‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 18 ديسمبر 2011

قصة شهيد في التحرير


عاش في أسرة فقيرة يقضي نهاره في الدراسة وليله في العمل ليصرف على أمه الأرمله واخته الصغيرة, حاله كحال الكثيرين من أقرانه, حزين لما آلت إليه بلاده من فقر وجهل وفساد وتعصب, لكنه كان مملوء أملا ورجاء وعلى يقين أنه لابد أن تنصلح الأحوال يوما ما.

سمع من أحد اصدقاءه ليلة الـ 24 من يناير  أن شبابا عزموا أمرهم أن يتظاهروا غدا مطالبين باسقاط ذلك النظام الذي طالما أهان وأذل المصريين, وبالفعل خرج وشارك وهتف معهم بلسانه وقلبه. لكن عندما حل المساء هاجمتهم الشرطة في وسط ميدان التحرير وناله قدرا وافر من الضرب على ظهره حتى تورم.. لم يؤلمة الضرب بقدر ما ألمه قول الناس أنهم "شوية عيال".

مر يومان, وفي صباح الجمعة أخبر أمه أنه خارج اليوم أيضا ليطالب بالعيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لكل المصريين, فانقبض قبلها وصرخت فيه "لا يا ولدي, لا تذهب, إياك أن تذهب, وحياتك لا تذهب, أنت تعلم إني واختك ليس لنا في هذه الدنيا بعد الله إلاك" فهدأ من روعها وربت على كتفها وقال لها ألّا تخاف, فلن يرى إلا ما اراد له الله أن يرى .. وبعد أن هدأت قبّل اخته الصغيرة وخرج.

رأى يومها ما لم يره من قبل وما لم يتخيل أن يراه, شجاعة متناهية وعزيمة وإصرار وثبات كالجبال, وفي المقابل خسة ووضاعة منقطعة النظير. رأى بعينيه قناصا يعتلي إحدى الأبنية الشاهقة, ثم سمع صوت رصاصة تصفـّـر بجوار أذنه, ثم سقط رجل شيخ بجواره  واندفع الدم من رأسه كالنهر, حمله على ظهره وجري كالمجنون لا يعلم أن يذهب .. قد فارق الحياة.

وفي يوم الأربعاء الذي تلاه, وقف بجسده أعزلا, أما وحش بشري يمتطي جملا, فأصابت هراوة رأسه فسقط مغشيا عليه وكادت الخيول أن تمزق جسده الضعيف تمزيقا لولا تدخل أخرين لينقذوه.

ظل في الميدان وافقا, لأيام, لم يبرحه قط, رغم قرسة برد ليل الشتاء ظل واقفا, وهو يعلم جيدا أن الإعلام يقول أنه  يقبض 50 دولارا مقابل وقفته تلك, بيد أنه لا يعرف كم يساوي هذا الدولار أصلا, لم يمسكه أبدا بل ولم يره من الأساس .. ظل واقفا لأيام من أجل أناس يعلم جيدا أنهم يصدقون أنه يأكل الـ"كنتاكي" مقابل وقفته بينما في الحقيقة كان يسيل لعابه كلما مرة من أمام أحد تلك المطاعم لأن حافظة نقوده دائما خاوية.

وفي مساء الـحادي عشر من فبراير سمع ذلك الخبر الذي كان سيفقد حياته مرارا ليسمعه, ورقص قلبه في صدره طربا .. تلاه تدفق ملايين المصريين للميدان نزلوا ليحتفلوا معه, تذكر أن مئات فقط كانوا ههنا منذ ايام بينما تركوه هؤلاء الملايين يواجه الموت وحده, لكنه لم يحزن ولم يضطرب, بل ابتسم قال لنفسه "اللي فات مات" لنبدأ عهد جديد.. وقضى ليله كله في الغناء والرقص ينشد الأناشيد الوطنية وصعد على ظهر دبابة يحمل علم مصر وصافح أحد الجنود وقبّل رأسه ورفع بيده اليمنى شارة النصر وأخذ صورة تذكارية .. هكذا كما فعل الجميع.

* * *

مرّت الأيام .. شعلة حياة جديدة, بدأت تنطفيء, شعاع أمل جديد, أخذ يخفُت, كل يوم يمر ينخفض معه سقف أحلامه .. قال عيش, لكن الفقراء مازالوا لا يجدون العيش .. قال حرية, لكن مازالت الأفواه تُسد .. قال كرامة, لكنه يرى كيف تهان كرامة المصريين كل يوم, قال عدالة اجتماعية, لكن مازال الأغنياء يزدادون غنىً والفقراء فقرا.. ما هذا؟ هل ذاك هو ما كدت أفقد حياتي لأجله؟!

كلما فتح التلفاز أو ركب أوتوبيس سمع حديث عن تخوين وعمالة وتمويل .. مستحيل!! مستحيل أن يكون هؤلاء الرفقاء الذين بذلوا حياتهم من أجل بلادهم خونة أو عملاء .. كلما حدثت مصيبة أو إلتهبت فتنة في البلاد سمع "حرام عليكم خربتوا البلد"  .. لا! أنا لم أخرب البلد, لكن أحدا لم يسمعه. حتى القميص الذي اشتراه يحمل شعار 25 يناير, أصبح لا يخرجه من دولابه بعد أن كان يلبسه كل يوم مزهوا به بين أصدقاءه.

عراك سفسطائي عقيم عن دولة دينية أم مدنية, تخويف وإرهاب وجهل يملأ الأجواء .. تعصب واستقطاب سياسي وديني بين مريدي التيارات المختلفة .. وهو لا يعرف أي شيء عنها, كل ما يعرفه أنه يريد أن يعيش بكرامة كما يعيش البشر.


* * *

سمع أن الشرطة عادت تمارس ما اعتادت أن تمارسه منذ زمان, لقد اعتدت على مصابين الثورة المعتصمين في الميدان وضربت منهم من ضربت واعتقلت من اعتقلت, ازداد غضبه وحنقه وذهب فورا للتحرير, كان يريد أن يقف في الصفوف الأولى في شارع محمد ممحمود بين هؤلاء الذين يفقدون أعينهم لكن مهمته كانت حمل المصابين للمستشفى الميداني, يحمل أحدهم ويجري به نحو المستشفى ليتلقى الإسعاف, ثم يذهب ويحضر آخر وآخر, ظل ثلاثة أيام يفعل هكذا, لم يرتح ساعة واحدة لأنه شعر أنه لو تأخر دقيقة سوف يكون مقصر في حق هؤلاء الأبطال.. لكن عينيه ذرفت دما بدل الدموع عندما رأى مذيعة نشرة الأخبار تعلق على صورته في أحد المشاهد وتقول أنظروا إلى ثيابه البالية هذا ليس ثائرا بل بلطجي.

وفي يوما ما, بينما هو في التحرير في الصباح يستنشق هواء الحرية الذي لم يعد قادرا أن يستنشقه في أي مكان آخر, رأى جنود من الجيش يقتحمون الميدان من ناحية شارع القصر العيني, تجري أمامهم فتاة,تعثرت قدماها وسقطـت, فتجمع حولها الجنود ومزقوا ملابسها وركلها أحدهم بقدمه في صدرها, فاستشاط غضبه واندفع نحوها بكل قوة وعزم أن ينقذها من أنيابهم مهما كلفه الأمر, فرفع أحد الجنود نحوه سلاحه وأطلق رصاصة نحو صدره, سمع دويها, وفي لمح البصر, تلاقت عيناه مع عيني ذلك الجندي .. نعم! إنه هو! هو, لن ينساه أبدا ..هو ذلك الجندي الذي إلتقط معه الصورة التذكارية فوق الدبابة منذ عشرة أشهر, ورفع معه شارة النصر وهتف معه الجيش والشعب إيد واحدة ...

مرت حياته كلها أمام عينيه كشريط, تذكر ضحكة أبيه الحانية الذي توفاه الله وهو في التاسعة من عمره,تذكر حضن أمه الدافيء ودعواتها له بالنجاح وطول العمر عندما حصل على الشهادة الثانوية, تذكر زهرة اخته الصغيرة وهي تطلب منه الحلوى وهو عائد للبيت في المساء, تذكر أصدقاءه وجيرانه وبيته ومدرسته وطفولته بأدق تفاصيلها, تذكر كل شيء كل شيء, وفي لحظة اختارها القدر بعناية نفذت رصاصة الغدر في وسط قلبه وخرجت من ظهره تحمل معها أمانيه وأحلامه إلى المجهول.

وبقي جثمانه لعدة أيام في مشرحة زينهم لم يتعرف عليه أحد لكنه رسم على وجهه إبتسامه هادئه تريح كل من ينظر إليه وتخبره أن النصر قادمٌ قادمٌ لا محالة.


إن قرأت تلك السطور تذكر كل من قدم حياته لم يحسبها ثمينة لكي نعيش نحن حياة كريمة, واغمض عينيك لثوانٍ وأدعو من قلبك لكل شهيد بالرحمة ولأهله بالعزاء.



الأحد، 3 أبريل 2011

نهلك جميعا أو نحيا جميعا

طاف رجال في جنبات المعبد القديم محذرين سكانه أن الوضع بات خطيرا, تشققت الجدران السميكة, هوت أعمدة الارتكاز. اندفعت الجماهير مكسّرة المتاريس النحاسية, متجاوزة الأبواب العالية التي لم يروا ما خلفها قط إلا في روايات أجدادهم. ازداد سقوط الأحجار كثافة في إشارة إلى قرب النهاية. أحجار تهوي على الرؤوس تصيب من تصيب و تصرع من تصرع. لم يعد هناك وقتا للجدل للعقيم. دويُّ شديد صمًّ الآذان حدث حين ترنّح العمود العظيم الذي في الوسط سقط بعدها سقف المعبد العجوز.. حمدا لله,  قد نجا الجميع اللهم إلا من فضّل البقاء في المعبد متعبدا لأصنامه, سقطت عليهم الأحجار العتيقة, سحقت عظامهم سحقا.

تراطمت المشاعر و تباينت, فرح و حزن, غناء و بكاء, كان البعض سعيدا, ولم لا؟ فقد تنفسوا هواء الحرية لأول مرة, و البعض تعيسا لما فقدوه من ممتلكات و ثروات, و آخرين نجوا بأجسادهم أما أرواحهم فكانت مدفونة هناك تحت الأنقاض.

خرج أهل المدينة "جريء" و "لبيب" و "لئيم" و "خائر" و "حائر" يسيرون في طريق لا يعلمون ملامحه لكنهم يعلمون غايته. مال النهار و سدل الليل أستاره. وضع حائر رأسه على حجر ليغفو قليلا بعد يوم شاق و تأمل النجوم المتلألئة في السماء, شعر بارتياح لكن عندما آلمه ظهره تذكر سريره الناعم الذي تركه و تمنى لو كان مستلقيا عليه. آنذاك كان جريء ممسكا بالشعله ليضيء المكان و لبيب كان يدرس الموقع الذي استقروا فيه حتى يحدد الطريق الذي سوف يسلكونه غدا. أما خائر فقد دخل الخيمة منهوك القوى و قضى هناك ليلته تحت الغطاء.

و مع أول شعاع للصباح أتى لئيم و في يده جوال, استقبله جريء و سأله: أين كنت طوال الليل و لماذا لم تبت معنا؟ فأجابه لئيم بفظاظة "ليس شأنك" و صدمه بجسمه الضخم و تجاوزه. كان اليوم الثاني أصعب من الأول. الشمس حاره و الأرض جافة و الطريق مازال طويلا. وقع خائر على الرمال من شدة الإعياء و العطش, شعر أنه على حافة الموت, قال بصوت ضعيف متقطع :
- ألم أخبركم أن الموت هو مصيرنا؟ يا ليتنا متنا في المعبد على الأقل وجدنا من يعتني بجثثنا.
 أثر كلامه على حائر تأثير سم الحية وأحس بقشعريرة اليأس تدب في كل جسمه.
- خاطب لبيب لئيم قائلا: هلا حملت خائر صديقنا؟ فهو لا يقوى على السير و أنت قوي البنيان. فاعتذر لئيم بأنه مشغول بأعمال أخرى أكثر أهمية.
- قال لبيب: حسنا حسنا سوف أحمله انا, لا ينبغى أن نترك خائر ههنا وحيدا و نسير نحن.
- فتتدخل جريء مقاطعا و قد تلاقت عيناه مع لئيم: لا يا لبيب أنت رجل شيخ, أنا سوف أحمل خائر على كتفي حتى يسترد عافيته.

توارت الشمس خلف الجبال و استردت آخر شعاع لها. كانت الليلة مقمرة لكن الضباب كان كثيفا. ومع حلول الظلام اختفى لئيم كعادته. صمتت كل الأصوات إلا حفيف الأشجار و فحيح الحيات.
- ما هذا الصوت ما هذا الصوت؟!! تسائل حائر
- أجاب لبيب بصوت متزن "هو عواء الذئاب"

لم يلبث خائر أن سمع تلك الكلمات حتى صار كالمجنون, ألقى بنفسه على أرض و أخذ يذري الرمال على رأسه "قد هلكنا قد هلكنا لا محالة لم يعد لدينا طعام و الخيام أخذتها الرياح و الوحوش الجائعة حولنا تنتظر الانقضاض.. آااه أين المعبد أين المعبد القديم, أسواره كانت تحمينا من الذئاب, كنت أجد كل يوم طعامي, قد أهلكتموني, نعم أنت يا لبيب اهلكتنا بغبائك و أنت يا جريء اهلكتنا برعونتك لقد انتهينا و متنا شر ميتة"
تركه لبيب حتى هدأ و كف عويله ثم بدأ يشرح له كيف وجب عليهم الخروج من ذلك المعبد البغيض و أكد له أنه وفقا للحسابات ما هي إلا أيام قليلة حتى يصلوا إلى الأرض التي خرجوا يطلبونها, أما جريء فقد قضى ليله كله يحرس رفقائه من وحوش البرية وطيور الظلام.

عاد لئيم في اليوم التالي و كان جواله مليئا عن آخره تلك المرة. سأله أصدقاءه, "أين كنت طوال الليل" ؟
- كنت أجمع بعض المقتنيات التي قد نحتاجها لاحقا.
- قال لبيب: جوالك مليء الذهب و الجواهر, أليس كذلك؟
- صر لئيم على أسنانه و قال نعم معي ذهب.
- خاطبه لبيب معنفا: كيف تتركنا طول الليل و نحن كدنا نموت أمس جراء الذئاب والوحوش؟ أنت متمرس في شؤون البرية و الجبال كان أجدر بك أن تتعاون معنا بدلا من جمع المجوهرات.
- أجاب لئيم في مكر: هل تظنوني أجمع الذهب لنفسي؟!! لا لا قد أخطأتوا الظن بي. ثم رسم ضحكة خبيثة على شفتيه و لمعت عينيه و قال:  أنا أجمع النقود لخيرنا جميعا, هي نقودنا كلنا.
ثم تركهم و ذهب.

ساروا هم الخمسة في اليوم التالي و قد خيم عليهم الصمت. تعرقل حائر في جزع شجرة و سقط على وجهه. أضائت الرعود السماء و صوت البروق المرعب ملأ الآذان. ظهرت الأشباح و تراقصت أمام أعينهم . ها هو وجه الشيطان القبيح يبدو مبتهجا وسط الأمطار الغزيرة. زلزال عنيف ضرب الأرض تحت أقدامهم و شقها نصفين. شريط ماء يحول بينهم و بين غايتهم. اتسع الشريط و اتسع حتى صار نهر, عبوره يبدو مستحيلا... "لا لا ليس مستحيلا" هكذا صرخ جريء, "ها هو زورق صغير هناك أرسلته العناية الإلهية لنجدتنا" أنطلقوا جيمعا نحوه, سبقهم لئيم و ألقى جواله الثقيل داخل الزورق أولا ثم قفز هو, تبعه جريء ثم لبيب فحائر و لما وضع خائر قدمه داخل الزورق بدأت المياه تتسلل إلى داخله, سحبها ثم حاول ثانية لكن لا جدوى. نظر جميعهم إلى لئيم و إلى جواله. فصاح فيهم غاضبا: "ما بالكم تنظرون إلى جوالي؟! لا لن ألقيه أبدا"
- "الزورق صغيرا لا يحملنا نحن و جوالك لابد أن تلقه في الماء" قال لبيب.
- لا. لن يحدث. خائر هو من سيُغرق الزورق هو من لابد أن يلقى في الماء.
استشاط جريء حنقا من أنانية لئيم و قفز فوقه و تلاكم الاثنان و تصارعا. فوقف لبيب على رأس الزورق و صاح فيهم "يكفــــــــــــــي". ألتفتت كل الأنظار نحوه ففتح فاه و قال لهم: " قد كنا جميعا رهن الموت داخل المعبد القديم و قد نجونا بأعجوبة والآن, إما أن نهلك جميعا أو نحيا جميعا" .