار 25 يناير, أصبح لا يخرجه من دولابه بعد أن كان يلبسه كل يوم مزهوا به بين أصدقاءه.

عراك سفسطائي عقيم عن دولة دينية أم مدنية, تخويف وإرهاب وجهل يملأ الأجواء .. تعصب واستقطاب سياسي وديني بين مريدي التيارات المختلفة .. وهو لا يعرف أي شيء عنها, كل ما يعرفه أنه يريد أن يعيش بكرامة كما يعيش البشر.


* * *

سمع أن الشرطة عادت تمارس ما اعتادت أن تمارسه منذ زمان, لقد اعتدت على مصابين الثورة المعتصمين في الميدان وضربت منهم من ضربت واعتقلت من اعتقلت, ازداد غضبه وحنقه وذهب فورا للتحرير, كان يريد أن يقف في الصفوف الأولى في شارع محمد ممحمود بين هؤلاء الذين يفقدون أعينهم لكن مهمته كانت حمل المصابين للمستشفى الميداني, يحمل أحدهم ويجري به نحو المستشفى ليتلقى الإسعاف, ثم يذهب ويحضر آخر وآخر, ظل ثلاثة أيام يفعل هكذا, لم يرتح ساعة واحدة لأنه شعر أنه لو تأخر دقيقة سوف يكون مقصر في حق هؤلاء الأبطال.. لكن عينيه ذرفت دما بدل الدموع عندما رأى مذيعة نشرة الأخبار تعلق على صورته في أحد المشاهد وتقول أنظروا إلى ثيابه البالية هذا ليس ثائرا بل بلطجي.

وفي يوما ما, بينما هو في التحرير في الصباح يستنشق هواء الحرية الذي لم يعد قادرا أن يستنشقه في أي مكان آخر, رأى جنود من الجيش يقتحمون الميدان من ناحية شارع القصر العيني, تجري أمامهم فتاة,تعثرت قدماها وسقطـت, فتجمع حولها الجنود ومزقوا ملابسها وركلها أحدهم بقدمه في صدرها, فاستشاط غضبه واندفع نحوها بكل قوة وعزم أن ينقذها من أنيابهم مهما كلفه الأمر, فرفع أحد الجنود نحوه سلاحه وأطلق رصاصة نحو صدره, سمع دويها, وفي لمح البصر, تلاقت عيناه مع عيني ذلك الجندي .. نعم! إنه هو! هو, لن ينساه أبدا ..هو ذلك الجندي الذي إلتقط معه الصورة التذكارية فوق الدبابة منذ عشرة أشهر, ورفع معه شارة النصر وهتف معه الجيش والشعب إيد واحدة ...

مرت حياته كلها أمام عينيه كشريط, تذكر ضحكة أبيه الحانية الذي توفاه الله وهو في التاسعة من عمره,تذكر حضن أمه الدافيء ودعواتها له بالنجاح وطول العمر عندما حصل على الشهادة الثانوية, تذكر زهرة اخته الصغيرة وهي تطلب منه الحلوى وهو عائد للبيت في المساء, تذكر أصدقاءه وجيرانه وبيته ومدرسته وطفولته بأدق تفاصيلها, تذكر كل شيء كل شيء, وفي لحظة اختارها القدر بعناية نفذت رصاصة الغدر في وسط قلبه وخرجت من ظهره تحمل معها أمانيه وأحلامه إلى المجهول.

وبقي جثمانه لعدة أيام في مشرحة زينهم لم يتعرف عليه أحد لكنه رسم على وجهه إبتسامه هادئه تريح كل من ينظر إليه وتخبره أن النصر قادمٌ قادمٌ لا محالة.


إن قرأت تلك السطور تذكر كل من قدم حياته لم يحسبها ثمينة لكي نعيش نحن حياة كريمة, واغمض عينيك لثوانٍ وأدعو من قلبك لكل شهيد بالرحمة ولأهله بالعزاء.



السبت، 16 يوليو 2011

فُكك من أهلك



أحد الشعارات التي استخدمت للحشد لتظاهرات 8 يوليو هو "فكك من أهلك وانزل اعتصم" وعندما تتبعت الهاشتاج #fokakmenahlak  على تويتر وجدت أنه استخدم لأول مرة في الساعات الأولى ليوم 8 يوليو .. لست أعلم من ابتكره أو متى لكني أرى فيه قدرا من العبقرية يستحق أن نقف أمامه ولو قليلا.

أولا: الفعل فَكَكَ وهو عربي فصيح, فَكَكْتُ الشيء: خلَّصته وكلُّ مشتبكين فصَلتَهما فقد فككتهما, لكن استخدامه هنا مصري دارج بحت. فإن تعلّم أحدهم اللغة العربية الكلاسيكية وسمع هذا التعبير "فكك من كذا" لن يفهمه إلا إن كان مصريا أو عاش في مصر. وهذا في رأيي الوجه الأول لعبقرية الشعار فهو موجّه للمصريين فقط.

الوجه الثاني يكمن في إضافة "من أهلك" للشعار, لأنه يخصص فئة عمرية بعينها, فلا يستقيم أن تقول لطفل في الثامنة من عمره مثلا فكك من أهلك لأن ارتباطه بوالديه لا يُفك, ولا يُعقل أن تقول لرجل في الأربعين  فكك من أهلك لأنه أصبح مستقلا عن أهله إلى حد بعيد. هو إذا يخاطب شباب صغير مازال في مرحلة الشد والجذب مع الأهل لانتزاع استقلالهم وهي المرحلة العمرية التي نستطيع أن نعول عليها في تغيير حقيقي نرجوه.

الوجه الثالث للعبقرية هو الربط ما بين الاعتصام والعلاقة بالأهل "فكك من أهلك وانزل اعتصم", فمبتكر الشعار يدرك تماما أن رفض الأهل هو العائق الرئيسي الذي يواجه أي شاب قرر أن يعتصم أو حتى يتظاهر. وإني لعلى اقتناع أن ما حققه الشعب المصري في 18 يوما – وهي فترة قصيرة نسبيا – كان ممكن أن يتحقق في 18 ساعة فقط لو كان الأهالي تركوا لابنائهم و بناتهم حرية المشاركة في الاحتجاجات.



ودتت أن أذكر نفسي بالوصية الخامسة من الوصايا العشر أكرم أباك وأمك وبتعاليم الانجيل للأبناء أن يطيعوا والديهم وأذكر أيضا ما درسته في النصوص من سورة الاسراء بالوالدين احسانا وأن أقول لهما قولا كريما. السؤال الآن: هل شعار فكك من أهلك يتعارض وتلك المباديء الدينية وطبيعة ثقافتنا الشرقية؟؟ .. مش عارف! .. آيوة مش عارف. لكني على يقين أن كل سلطة من دون الله هي محل مراجعة وفحص وكلنا قد نخطيء وقد نصيب ومجتمعنا أعطى الأهل سلطات واسعة - وفي بعض الاحيان مطلقة -  ومن المتفق عليه أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة ولذلك لا أرى حرجا في مراجعة الصلاحيات المعطاة للأهل على أبنائهم.

وهنا أريد أيضا أن أتقدم بالشكر لعوض الله (الذي لا أعرفه) صاحب التويتة الملهِمة عن قيمة هذا الشعار الجديد واصفا إياه بأنه بداية الثورة الاجتماعية, وهو كذلك. إلا أنه ليس البداية في حد ذاتها لكنه تجسيد لمفهوم انطلق مع الأيام الأولى للثورة ولم يكن للثورة أن تولد وتتقدم لولاه. أتحدث الآن عن المعنى الأشمل والأوسع للشعار فلا أحصره في المفهوم الضيق للـ"أهل" بل في كل سلطة سخّرت صلاحيتها لتبني حواجز في طريق أهداف وأحلام من يخضعون لها.


نقطة البداية كانت قبل 25 يناير بأيام قلائل عندما انتشرت الدعوات الالكترونية للنزول للشوارع والميادين في اليوم المحدد للاحتجاج وإعلان الرفض لوضع قائم, تلتها فتواى شيوخ أجلاء وقساوسة وأساقفة نقدرهم لا ليحذروا بل ليمنعوا صراحة الشباب من المشاركة. قد يدعي البعض أن هناك ما يسمى بالإسلام السياسي وهو يعطي الحق لرجل الدين استخدام سلطته الدينية سياسيا, الله أعلم. لكني أعلم أنه لا يوجد شيء اسمه "المسيحية السياسية" (سواء كان أم لم يكن, بعد 18 يوم سمعنا تبريرات كثيرة من الجميع لذلك الموقف المتخاذل لكننا لم نسمع اعتذارا واحد. ما أسهل التبرير وما أصعب الاعتذار).. ورغم هذا امتلأت الشوارع يوم 25 وما تلاه بشباب مصر الحر في مشهد لن تنساه مصر, وتلك كانت الشرارة الأولى لـشعار "فكك من أهلك" الذي لم نكن نعرفه بعد.

علامة أخرى على طريق فكك من أهلك ظهرت قبل أن تتمخض به ثورتنا, يوم 27 مايو حينما تجددت الدعوات للتظاهر, كانت المؤسسات الدينية الرسمية استوعبت درس 25 يناير فلم يلقننا أحد وقتها أينبغي أن نشارك أم لا (وهو أمر عظيم ومفرح) لكن جماعة الأخوان لم تكن قد استوعبته بعد فجاء موقفها – مفترضا حسن النية – متخاذلا يفتقر للحنكة السياسية وحاولوا الحشد ضد اليوم لكن شبابهم الحر شارك جموع المصريين في فعاليات اليوم الرائع. وأيضا كاسيناريو 25, علقوا على موقفهم المتخاذل بكثير من التبريرات لكن لم نسمع اعتذارا واحد .. حقا ما أصعب الاعتذار.

شعار فكك من أهلك الذي ولد مع الموجة الثانية للثورة يحمل في طياته ثورة اجتماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى, ثورة بين جيلين اتسع الفارق بينهما, اكبرهما تربى على الطاعة العمياء, استقى معارفه من الجيل الأكبر. وأصغرهما وجد أمامه العالم مفتوحا, له الحق أن يختار ما يشاء ويعرف ما يشاء ويبحث عن اسباب كل شيء. جيل يهتم بماذا وآخر يبحث عن لماذا.

ولكي لا أبدو متحاملا على جيل أبائي وسلطة الأهل عموما أذكر مثالا عن أحد الأباء الأكثر من رائعين الذين بدأوا اعتصامهم يوم 8 يوليو في ميدان التحرير ( نعم, للآسف, هم ليسوا بلطجية كما يقولون).

سأل أحدهم الأب: انت معتصم يا حاج؟
-          ايوة معتصم.
-          ليه؟
-          عشان أخد حق ابني اللي مات يوم 28 يناير برصاص القناصة.
-          طب يا حاج انت سيبته ليه ينزل يوم 28؟ ما كنتش عارف ان اليوم ده خطر؟
-          أنا للي قولتله انزل.
هنا صمت محاوره قليلا من صعوبة الموقف ثم سأله ثانية:
-          انت مش ندمان انك انت اللي قولتله ينزل؟
فجاء رد الأب سريعا و مفاجئا: لأ مش ندمان
ثم أضاف و قد امتلأت عيناه بالدموع وقلبه بالإيمان وصوته بشجاعة متناهية:
-          وان رجع يوم 25 تاني ورجع ابني صاحي تاني برضه هقوله انزل.

 الدرس الذي بات على جميع السلطات أن تستوعبه, كانت دينية أو أبوية أو سياسية أو عسكرية أو حزبية أو أيديولوجية أنه لا طاقة لكم بالوقوف أمام مطالب الشباب المشروعة, لا تحاولوا الاصطدام بها, ولا تضعوا عوائق وحواجز في طريقها و إلا دُهِست دهسا, احترموا عقول الشباب, ودعونا نعمل معا دون اقصاء أو تعالي.


وعندما يجلس التاريخ ليكتب حكاية ثورة مصر, اقترح عليه أن يختار عنوان فصلها الأول "الشعب يريد", ذلك اللحن الذي صار أغنية, يتغنى بها كل شعب عربي يبحث عن الحرية, صرخ بها الشعب ليعلن للعالم أن له صوت يجب أن يُسمع و له إرادة يحب أن تُحترم. و للفصل الثاني عنوان "فكك من أهلك" مشيرا لثورة اجتماعية  و عقد اجتماعي جديد ينظم العلاقة من سلطة تحترم أبنائها وأبناء يطيعونها في الحق.


يقول المفكر محمد النويهي إبان "ثورة" 1952  أن أي ثورة سياسية لم يتبعها ثورة اجتماعية وفكرية محكوم عليها مقدما بالفشل. هذا وقد صنعنا الثورة السياسية ونصنع الثورة الاجتماعية.. متى نصنع الثورة الفكرية؟


الأحد، 3 أبريل 2011

نهلك جميعا أو نحيا جميعا

طاف رجال في جنبات المعبد القديم محذرين سكانه أن الوضع بات خطيرا, تشققت الجدران السميكة, هوت أعمدة الارتكاز. اندفعت الجماهير مكسّرة المتاريس النحاسية, متجاوزة الأبواب العالية التي لم يروا ما خلفها قط إلا في روايات أجدادهم. ازداد سقوط الأحجار كثافة في إشارة إلى قرب النهاية. أحجار تهوي على الرؤوس تصيب من تصيب و تصرع من تصرع. لم يعد هناك وقتا للجدل للعقيم. دويُّ شديد صمًّ الآذان حدث حين ترنّح العمود العظيم الذي في الوسط سقط بعدها سقف المعبد العجوز.. حمدا لله,  قد نجا الجميع اللهم إلا من فضّل البقاء في المعبد متعبدا لأصنامه, سقطت عليهم الأحجار العتيقة, سحقت عظامهم سحقا.

تراطمت المشاعر و تباينت, فرح و حزن, غناء و بكاء, كان البعض سعيدا, ولم لا؟ فقد تنفسوا هواء الحرية لأول مرة, و البعض تعيسا لما فقدوه من ممتلكات و ثروات, و آخرين نجوا بأجسادهم أما أرواحهم فكانت مدفونة هناك تحت الأنقاض.

خرج أهل المدينة "جريء" و "لبيب" و "لئيم" و "خائر" و "حائر" يسيرون في طريق لا يعلمون ملامحه لكنهم يعلمون غايته. مال النهار و سدل الليل أستاره. وضع حائر رأسه على حجر ليغفو قليلا بعد يوم شاق و تأمل النجوم المتلألئة في السماء, شعر بارتياح لكن عندما آلمه ظهره تذكر سريره الناعم الذي تركه و تمنى لو كان مستلقيا عليه. آنذاك كان جريء ممسكا بالشعله ليضيء المكان و لبيب كان يدرس الموقع الذي استقروا فيه حتى يحدد الطريق الذي سوف يسلكونه غدا. أما خائر فقد دخل الخيمة منهوك القوى و قضى هناك ليلته تحت الغطاء.

و مع أول شعاع للصباح أتى لئيم و في يده جوال, استقبله جريء و سأله: أين كنت طوال الليل و لماذا لم تبت معنا؟ فأجابه لئيم بفظاظة "ليس شأنك" و صدمه بجسمه الضخم و تجاوزه. كان اليوم الثاني أصعب من الأول. الشمس حاره و الأرض جافة و الطريق مازال طويلا. وقع خائر على الرمال من شدة الإعياء و العطش, شعر أنه على حافة الموت, قال بصوت ضعيف متقطع :
- ألم أخبركم أن الموت هو مصيرنا؟ يا ليتنا متنا في المعبد على الأقل وجدنا من يعتني بجثثنا.
 أثر كلامه على حائر تأثير سم الحية وأحس بقشعريرة اليأس تدب في كل جسمه.
- خاطب لبيب لئيم قائلا: هلا حملت خائر صديقنا؟ فهو لا يقوى على السير و أنت قوي البنيان. فاعتذر لئيم بأنه مشغول بأعمال أخرى أكثر أهمية.
- قال لبيب: حسنا حسنا سوف أحمله انا, لا ينبغى أن نترك خائر ههنا وحيدا و نسير نحن.
- فتتدخل جريء مقاطعا و قد تلاقت عيناه مع لئيم: لا يا لبيب أنت رجل شيخ, أنا سوف أحمل خائر على كتفي حتى يسترد عافيته.

توارت الشمس خلف الجبال و استردت آخر شعاع لها. كانت الليلة مقمرة لكن الضباب كان كثيفا. ومع حلول الظلام اختفى لئيم كعادته. صمتت كل الأصوات إلا حفيف الأشجار و فحيح الحيات.
- ما هذا الصوت ما هذا الصوت؟!! تسائل حائر
- أجاب لبيب بصوت متزن "هو عواء الذئاب"

لم يلبث خائر أن سمع تلك الكلمات حتى صار كالمجنون, ألقى بنفسه على أرض و أخذ يذري الرمال على رأسه "قد هلكنا قد هلكنا لا محالة لم يعد لدينا طعام و الخيام أخذتها الرياح و الوحوش الجائعة حولنا تنتظر الانقضاض.. آااه أين المعبد أين المعبد القديم, أسواره كانت تحمينا من الذئاب, كنت أجد كل يوم طعامي, قد أهلكتموني, نعم أنت يا لبيب اهلكتنا بغبائك و أنت يا جريء اهلكتنا برعونتك لقد انتهينا و متنا شر ميتة"
تركه لبيب حتى هدأ و كف عويله ثم بدأ يشرح له كيف وجب عليهم الخروج من ذلك المعبد البغيض و أكد له أنه وفقا للحسابات ما هي إلا أيام قليلة حتى يصلوا إلى الأرض التي خرجوا يطلبونها, أما جريء فقد قضى ليله كله يحرس رفقائه من وحوش البرية وطيور الظلام.

عاد لئيم في اليوم التالي و كان جواله مليئا عن آخره تلك المرة. سأله أصدقاءه, "أين كنت طوال الليل" ؟
- كنت أجمع بعض المقتنيات التي قد نحتاجها لاحقا.
- قال لبيب: جوالك مليء الذهب و الجواهر, أليس كذلك؟
- صر لئيم على أسنانه و قال نعم معي ذهب.
- خاطبه لبيب معنفا: كيف تتركنا طول الليل و نحن كدنا نموت أمس جراء الذئاب والوحوش؟ أنت متمرس في شؤون البرية و الجبال كان أجدر بك أن تتعاون معنا بدلا من جمع المجوهرات.
- أجاب لئيم في مكر: هل تظنوني أجمع الذهب لنفسي؟!! لا لا قد أخطأتوا الظن بي. ثم رسم ضحكة خبيثة على شفتيه و لمعت عينيه و قال:  أنا أجمع النقود لخيرنا جميعا, هي نقودنا كلنا.
ثم تركهم و ذهب.

ساروا هم الخمسة في اليوم التالي و قد خيم عليهم الصمت. تعرقل حائر في جزع شجرة و سقط على وجهه. أضائت الرعود السماء و صوت البروق المرعب ملأ الآذان. ظهرت الأشباح و تراقصت أمام أعينهم . ها هو وجه الشيطان القبيح يبدو مبتهجا وسط الأمطار الغزيرة. زلزال عنيف ضرب الأرض تحت أقدامهم و شقها نصفين. شريط ماء يحول بينهم و بين غايتهم. اتسع الشريط و اتسع حتى صار نهر, عبوره يبدو مستحيلا... "لا لا ليس مستحيلا" هكذا صرخ جريء, "ها هو زورق صغير هناك أرسلته العناية الإلهية لنجدتنا" أنطلقوا جيمعا نحوه, سبقهم لئيم و ألقى جواله الثقيل داخل الزورق أولا ثم قفز هو, تبعه جريء ثم لبيب فحائر و لما وضع خائر قدمه داخل الزورق بدأت المياه تتسلل إلى داخله, سحبها ثم حاول ثانية لكن لا جدوى. نظر جميعهم إلى لئيم و إلى جواله. فصاح فيهم غاضبا: "ما بالكم تنظرون إلى جوالي؟! لا لن ألقيه أبدا"
- "الزورق صغيرا لا يحملنا نحن و جوالك لابد أن تلقه في الماء" قال لبيب.
- لا. لن يحدث. خائر هو من سيُغرق الزورق هو من لابد أن يلقى في الماء.
استشاط جريء حنقا من أنانية لئيم و قفز فوقه و تلاكم الاثنان و تصارعا. فوقف لبيب على رأس الزورق و صاح فيهم "يكفــــــــــــــي". ألتفتت كل الأنظار نحوه ففتح فاه و قال لهم: " قد كنا جميعا رهن الموت داخل المعبد القديم و قد نجونا بأعجوبة والآن, إما أن نهلك جميعا أو نحيا جميعا" .

الجمعة، 4 فبراير 2011

فوقوا بقى فوقوااااا .. خلينا نفكر بالعقل


تلك الكلمات وجهت إليّ و لغيري عشرات و عشرات المرات في الأيام القليلة الأخيرة. و أنا أشكر كل اصدقائي الذين قالوا لي ان أفيق و أن أفكر بالعقل, فعملا بنصيحتهم جلست محاولا أن أفكر بالعقل.... 

جلست لأتتبع الأحداث الجارية منذ بدايتها حتى يومنا هذا. الحكاية بدأت من شهور من ساعة ما سمعنا عن شاب اسكندراني اسمه خالد سعيد اتقتل على يد رجال شرطة و اتهمته الشرطة أو بعض وسائل الإعلام انه حشاش و رد سجون و أنه بلع لفافة بانجو و مات باسفكسيا الخنق, أنا عن نفسي صدمت لما شفت صورته قبل الحادثة و بعدها و قلت لنفسي زي ما قال كتير غيري أنه حتى لو كان حشاش و مجرم ما ينفعش اللي حصل فيه ده بأي حال من الأحوال و قررت ان اتعاطف معاه بأقل جهد ممكن عن طريق إني دوست "like"  على الصفحة بتاعته على الفيسبوك.

مر الحدث كما يمر أي حدث في حياتي. و بدأت الأحداث المختلفة تتوالى. سمعنا عن زوجة كاهن قيل إنها غيرت دينها, الله أعلم صح ولا غلط الموضوع ما يفرقش معايا لا كتير و لا قليل لكن ردود الفعل كانت غريبة, سمعت عن ناس خرجت في مظاهرات بتتهم الكنيسة بالخيانة و آخرين يتهمون الثائرين بالإرهاب و ناس بتتهم الدولة بالتواطؤ و عدم القدرة أو الرغبة في حل الأزمة. و توالت الأحداث. سمعت عن صدام بين مسيحيين في العمرانية و بين قوات الشرطة أدى لمقتل واحد أو اتنين و إصابة عشرات, و خرجت التحليلات البعض يتهم بناة الكنيسة بالخروج عن القانون و البعض يتهم الدولة بالإضطهاد و معاملة المسيحيين كمواطنين من الدرجة التانية . و توالت الأحداث. سمعت عن غلق بعض القنوات الفضائية و البعض أتهم الدولة بمحايلة المسيحيين و سمعت عن اعتقالات واسعة ما بين ناشطين سياسيين. سمعت و شفت انتخابات اتزورت كده عيني عينك منغير كسوف ولا اختشى رغم الوعود المسبقة بأمانتها و نزاهتها توقعت رد فعل صارم من جهة الدولة لكن مر الحدث كما مر ما قبله من أحداث... و توالت الأحداث. انفجار أمام كنيسة في الاسكندرية راح ضحيته عشرات, مندوب شرطة يطلق نار على مسافرين في قطر, مواطن يقتل على يد أمن الدولة عشان بيحققه معاه و توالت الأحداث و توالت و ليس وقتي ولا ذاكرتي يسمحان أن أذكرها جميعها ولا وقتك القاريء أيضا.

شفت دعوة على الانترنت بتقول اننا نخرج يوم الجمعة عشان نقول لأ للظلم. اتغيرت بعد كده و بقت يوم 25 يناير .. المهم . أنا اتحمست للدعوة لأني اشعر بظلم و أرثي لحال بلدي و ما وصلت له من تدهور فكري و ثقافي و اجتماعي و اقتصادي مؤخرا. قلت هشارك, رغم إني كنت خايف. و وجدت كثير من النقد سواء من أصحابي أو عيلتي بيقولولي "أنت عبيط؟" "انت عايز تترفد من الشغل؟" أو عبارات سخرية من نوعية "يالا يا عم الثورجي" أو ضغوط نفسية من هنا و من هناك تدعوني للتعقل و عدم الخروج لأن النتيجة غير معلومة.

و بالرغم من إني مش من هواة أخذ المخاطرة إلا إني قررت إني أشارك لأني كنت مقتنع بالفكرة تماما. كلمت أصحابي و اتقابلنا في مكان ما في وقت ما و قعدنا ندور على أي مظاهرة في أي حتة نمشي فيها شوية و خلاص. لكن بصراحة الموضوع كان شكله فكسان على آخر. مئات من جنود الأمن المركزي كانوا يملؤون الشوارع حيث ذهبنا و لم نجد أي أثر لأي مظاهرة تحدث أو ممكن أن تحدث. بدل ما اليوم يضيع على الفاضي قررنا نتمشى شوية في الشارع و نحكي, بعد شوية لقينا حسبة كده 30 أو 40 واحد ماسكين أعلام مصر و بيهتفوا. فرحت لما عرفت أن الخروجة و الترتيب اللي عملناه ما كانش آخرته شوية تم ساعات دول جاتني فيهم اتصالات كتيرة من البيت تدعوني إلى العودة فورا و اتصالات و رسايل كتير من أصحابي تدعونني للتعقل و ترك المظاهرات عشان الدنيا شكلها دخلت في جد.. تحت الضغوط متتالية قررت أخيرا أن أترك المظاهرات و أرجع. 

رجعت البيت و تابعت على التلفزيون, كان من الواضح إن جهاز الشرطة المصري العملاق وجد أن المظاهرات دي شوية لعب عيال هيلعبوا شوية و يمشوا لكن مع حلول ساعات الليل و تزايد عدد المتظاهرين في ميدان التحرير قررت الشرطة أنها تدي علقة سخنة لشوية العيال دول عشان ما يعملوش شقاوة تاني و فضتهم بالقوة. فوجئت تاني يوم في الشغل بسخرية من عدد من زمالائي في العمل يطلقون عليّ "عم الثورجي" رغم إني لا ثورجي ولا حاجة أنا بس نزلت الشارع مع الشباب عشان أقول لأ للظلم. المهم .

عدى يومين كمان و قررت أني أنزل يوم الجمعة. واحد صاحبي كلمني و قالي تعالى ننزل وافقت على الدعوة رغم الصعوبات و المضايقات الشديدة التي واجهتنا من عيلتي و بعض اصحابي, محذرين إياي بالعنف المتوقع من أجهزة الشرطة.. بصراحة .. أنا خفت بالذات بعد ما التليفونات اتقطعت و النت قطع عرفت إن العملية جد مش لعب عيال و ممكن تقلب بجد. و نزلت رغم دعوات أصحابي و أهلي بالتروي و "التفكير بالعقل" .. مش هحكي تفاصيل يوم الجمعة لكن يكفي أن يوم الجمعة شفت مصر جديدة ما شفتهاش قبل كده شفت ناس عمري ما تخيلت أنهم مصريين ناس بتساعد بعض و قلبها على بعض . شفت جهاز شرطة عنيف جدا عمري ما تخيلت أن ممكن الشرطة تعامل الناس بالقسوة دي. شفت ناس بتقع و تتعور و بتضرب. بنات و ستات بتصوت رجال يشعرون بالقهر و ما أدراك ما هو قهر الرجال لعدم قدرتهم أن يتجمعوا و يهتفوا هتافا واحدا يجمعهم. عدت مع صديقي إلى بيته في الليل و قد سمعت في الأخبار أن هناك عشرات من القتلى و مئات من المصابين في مواجهات اليوم. شكرت ربنا إني لسة صاحي لكن تألمت كثيرا عندما رأيت مصريين يقتلون مصريين.

أشتد اقتناعي بالفكرة و المبدأ فكيف يموت أبرياء عزل بأيدي "عبد المأمور" بينما من أمرهم يجلس هناك في مكتبه المكيف لعله يرتشف الشاي و يدلي بتصريحات تلفزيونية إنه تعامل بحزم مع مجموعة من الخارجين عن القانون و الخونة. 

يوم الجمعة انهارت قوى جهاز الشرطة المصري ليس منهكا من ملاحقة اللصوص لكن منهكا من قتل المواطنين المصريين و ضربهم و اعتقالهم. اعتقدت إن الدولة لا مفر أمامها من الاستماع للشعب لكني اكتشفت بعد ساعات إني كنت ساذج, فلقد خرجت عصابات تتعدي على البيوت و المحال التجارية تسرقها و تنهبها لترويع المصريين. لا أعلم أهم يتبعون جهاز الشرطة أم لا لكني اعلم أن الشرطة المصرية كان أحرى بها أن تلاحق هؤلاء المجرمين من أن تقتل المتظاهرين. لكني فرحت و تفائلت عندما وجدت شباب مصر أخذ على عاتقه حماية الممتلكات نظموا صفوفهم و وقفوا وقفة رجل واحد حتى شعرت بالأمان. أعتقدت أن الدولة لا مفر أمامها من الاستماع للشعب الغاضب, لكني للمرة الثانية أدركت مدى سذاجتي حين علمت بل رأيت التتار قادمون على ميدان التحرير راكبين الخيل و الجمال لا يلتفت راكبوها من يدهسون أو من يضربون يمنة و يسرة, لا أعلم أهم يتبعون جهاز الشرطة أم لا لكني أعلم أن دور الشرطة هو حماية المتظاهرين و ليس قتل المواطنين.

كنت أريد أن أرى بلادي حديثة تعبر بخطى واثقة نحو المستقبل لكن .. هم لا يريدون  أن يرجعوها فقط لما قبل 25 يناير بل لما قبل 1900 بقطع وسائل الاتصال بل لما قبل 1200 حين كانوا يتقاتلون بالخيل و الجمل.

فرحت بشجاعة المصريين و كنت فخور بهم جدا فهم استطاعوا أن يصمدوا ضد الشرطة يوم الجمعة و ضد عصابات البلطجية و ضد مهاجمين القرون البائدة الذين هاجموهم كالتتار. أدركت حينها كم هذا الشعب عظيم هذا الشعب يستحق حقا الحرية يستحق الكرامة يستحق أن تنحني له احتراما كل شعوب الأرض.و اعتقدت حينها أن الدولة لم يعد أمامها مفر من أن الاستماع للشعب لكني اكتشف مدى سذاجتي للمرة الثالثة, فلقد انتشرت دعوات المندسين و دعوات تجنب الفتنة و دعوات الرجوع بعيدا عن الخراب و للآسف كانت تلك الدعاوي هي الأكثر انحطاطا على الإطلاق, فقد انقسم المصريون, قاتلوا بعضهم بعضا, و قتلوا بعضهم بعضا, اتهم بعضهم الآخر بالخيانة و الآخر بدوره اتهمهم بالجبن.

انتشرت على الفيسبوك دعوات هي غريبة من نوعها فوجدت العشرات من أصدقائي (و عشرات الآلاف من المستخدمين) يؤكدون أنهم لن ينزلوا يوم الجمعة القادم تجنبا للفتنة – قال يعني هم كانوا نزلوا قبل كده - . و وجدت البعض الآخر يصف المصريين المتظاهرين بأحط الألفاظ بل لا يجد حرجا أن يدعوهم بأسماء بعض الحيوانات و الماشية متمنيا موتهم جميعا حتى يرتاح.  و البعض أخد يتهم مدير صفحة ما أنه عميل جاء لتخريب البلاد متدللا بخمس أو ست أدله يبلغوا من التفاهة أن أي طفل يستطيع أن يفندها بقليل من الحيادية و اليسير من المعرفة, متناسيا – أو غير عارفا – دور ذلك الرجل في إيقاظ المصريين من سباتهم العميق. و وجدت البعض بيشير فيديو للمظاهرات فيه صورة بنت حلوة شعرها أصفر شكلها اوروبية و بيقول بمنتهى الثقة "فوقواااااااا شوفوا مين بيحرك المصريين" متجاهلا عشرات الآلاف من المصريين المتظاهرين مدعيا إن تلك "الخواجية" الحلوة هي من تحركهم دون أي دليل.
هذا و ناهيك عن الذعر الذي ينتاب البعض كلما رأي في المظاهرات رجل ملتحي و كأن اللحية أصبحت تهمة متفكرا أن هذا الملتحي
يتربص به لقتله إذا ما خرج من بيته.

و كثرت الدعوات التي اعتدناها منذ عشرات السنين عن "اليد الخفية" و "الدول الأجنبية" و "الأجندات الخاصة" التي هي سبب في كل ما أصابنا من بلاء منذ تأسيس العالم حتى يومنا هذا. عجبت من كيفية تحليل الأمور التي قام بها البعض سواء عن قصد أو بغير قصد مؤكدين وجود تلك الأجندات الأجنبية عن طريق ما قاله أحد رؤساء الدول الأجنبية .. كم هذا مضحك حقا !! ماذا تعتقدون؟ هل تنتظرون رئيس إيران يصرح و يقول حيّ الله رجال مصر الأوفياء فهم سيبنون دولة حديثة؟!! هل تتوقعون أن يقول الرئيس مبارك أخشى أن أترك البلاد فتتقدم في غضون سنين قليلة؟ هل تتوقعون أن يخرج رئيس الوزراء ليقول مصر سيعمها السلام إذا تغير النظام؟ أثارت أيضا دهشتي دعوات من أمثال "من يحاول ركوب الموجة" و "من يريد جني الثمار" هذا الأمر عجيب حقا أبعد أن كبرت الشجرة و ترعرعت و روتها دماء اخوتنا و أعطت ثمارا نضرب جذورها بالفأس خشية أن يأتي آخر و يقطف ثمارها !! عجيب.

 هذا كله فضلا عن انتشار الدعوات من أمثال "لا للبرادعي" و "لا للإخوان" و "لا لعمر موسى" و لا لغيرهم و لغيرهم فبقينا بالبلدي بنقصقص ريشنا و انقسمنا على ذواتنا  و أرعبونا من المستقبل و سرقوا منا لذة فرحتنا و أصبحنا أعداء أنفسنا و حولوا نصرنا إلى هزيمة و سعادتنا إلى قلق بدل من أن نخرج لنحتفل مع الفرحين أصبحنا نجلس خلف شاشات الكمبيوتر نتهم هؤلاء بالغباء تارة و الخيانة تارة أخرى. أليس من حقنا أن نفرح بما حققناه من أنجاز؟ أليس من حقنا أن نقطف أثمارا من الشجرة التي روتها دماءنا ؟؟ اليس من حقنا أن نحتفل بعمل أنجزناه قلما حققه شعب في تاريخ الشعوب؟  أرجو هذا