‏إظهار الرسائل ذات التسميات إخوان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إخوان. إظهار كافة الرسائل

السبت، 21 يناير 2012

التابوات البشرية .. وصراع العقل والضمير




لست أكذب إن ادعيت أني قرأت كل ما كتب قداسة البابا شنودة من كتب ومقالات, ولا أبالغ إن قلت أني من القلائل الذين يحفظون قصائده جميعها عن ظهر قلب, ولم أزل أكنّ له الحب والاحترام, لكــــن وبصراحة, لم يعجبني ما حدث في قداس عيد الميلاد في الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالعباسية.


لست أود الآن التعرُض لفعل البابا شنودة في قداس العيد, من استقبال أعضاء المجلس العسكري وشكرهم  بالرغم من رفضي لهذا شكلا وموضوعا, وإنما لردة الفعل على هذا الحدث, خاصة من أولئك الذين أخذوا على عاتقهم الدفاع عنه.

ففي الأيام التي تلت العيد مباشرة, خضتُ العشرات من النقاشات مع أقارب وأصدقاء بل وأناس لا أعرفهم حول ما حدث, انتهي بعضها نهاية طيبة وأكثرها بخلاف أو بعراك لفظي أو بأحد الاتهامات المغلـّـفة سلفا ومجهزة لكل من يحاول الدخول أحد المناطق المحرمة .. لكن هذا أيضا ليس ما أثار دهشتي.

الملفت للانتباه في الموضوع, والذي لم أحب أن يمر عليّ او على غيري مرور الكرام, هو أن أحدا من المدافعين عن البابا لم يجد أن المجلس العسكري بأعضاءه يستحق الشكر والثناء الذي نالوه. إنما جميعهم (المدافعون), وبدون استثناء, يقرّون أن المجلس مجرم أو على أقل التقدريات مذنب ولا يستحق الشكر. لكن بالرغم من هذا, أخذوا يسوقون الأعذار وينسجون التبريرات, تستخلص منها ,على حسب ما يدعون, أن البابا فعل ما وجب فعله, ولم يكن في الإمكان أفضل مما كان.

* * *

سؤالي هو, لماذا يدافع المرء عن شيء يعترف أنه خطأ ؟! وإلى أي مدى ممكن أن يمتد هذا السلوك؟

في رأيي, تلك الازدواجية في الموقف, ترجع إلى الاصطدام بـ"التابوات" البشرية الدينية.
تقريبا, كل مجتمع له تابواته, تحددها طبيعته وثقافته وظروفه, فمثلا في المجتمعات المتدينة (هكذا الحال عندنا) تكون التابوات دينية, أي مناطق معينة في العقائد لا يجوز الاقتراب منها.
وفي المجتمعات الاستبدادية, ذات الرأس الواحد (وهكذا الحال عندنا أيضا) تكون التابوات بشرية, تتجسد في شخص زعيم, قائد, ملهَم وملهِم, من حقك أن تنتقد أي شخص إلاه.
وإذا حدث مزج بين مجتمع متدين واستبدادي, حدث مزج أيضا بين تابواته, ونشيء نوع جديد وهو تابو القائد الديني, وهذا كان جليا, واضح أشد الوضوح في أوربا في العصور الوسطى, قبل عصر التنويرفهم كانوا آنذاك ينزهون بابا روما عن الخطأ عقائديا, أما نحن الآن فنفعلها ههنا عمليا.



وهذا الأمر جد خطير, وخطورته تكمن في الآتي:

أن الشخص الواقع تحت تاثير تابو من النوع الثالث, يستطيع بسهولة أن يقر نظريا أن رجل الدين أو القائد الديني يخطيء, لكن عمليا, لا يستطيع أبدا تسمية خطأ له, ومن هنا يفقد قدرته على الحكم حكما عادلا. وقد يتطور الوضع لما هو أسوأ من هذا.


لكن كيف يحدث هذا؟

تبدأ الرحلة عندما يستقبل العقل صورة من الواقع كي يصدر عليها حكما أو يبدي رأيا, فينقل العقل تلك الصورة بدوره للضمير ليعرف رأيه, يجيب الضمير أن تلك الصورة تحتوي على نفاق أو كذب أو غش أو أيا من تلك الذمائم التي يكرهها الضمير. يتلقي العقل حكم الضمير, لكن قبل أن يصدر حكمه النهائي يتأكد ان ذلك الحكم لا يتعارض مع أي من المحرمات المعروفة, لكنه يجد أن حكم الضمير يتضمن إدانة لأحد تابوات العقل .. وتكون تلك هي الصدمة الأولى, وبالطبع سوف يرفض العقل إصدار الحكم كما هو.

فيرسل للضمير مرة أخرى, ليتأكد من حيثيات الحكم, لكن بعد الفحص يجيب الضمير بنفس جوابه السابق. وهنا يكون أمام العقل اختياران, إما أن يصدر الحكم كما جاءه على أن يكون مستعد لتحمل تبعات حكمه النفسية و الاجتماعية والفكرية, وهو الاختيار الأصعب.أو يصدر حكما آخر مخالفا لما بعث به صوت الضمير بما يتماشى مع ما يحتوي العقل من تابوات.
فيتدخل العقل, بصفته السلطة التنفيذية الأعلى داخل الإنسان, ويعبث بالضمير, يصنع فيه ثقوبا تارة لكي يمرر حكما, فيُنقِص من قدرته على التمييز. ويغير من مغناطيسيته تارة أخرى, فيُضعِف من قدرته على التوجيه, وهكذا مرة بعد المرة حتى يصير الضمير مشوّه مهلهل ليس لديه قدرة أن يصدر حكما مخالفا لما يرتضيه العقل المُضَلـَـل.


والكارثة لا تتوقف عند هذا الحد مع ذلك الانسان الذي قتل –بالخطأ- ضميره, لكن حالته تزداد تدهورا بعد تدهورا, على النحو الآتي :

يستطيع العقل أن يصنع في الضمير ثقبا ويصدر حكمه الخاص, وقد يكون الحكم قريبا أو بعيدا عن المنطق, حسب القضية المطروحة. لكن حيث أن كل البشر خطائون, حتى تابوات العقل البشرية ,يكون على العقل عبء ثقيل لتبرير مواقف كثيرة بأدلة بعيدة كل البعد عن المنطق. وفي تلك الحالة يكون ذلك العقل فريسة سهلة لأي عقل آخر يتبى وجهة نظر مخالفة. لأنه يستطيع أن يدحض حججه الواهية ويجرده عاريا أمام نفسه .. وهنا يكون أمام العقل المنكوب اختياران:
إما أن يعترف بخطأه, وذلك بالطبع الاختيار الاصعب. إما أن يتعصب لرأيه, أي أن يتمسك به دون سبب مقنع, و يصل لمرحلة نطلق عليها بالعامية "هي كده" أو بالفصحى "لا تجادل ولا تناقش".

وإذا توافرت القوة وظروف أخرى معينة, قد يتحول التعصب إلى إرهاب, أي فرض رأيك على الآخرين وترهيب من يخالفه دون محاولة اللجوء لأي أدلة منطقية تدعم بها رأيك.

* * * 

وسائل دفاع البعض عما حدث في قداس عيد الميلاد هو ما دفعني لأقرأ وأفكر وأكتب عن الموضوع, لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أني اقتصر حديثي على مسيحي مصر, بل المصريين عموما, مسلميها ومسيحييها وغيرهما, فلكل منا تابواته البشرية الدينية الكامنه في عقله. فأحدنا تابوه البابا شنودة, والآخر تابوه مكتب الإرشاد, والآخر تابوه الشيخ زيد أو عمرو.

تذكر أن الإرهاب وليد التعصب, والتعصب وليد عدم قدرة العقل على الاقناع, وذلك وليد لجوء العقل للا منطق لتبرير أحكامه, والذي بدوره وليد قتل الضمير الذي هو نتيجة عدم قدرة العقل على إدانة تابوه بشري, الذي وُجِدَ داخل العقل بسبب استبداد المجتمع.

فإلى أن نتخلص من استبداد المجتمع, لنعالج المشكلة من جذورها, لابد أن تجد طريقة ما لتكسر سلسلة الهلاك تلك.

نصيحة أخيرة: عندما تجد تابو كذب, لا داعي ان تقول فلان كذاب, بل قل ما قاله فلان كذب. و إذا نافق لا داعي أن تقول علان منافق بل قل ما قاله علان نفاق.

فالحكم على الأفعال أسهل كثيرا من الحكم على الأشخاص .. حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

الجمعة، 4 فبراير 2011

فوقوا بقى فوقوااااا .. خلينا نفكر بالعقل


تلك الكلمات وجهت إليّ و لغيري عشرات و عشرات المرات في الأيام القليلة الأخيرة. و أنا أشكر كل اصدقائي الذين قالوا لي ان أفيق و أن أفكر بالعقل, فعملا بنصيحتهم جلست محاولا أن أفكر بالعقل.... 

جلست لأتتبع الأحداث الجارية منذ بدايتها حتى يومنا هذا. الحكاية بدأت من شهور من ساعة ما سمعنا عن شاب اسكندراني اسمه خالد سعيد اتقتل على يد رجال شرطة و اتهمته الشرطة أو بعض وسائل الإعلام انه حشاش و رد سجون و أنه بلع لفافة بانجو و مات باسفكسيا الخنق, أنا عن نفسي صدمت لما شفت صورته قبل الحادثة و بعدها و قلت لنفسي زي ما قال كتير غيري أنه حتى لو كان حشاش و مجرم ما ينفعش اللي حصل فيه ده بأي حال من الأحوال و قررت ان اتعاطف معاه بأقل جهد ممكن عن طريق إني دوست "like"  على الصفحة بتاعته على الفيسبوك.

مر الحدث كما يمر أي حدث في حياتي. و بدأت الأحداث المختلفة تتوالى. سمعنا عن زوجة كاهن قيل إنها غيرت دينها, الله أعلم صح ولا غلط الموضوع ما يفرقش معايا لا كتير و لا قليل لكن ردود الفعل كانت غريبة, سمعت عن ناس خرجت في مظاهرات بتتهم الكنيسة بالخيانة و آخرين يتهمون الثائرين بالإرهاب و ناس بتتهم الدولة بالتواطؤ و عدم القدرة أو الرغبة في حل الأزمة. و توالت الأحداث. سمعت عن صدام بين مسيحيين في العمرانية و بين قوات الشرطة أدى لمقتل واحد أو اتنين و إصابة عشرات, و خرجت التحليلات البعض يتهم بناة الكنيسة بالخروج عن القانون و البعض يتهم الدولة بالإضطهاد و معاملة المسيحيين كمواطنين من الدرجة التانية . و توالت الأحداث. سمعت عن غلق بعض القنوات الفضائية و البعض أتهم الدولة بمحايلة المسيحيين و سمعت عن اعتقالات واسعة ما بين ناشطين سياسيين. سمعت و شفت انتخابات اتزورت كده عيني عينك منغير كسوف ولا اختشى رغم الوعود المسبقة بأمانتها و نزاهتها توقعت رد فعل صارم من جهة الدولة لكن مر الحدث كما مر ما قبله من أحداث... و توالت الأحداث. انفجار أمام كنيسة في الاسكندرية راح ضحيته عشرات, مندوب شرطة يطلق نار على مسافرين في قطر, مواطن يقتل على يد أمن الدولة عشان بيحققه معاه و توالت الأحداث و توالت و ليس وقتي ولا ذاكرتي يسمحان أن أذكرها جميعها ولا وقتك القاريء أيضا.

شفت دعوة على الانترنت بتقول اننا نخرج يوم الجمعة عشان نقول لأ للظلم. اتغيرت بعد كده و بقت يوم 25 يناير .. المهم . أنا اتحمست للدعوة لأني اشعر بظلم و أرثي لحال بلدي و ما وصلت له من تدهور فكري و ثقافي و اجتماعي و اقتصادي مؤخرا. قلت هشارك, رغم إني كنت خايف. و وجدت كثير من النقد سواء من أصحابي أو عيلتي بيقولولي "أنت عبيط؟" "انت عايز تترفد من الشغل؟" أو عبارات سخرية من نوعية "يالا يا عم الثورجي" أو ضغوط نفسية من هنا و من هناك تدعوني للتعقل و عدم الخروج لأن النتيجة غير معلومة.

و بالرغم من إني مش من هواة أخذ المخاطرة إلا إني قررت إني أشارك لأني كنت مقتنع بالفكرة تماما. كلمت أصحابي و اتقابلنا في مكان ما في وقت ما و قعدنا ندور على أي مظاهرة في أي حتة نمشي فيها شوية و خلاص. لكن بصراحة الموضوع كان شكله فكسان على آخر. مئات من جنود الأمن المركزي كانوا يملؤون الشوارع حيث ذهبنا و لم نجد أي أثر لأي مظاهرة تحدث أو ممكن أن تحدث. بدل ما اليوم يضيع على الفاضي قررنا نتمشى شوية في الشارع و نحكي, بعد شوية لقينا حسبة كده 30 أو 40 واحد ماسكين أعلام مصر و بيهتفوا. فرحت لما عرفت أن الخروجة و الترتيب اللي عملناه ما كانش آخرته شوية تم ساعات دول جاتني فيهم اتصالات كتيرة من البيت تدعوني إلى العودة فورا و اتصالات و رسايل كتير من أصحابي تدعونني للتعقل و ترك المظاهرات عشان الدنيا شكلها دخلت في جد.. تحت الضغوط متتالية قررت أخيرا أن أترك المظاهرات و أرجع. 

رجعت البيت و تابعت على التلفزيون, كان من الواضح إن جهاز الشرطة المصري العملاق وجد أن المظاهرات دي شوية لعب عيال هيلعبوا شوية و يمشوا لكن مع حلول ساعات الليل و تزايد عدد المتظاهرين في ميدان التحرير قررت الشرطة أنها تدي علقة سخنة لشوية العيال دول عشان ما يعملوش شقاوة تاني و فضتهم بالقوة. فوجئت تاني يوم في الشغل بسخرية من عدد من زمالائي في العمل يطلقون عليّ "عم الثورجي" رغم إني لا ثورجي ولا حاجة أنا بس نزلت الشارع مع الشباب عشان أقول لأ للظلم. المهم .

عدى يومين كمان و قررت أني أنزل يوم الجمعة. واحد صاحبي كلمني و قالي تعالى ننزل وافقت على الدعوة رغم الصعوبات و المضايقات الشديدة التي واجهتنا من عيلتي و بعض اصحابي, محذرين إياي بالعنف المتوقع من أجهزة الشرطة.. بصراحة .. أنا خفت بالذات بعد ما التليفونات اتقطعت و النت قطع عرفت إن العملية جد مش لعب عيال و ممكن تقلب بجد. و نزلت رغم دعوات أصحابي و أهلي بالتروي و "التفكير بالعقل" .. مش هحكي تفاصيل يوم الجمعة لكن يكفي أن يوم الجمعة شفت مصر جديدة ما شفتهاش قبل كده شفت ناس عمري ما تخيلت أنهم مصريين ناس بتساعد بعض و قلبها على بعض . شفت جهاز شرطة عنيف جدا عمري ما تخيلت أن ممكن الشرطة تعامل الناس بالقسوة دي. شفت ناس بتقع و تتعور و بتضرب. بنات و ستات بتصوت رجال يشعرون بالقهر و ما أدراك ما هو قهر الرجال لعدم قدرتهم أن يتجمعوا و يهتفوا هتافا واحدا يجمعهم. عدت مع صديقي إلى بيته في الليل و قد سمعت في الأخبار أن هناك عشرات من القتلى و مئات من المصابين في مواجهات اليوم. شكرت ربنا إني لسة صاحي لكن تألمت كثيرا عندما رأيت مصريين يقتلون مصريين.

أشتد اقتناعي بالفكرة و المبدأ فكيف يموت أبرياء عزل بأيدي "عبد المأمور" بينما من أمرهم يجلس هناك في مكتبه المكيف لعله يرتشف الشاي و يدلي بتصريحات تلفزيونية إنه تعامل بحزم مع مجموعة من الخارجين عن القانون و الخونة. 

يوم الجمعة انهارت قوى جهاز الشرطة المصري ليس منهكا من ملاحقة اللصوص لكن منهكا من قتل المواطنين المصريين و ضربهم و اعتقالهم. اعتقدت إن الدولة لا مفر أمامها من الاستماع للشعب لكني اكتشفت بعد ساعات إني كنت ساذج, فلقد خرجت عصابات تتعدي على البيوت و المحال التجارية تسرقها و تنهبها لترويع المصريين. لا أعلم أهم يتبعون جهاز الشرطة أم لا لكني اعلم أن الشرطة المصرية كان أحرى بها أن تلاحق هؤلاء المجرمين من أن تقتل المتظاهرين. لكني فرحت و تفائلت عندما وجدت شباب مصر أخذ على عاتقه حماية الممتلكات نظموا صفوفهم و وقفوا وقفة رجل واحد حتى شعرت بالأمان. أعتقدت أن الدولة لا مفر أمامها من الاستماع للشعب الغاضب, لكني للمرة الثانية أدركت مدى سذاجتي حين علمت بل رأيت التتار قادمون على ميدان التحرير راكبين الخيل و الجمال لا يلتفت راكبوها من يدهسون أو من يضربون يمنة و يسرة, لا أعلم أهم يتبعون جهاز الشرطة أم لا لكني أعلم أن دور الشرطة هو حماية المتظاهرين و ليس قتل المواطنين.

كنت أريد أن أرى بلادي حديثة تعبر بخطى واثقة نحو المستقبل لكن .. هم لا يريدون  أن يرجعوها فقط لما قبل 25 يناير بل لما قبل 1900 بقطع وسائل الاتصال بل لما قبل 1200 حين كانوا يتقاتلون بالخيل و الجمل.

فرحت بشجاعة المصريين و كنت فخور بهم جدا فهم استطاعوا أن يصمدوا ضد الشرطة يوم الجمعة و ضد عصابات البلطجية و ضد مهاجمين القرون البائدة الذين هاجموهم كالتتار. أدركت حينها كم هذا الشعب عظيم هذا الشعب يستحق حقا الحرية يستحق الكرامة يستحق أن تنحني له احتراما كل شعوب الأرض.و اعتقدت حينها أن الدولة لم يعد أمامها مفر من أن الاستماع للشعب لكني اكتشف مدى سذاجتي للمرة الثالثة, فلقد انتشرت دعوات المندسين و دعوات تجنب الفتنة و دعوات الرجوع بعيدا عن الخراب و للآسف كانت تلك الدعاوي هي الأكثر انحطاطا على الإطلاق, فقد انقسم المصريون, قاتلوا بعضهم بعضا, و قتلوا بعضهم بعضا, اتهم بعضهم الآخر بالخيانة و الآخر بدوره اتهمهم بالجبن.

انتشرت على الفيسبوك دعوات هي غريبة من نوعها فوجدت العشرات من أصدقائي (و عشرات الآلاف من المستخدمين) يؤكدون أنهم لن ينزلوا يوم الجمعة القادم تجنبا للفتنة – قال يعني هم كانوا نزلوا قبل كده - . و وجدت البعض الآخر يصف المصريين المتظاهرين بأحط الألفاظ بل لا يجد حرجا أن يدعوهم بأسماء بعض الحيوانات و الماشية متمنيا موتهم جميعا حتى يرتاح.  و البعض أخد يتهم مدير صفحة ما أنه عميل جاء لتخريب البلاد متدللا بخمس أو ست أدله يبلغوا من التفاهة أن أي طفل يستطيع أن يفندها بقليل من الحيادية و اليسير من المعرفة, متناسيا – أو غير عارفا – دور ذلك الرجل في إيقاظ المصريين من سباتهم العميق. و وجدت البعض بيشير فيديو للمظاهرات فيه صورة بنت حلوة شعرها أصفر شكلها اوروبية و بيقول بمنتهى الثقة "فوقواااااااا شوفوا مين بيحرك المصريين" متجاهلا عشرات الآلاف من المصريين المتظاهرين مدعيا إن تلك "الخواجية" الحلوة هي من تحركهم دون أي دليل.
هذا و ناهيك عن الذعر الذي ينتاب البعض كلما رأي في المظاهرات رجل ملتحي و كأن اللحية أصبحت تهمة متفكرا أن هذا الملتحي
يتربص به لقتله إذا ما خرج من بيته.

و كثرت الدعوات التي اعتدناها منذ عشرات السنين عن "اليد الخفية" و "الدول الأجنبية" و "الأجندات الخاصة" التي هي سبب في كل ما أصابنا من بلاء منذ تأسيس العالم حتى يومنا هذا. عجبت من كيفية تحليل الأمور التي قام بها البعض سواء عن قصد أو بغير قصد مؤكدين وجود تلك الأجندات الأجنبية عن طريق ما قاله أحد رؤساء الدول الأجنبية .. كم هذا مضحك حقا !! ماذا تعتقدون؟ هل تنتظرون رئيس إيران يصرح و يقول حيّ الله رجال مصر الأوفياء فهم سيبنون دولة حديثة؟!! هل تتوقعون أن يقول الرئيس مبارك أخشى أن أترك البلاد فتتقدم في غضون سنين قليلة؟ هل تتوقعون أن يخرج رئيس الوزراء ليقول مصر سيعمها السلام إذا تغير النظام؟ أثارت أيضا دهشتي دعوات من أمثال "من يحاول ركوب الموجة" و "من يريد جني الثمار" هذا الأمر عجيب حقا أبعد أن كبرت الشجرة و ترعرعت و روتها دماء اخوتنا و أعطت ثمارا نضرب جذورها بالفأس خشية أن يأتي آخر و يقطف ثمارها !! عجيب.

 هذا كله فضلا عن انتشار الدعوات من أمثال "لا للبرادعي" و "لا للإخوان" و "لا لعمر موسى" و لا لغيرهم و لغيرهم فبقينا بالبلدي بنقصقص ريشنا و انقسمنا على ذواتنا  و أرعبونا من المستقبل و سرقوا منا لذة فرحتنا و أصبحنا أعداء أنفسنا و حولوا نصرنا إلى هزيمة و سعادتنا إلى قلق بدل من أن نخرج لنحتفل مع الفرحين أصبحنا نجلس خلف شاشات الكمبيوتر نتهم هؤلاء بالغباء تارة و الخيانة تارة أخرى. أليس من حقنا أن نفرح بما حققناه من أنجاز؟ أليس من حقنا أن نقطف أثمارا من الشجرة التي روتها دماءنا ؟؟ اليس من حقنا أن نحتفل بعمل أنجزناه قلما حققه شعب في تاريخ الشعوب؟  أرجو هذا