‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 28 مارس 2012

فـتـاتي





فيما هو راقد على فراشه, واقفا على حافة الموت, أمر خادمه الخاص أن يستدعي كل الخدم حتى يشهد الجميع على كل كلمةٍ سوف يقول.

غاب الخادم قليلا ثم عاد ومعه العشرات من رفقاءه الذين يعملون في أروقة القصر وما حوله من أراضٍ واصطفوا جميعا في صفين حوله في غرفته الواسعة وقد اختبأت وجوهم خلف ستائر من الحزن والدموع. حقا, إنه مشهد ومهيب والأبُ هامد تجتاحه سكرات الموتِ وبجواره ابنته الوحيدة كورت جمسها الضئيل ودفنت رأسها في صدره تبكي بلا انقطاع. وبعد لحظات من الصمت - لم يتخللها إلى شهقات الصغيرة- مرت كأنها دهــــر, أومأ برأسه فاقترب منه الخادم وخاطبه بصوتٍ ضعيف متقطع لكنه مسموع قائلا:

-          ها أنا ذا ماضٍ إلى حيث يمضي الجميع, وقد تركت خلفي أموالا وأملاك كثيرة لكني لست أحسب كل هذا شيء .. فأغلى ما عندي هي نور عيني (ووضع يده على رأس طفلته). استحلفك بالله أمام رفقائك أن ترعاها كحياتك وأن تكون لها كأبٍ من بعدي. أنت تعلم أن الطبيب أرسل يبشرني منذ أيام أن فرصة نجاح عملية زرع القرنية عظيمة.

 بدأ صوته يخفت كأنه آتٍ من كهف بعيد, لكنه استكمل:

-           كم كنت أود أن أحيا حتى تستطيع أن تراني بعينيها لكن هذه إرادة الله.. قال تلك الكلمات وتحشرج صوته داخله ثم مالت رأسه قليلا وسقطت يده من فوق رأس ابنته.

* * *

انقضت أيام المأتم سريعا, عاد بعدها المُعزي إلى بيته والعامل إلى عمله, أما الحياة فنجحت كالعادة أن تلهي كل واحد في ملهاةٍ , فلم يجد الحزن ملجأ مريح يقضي فيه نهاره وليله إلا قلب الصغيرة.. فتاةُ لم تبلغ الثامنة, عبث بها القدر وألقى بها وحيدة في غابة يسمونها الحياة, شعرها أسود طويل وبشرتها بيضاء ناعمة وصوتها كصوت الملائكة, يجتمع في وجهها الصغير برائة الأطفال ووجاهة العظماء معا لكنها لم ترى جمالها هذا قط.

آلت كل الأملاك تحت تصرف الخادم المقرب حسب وصية السيد الراحل. في غفـلة من الزمن وجد بين يديه أموالا طائلة وسلطة واسعة, يستطيع أن يبيع ويشتري, يأمر وينهي, يشرّع وينفّذ ويقضي بل ويعاقب من أخطأ. قدمت له الحياة مشتهياتها على طبق من ذهب فداعب السلطان أحلامه وتحركت الأطماع داخله وفيما يبدو قد التحول الوكيل الأمين إلى متسلِّطٍ لئيم.

وبرغم الحزن العميق الذي يعتصر قلب الصغيرة كانت ترى شعاع نور يلوح بعيدا في الأفق, هي تتذكر جيدا وعد أبيها عن إجراء العملية وعودة البصر إليها لكن كلما كانت تذهب للخادم وتسأله كان يتحجج بأنه مشغول الآن بسداد ديون أبيها للتجار وإرسالها لأوربا لإجراء العملية يتطلب أموالا كثيرة وهو يخشى إذا فعل هذا تنفذ الأموال وقد لا يجدوا شيئا ليأكلوه بعد شهور قليلة .. كم كانت تشتاق أن ترى النور.

لم يعد ينظر إليها كطفلة مؤتمن على رعايتها إلى حين, بل خصمٌ سينتزع منه كل جاهٍ بعد أعوام. بالطمع سقى بذرة الشر في قلبه وبالمكر رسم خطته .. ملأ رأسها بتراهات عن زملائها في المدرسة الذين يحقدون عليها لثرائها ويكرهونها لجمالها ويسخرون منها أمامها دون أن تدري. وفي الخطوة التالية من خطته الشيطانية أخرجها من المدرسة راضية, واستحضر للبيت معلمين منزليين, يلقنهم قبل الدرس ما يقولون, فأعطوها الجهلَ وقالوا هوذا العلم, الخرفات وقالوا سُنّة الحياة.

لم يفُت الخدام الملعون أن يغلق كل طاقة حولها يدخل منها نور. ذهب إلى معبد المدينة وبحث بين الكهان عن عبيد المال, ملأ بطونهم واشتراهم وعهد لهم تعليمها مباديء الدين, وأي دين,  فعلموها الخنوع والذل والقهر والاستكانة, التعصُب والغضب والتشدُق والمهانة, وتناسوا المحبة والرحمة والحق والأمانة. وإذا ما اشتكت يوما من سؤء معاملة "سيد البيت" لها عنفوها وزجروها لأن طاعة ولي الأمر واجبة وإن ظلم.

* * *

مرت أعوامٌ تلو أعوام, والصغيرة أصبحت شابة بالغة. لكن كلما كان يمر بها العمر يوما كان يزداد الظلام حولها قتامة. من رآها قال سبحان الخالق فيما أبدع ومن عرفها أسف لحالها ;شخصيةٌ مهزوزة مهزومة مهترئة, تظن السؤء في الجميع, بلا أصدقاء مقربين, سريعة الغضب, يتملكها الخوف والقلق من أي مجهول.. هكذا كان يراها الجميع .. إلا أنا.

أذكر ذلك اليوم حين قابلتها في السوق ودعوتها للحديث, ذكّرتها بأيام الطفولة حين كنا نلعب سويا في فناء المدرسة, أقسمت لها بأننا لم نكِنُّ لها إلا الحب والمودة. ذكّرتها بوصية أبيها التي خانها الخادم. أخبرتها عن ذلك الكاهن الأمين الشجاع الذي قتلوه خدام القصر لما حاول الدخول إليها, وعن حقها في الإرث الذي استولى عليه الخادم الشرير وعصابته وأنها تستطيع بكلمة واحدة منها أن تطرده وتنتزع حقها انتزاعا. وصفتُ لها القمر وجماله, البحر واتساعه, السماء وصفائها حتى تشتاق للنور الذي حرمها منه الخادم الجاحد. صرّحت لها بحبي ولم أُبقِ في قلبي شيئا إلا واخرجته.

انصتت لي جيدا حتى انتهيت ولم تنطق بكلمة واحدة, ثم وقفت واستدارت وأشارت بيدها للخدام فانهالوا عليّ سبابا وضربا حتى تكسّرت كل عظامي.

ليت شعري .. ماذا عليّ أن أفعل؟!
أأتركها لهلاكها كما ينصحني أصدقائي؟ .. لكن كيف أتركها وهي ضحيةٌ بلا ذنبٍ ولا جرمٍ. أم أحاول معها ثانية كما يحثّني ضميري؟ ولكن كيف وقد رفضتني أولا.. أم أنساها وأعشق غيرها؟ حتى إن نساها عقلي فلن يسلاها قلبي.


الجمعة، 24 ديسمبر 2010

انضم معنا لغلق الجروب الذي ...


قد تكون نجحت الولايات المتحدة الأمريكية ـ باستخدام القوة ـ في تقليل خطر الإرهاب مؤقتا ( و إن كنت أشك في هذا) لكنها فشلت في أن تحل المشكلة من جذورها من كراهية متبادلة متزايدة بين الشرق و الغرب. و قد تكون الحكومة المصرية نجحت باستخدام الأمن المركزي في إضعاف أصوات المعارضة و لو إلى حين لكن الفشل الذريع كان حليفها في حل مشاكل المجمتع المصري. فالقمع و العنف لم يوجدا لمعالجة المشاكل, بل هما أشبه بسد فوهة بركان سرعان ما يتزايد الضغط بداخله و ينفجر فيحدث ما لا يحمد عقباه.

و في مجتمع تراتبي هرمي كمجتمعنا المصري حيث يسكن أعلاه من يملك كل القوى و الصلاحيات المنزه عن أي خطأ و يقبع أسفله العامة الذين لا يملكون شيء يذكر من الحقوق, يسهل أن تنحدر الصفات بسلاسة من أعلى الهرم إلى أسفله ـ كما يقول علماء الاجتماع ـ فعلى مدار السنين يتحول كل مظلوم إلى ظالم و المقموع إلى قامع و المتسلَط عليه من رؤساءه إلى متسلِط على مرؤوسيه. و يصبح كل مواطنا "ديكتاتورا صغيرا" لا يؤمن إلا برأيه ولا يستطيع أن يرى الصواب إلا عنده.

 فيتعصب المرء لطائفة أو جماعة أو فكرة و يرسم حول نفسه دائرة لا يحدد قطرها إلا أفقه الضيق, فكل من يقع داخل الدائرة هو حليف لا يمكن أن يخطيء و كل من خارجها هو عدو لا مجال له أن يصيب... لكن ما تلبث تلك الدائرة أن تضيق من حوله, فذلك الإنسان المسكين لا يعرف معنى الاختلاف فينبذ هذا خارج الدائرة لأنه اختلف معه في أمر ما, و يطرد ذاك منها لأنهما لم يتفقا حول قضية ما. فتأخذ تلك الدائرة الوهمية تنكمش و تنكمش حتى لا يجد فيها إلا نفسه و يتقلص ايضا فضاء عقله و يعيش في جحر صغير لم يصنعه إلا هو.

و بعد أن كانت مصر بلد تشغل من سطح الكرة الأرضية 1,000,000 متر مربع تصبح 80,000,000 جزيرة صغيرة تعمل كل منها جاهدة على إغراق جيرانها ممن ضلّوا و يصبح كل فرد اشبه بخلية سرطانية همه الوحيد هو تدمير من حوله.
و الأمثلة كثيرة من حولنا بل دعني أقول لا حصر لها بداية من آلاف جنود الأمن المدججين بالسلاح الذين يحاصرون العشرات من الشباب العزل, مرورا بكل ما تلاحظه في حياتك اليومية من أساليب القمع المختلفة, وصولا لانضمامك لجروب على الفيس بوك لغلق صفحة ما !! . فالمبدأ واحد وهو القمع و الفكرة واحدة و هي اخراس الأصوات المخالفة لنا.

اختلف معي لكن لا ترفضني.
حاول أن تقنعني لكن لا تنبذني.
 جادلني بالتي هي أحسن لكن لا تخرس صوتي.