الجمعة، 25 مارس 2011

خطوط حمراء


عندما أتيت حديثا لقاهرة المعز و دخلت محطة مترو الأنفاق لأول مرة, وقفت متسمرا للحظات و أنا أسير على رصيف المحطة لمّا وجدتني على وشك تخطي خط أحمر, سألت نفسي هل كنت على حافة ارتكاب إثما؟ هل كنت سأعبر إلى منطقة محرّمة؟ لم أعرف الإجابة لكني رأيت الناس يطأونه بأقدامهم كأنهم يتعمدون إهانته و أخرين يعبرون من فوقه كأنه شيئا لا يكون. استجمعت شجاعتي بسرعة , وعبرت, بين حيطة و حذر, هه كان الأمر سهلا ليس بالصعوبة التي ظننتها منذ ثواني.

كان هذا الخط الأحمر الأول الذي لفت انتباهي ولم يكن الأخير, فمنذ أن تنبهت و أنا أرى من حولي خطوط حمراء كثيرة أينما سرت و حيثما حللت. خطوط حمراء كثيرة على اختلاف أشكالها و ألوانها (نعم أقصد ألوانها) في كل مكان و في كل موضوع, أحيانا لا أعلم من وضعها ولماذا وُضِعت و هل فعلا حققت الغرض من وجودها فهي تكون مستفزة في بعض الأوقات.

خرجتُ من المترو وصعدت إلى ميدان رمسيس, أخذني أول ما أخذني اتساع الميدان ثم ما لبثت أن وجدت نفسي داخل قفص!, تتبعت بعيني مسار السور الحديدي على طوله لأجد مخرجا, ها هو مخرج هناك, بدأت السير ناحيته متبعا ما ظننته تعليمات النظام العام رغم أن المخرج كان بعيدا و عكس الاتجاه الذي كنت أريد السير فيه, تعجبت لما وجدت قليلين هم الذين يتوجهون إلى المخرج المسموح فالأكثرية لا تتردد أن تقفز فوق السور إذا كانوا شبابا أو الانحناء والعبور من أسفله إن كانوا شيوخا. و لما خرجت أدركت أني لم أكن في القفص الوحيد فالميدان مملوء بالأقفاص الحديدية هنا و هناك فيما ذكرني بحديقة الحيوان.


و الخطوط الحمراء ليست فقط طبيعية أو فيزيقية لكنها أيضا معنوية و نحن على مدار عقود كان يُسمح لنا أن ننتقض النظام الفاسد لكن في حدود أما الاقتراب من رؤوسه فكان خط أحمر. وفي الآونة الأخيرة تردد على مسامعي و عرفت خطوط حمراء جديدة لم أكن أعرفها من قبل. ففي المشكلة المشهورة بين أنبا بيشوي ودكتور سليم العوا قال من قال أن الخطوط الحمراء قد تم تجاوزها. وفي الاستفتاء الأخير والحديث عن التعديلات الدستورية وإعلان دستوري جديد قال بعضهم أن المادة الثانية خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه. و عندما كنت أحوار صديقا متبادلين وجهات النظر المختلفة حول كيفية النهوض بمصر في المرحلة المقبلة و لمّا فتُحت أبواب النقاش و اتسمت الآراء بالصراحة و الوضوح استوقفنا الحديث الشيق لأننا قد تجاوزنا الخط الأحمر.

مازلت أتسائل, مَن وضع الخطوط الحمراء ولماذا وضعها وهل وجودها حقق الغرض المرجو؟ أنا أعلم أن كل ممنوع مرغوب, و الإنسان بطبعه توّاق لمعرفة المجهول. و إذا كثرت الخطوط الحمراء أمام الطَمُوح سوف يتحول لواحد من اثنين إما يذعن خوفا من بطش الحاكم و تُسلب إرادته و يصير مُصيَّر إما أن يتخطّاها و حينئذ يكون خارج عن العُرف مكسِّرا للتقاليد و المُسَلَّمات. والأم إذا اعتقدت ان طفلها ضعيف الإدراك ومنعت عنه الكبريت فسوف يقتنص فرصة خروج أمه من البيت ليفتش عن الكبريت وقد تحدث كارثه و الأب إذا منع ابنه الشاب من عمل معين وضيّق عليه الخناق فالابن لن يتردد أن يفعل ما يحلو له في غفلة من أبيه.


أرى أن سياسة المنع و الخطوط الحمراء لم تعد هي الحل الأمثل مع التعامل مع مشاكلنا في ظل التغيرات التي لحقت بمجتمعنا و العالم أجمع. و إن كنّا سنتحاور فقط في مناطق الاتفاق فأي ثمرة سوف نجني؟ وإن رفضنا أن نختلف مع بعضنا البعض فكيف سنتعلم الاختلاف؟

عرفت مؤخرا أن الخط الأحمر الذي تجاوزته في محطة المترو منذ أكثر من عامين كان حدا فاصلا بين عربات السيدات و العربات الأخرى, هما خطين ليس خطا واحدا, حدا من هنا وآخر من هناك و عربات السيدات في الوسط (لاحظ عدم وجود الخطوط الحمراء في محطات خط المترو القديم). هلّا يجيبني أحدكم؟ هل ما نراه من حالات تحرش جماعية في الحدائق العامة  أيام الأعياد بصورة دورية له علاقة بالخطوط الحمراء في محطة المترو حيث غابت الخطوط الحمراء في تلك الحدائق؟ هل الموانع الحديدية "الحيوانية"  في ميدان رمسيس وضِعَت لأن الناس صاروا همجا؟ أم الناس صاروا همجا لما رأوا تلك الأقفاص الحديدية؟ أم كلاهما ليس صحيحا و هذا خطأ من وضعها؟ بكلمات آخرى, هل الخطوط الحمراء سبب أم نتيجة؟

الجمعة، 18 مارس 2011

دليلك لصوتك . كلام من الآخر


ها هتصوت بنعم ولا لأ؟   نعم؟   طب ليه؟  ايه بتقول لأ؟   طب لأ ليه؟

بص أنا بصراحة احترت زيك بالظبط, في الأول قلت هصوت نعم لقيت ناس لأ بيقولولي ده ترقيع في الدستور و التفاف على الثورة و خيانة لدم الشهدا و عايزيين نبدأ صح و بيني و بينك معاهم حق. خلاص أنا هقول لأ. لقيت الناس بتوع نعم بيقولولي لأ هتودينا لفوضى و نعم هي أقصر طريق للاستقرار و الأمن و كمان عشان الجيش يروح بيته, وماخبيش عليك أنا حاسس برضه ان معاهم حق.

أووووفـــــــــــفف حاجة بجد تحير أنا خلاص بشد في شعري, كان مالنا احنا و مال حرية الرأي و الديمقراطية و الكلام المجعلص ده!. المهم دلوقتي ده أمر واقع و أنا لازم أقول رأيي عشان ما ابقاش سلبي, وعشان أنا عارف انك محتار زيي تمام قررت اني اساعدك و عايزك انت كمان تساعدني عشان نعرف المفروض نقول نعم ولا لأ ربنا يعدي اليوم ده على خير.

هما يدوبك 12 سؤال هتجاوبهم و قبل ما توصل لآخرهم هتكون عرفت المفروض تقول ايه, وإذا كنت فعلا قررت بس لسة محتار شوية برضة جاوب على الأسئلة و هتتأكد إذا كان قرارك صح ولا غلط و إذا كنت قررت و متأكد و مش محتار يبقى نفض للأسئلة و دوس "باك" و ماتضيعش وقتك.

دليلك لصوتك:

1)          هل أنت من المنتمين أو المنتفعين من الحزب الوطني؟
نعم :      صوت بـنعم
لا:         انتقل للسؤال التالي

2)          هل أنت إخوانجي؟ يعني من الأخوان المسلمين؟
نعم:       صوت بـنعم
لا:         انتقل للسؤال التالي

3)          هل أنت مسيحي؟
نعم:       صوت بـلا
لا:         انتقل للسؤال التاني

4)          هل تحسب نفسك سلفيا أو من المتعاطفين مع الجماعات الإسلامية؟
نعم:       صوت بـنعم
لا:         انتقل للسؤال التالي

5)          هل كنت من المعارضين للثورة أو تمنيت ولو للحظة أن تنزل نار من السماء و تبتلع شباب التحرير؟
نعم:       صوت بـنعم
لا:         انتقل للسؤال التالي

6)          هل أنت من المعجبين بالبرادعي و سوف تعطيه صوتك في الانتخابات القادمة؟
نعم:       صوت بـلا
لا:         انتقل للسؤال التالي

7)          هل ترى الدولة المدنية تتعارض مع الدين؟
نعم:       صوت بـنعم
لا:         انتقل للسؤال التالي

8)          هل قلت يوما ما من قلبك " أنا آسف يا ريس " ؟
نعم:       صوت بـنعم
لا:         انتقل للسؤال التالي

9)          هل تمنيت أن يبقى الفريق أحمد شفيق ليدير البلاد في المرحلة الانتقالية؟
نعم:       صوت بـنعم
لا:         انتقل للسؤال التالي

10)          هل تقر بضرورة تدخل رجال الدين في الحياة السياسية؟
نعم:       صوت بـنعم
لا:         انتقل للسؤال التالي

11)          هل تعارض أن يصير قبطيا أو امرأة رئيسا للجمهورية؟
نعم:       صوت بـنعم
لا:         انتقل للسؤال التالي

12)          هل كل اجاباتك السابقة كانت لا؟
نعم:       صوت بـلا
لا:         مش ممكن!


يا جماعة أنا عارف ان الكلام دمه تقيل بس للأسف شايف ان ده الواقع. ياريت لو سمحت بلييز يعني من فضلك لو كانت نتيجة اجابتك عن الأسئلة عكس نيتك في التصويت تقولي عشان احس ان انا غلطان.

و الله الموفق و المستعان

الأحد، 13 مارس 2011

المادة الثانية ما بين "تتشال" و "تتساب"


عزيزي المقاتل \ عزيزتي المقاتلة: -
تحية طيبة و بعد, لعلنا جميعا نتابع التطورات السريعة الحادثة على الساحة السياسية المصرية و ما يترتب عليها من مستقبل أمّة بات للأيام الحاضرة القول الفصل فيها. حيث وَجَبَ علينا أن نكون على دراية و وعي قومي بالأحداث الجارية ليكون لنا دور مؤثر في تحديد مستقبل أوطاننا.

و قد نتفق أو نختلف أن الاستفتاء المقرر تنظيمه  يوم السبت 19 مارس 2011 حول التعديلات الدستورية المقترحة سوف يكون له  الدور الأهم في رسم ملامح الفترة الانتقالية في الصفحات الأكثر حسما من كتاب تاريخ مصر المعاصر. و من متابعتي للمشهد السياسي الراهن و مواقف القوى الوطنية المختلفة من هذه التغييرات أرى أن احتمال رفضها أكثر واقعية من قبولها حيث أن الأغلبية أجمعت على رفضها  - بحجة أنه لا جدوى من ترقيع ثوب بالٍ - باستثناء جماعة الإخوان المسلمين التي ترى أن قبول التعديلات هو الخروج الآمن من عنق الزجاجة .

و في حالة رفض التعديلات (بافتراض إجراء الاستفتاء في ميعاده المحدد و بافتراض نزاهنته ان شاء الله) سوف يكون الوضع أكثر تأزما لأننا سنكون بصدد كتابة دستور جديد للبلاد و هو ما يضعنا أمام تلك المشكلة المتأصلة الضاربة بجذورها في أرضنا منذ آلاف السنين و السؤال الذي كثيرا ما أرقنا : المادة التانية تتشال ولا تتساب؟؟


تتشال ولا تتساب؟؟ : -
إنها الحرب يا صديقي. نعم هي الحرب. و لكي تنتصر في غمار معركة ضروس عليك أن تعرف أولا في أي جانب سوف تحارب و ما هو سلاحك و ما هي استراتيجيات و خطط المعركة. و هو ما سوف أحاول مناقشته في الفقرات التالية.

السؤال الأول: في أي جيش سوف تحارب؟
الخوف كل الخوف أن توجه سلاحك ضد حليفك أو أن تصادق عدوك و من هنا تكون إجابة السؤال الأول هي الأهم .. لا تقلق , فالاجابة بسيطة و في متناول أي طالب حتى اللي ما بيفهمش. 

ليس عليك – عزيزي المحارب- إلا أن تخرج حافظة نقودك من جيب البنطال الخلفي (أو البوك من شنطة اليد في حالة الفتيات) و أن تخرج منها بطاقة الرقم القومي ثم اقلبها و انظر في الوجه الخلفي فإن وجدت كلمة مسلم\مسلمة فقد تعين عليك أن تجاهد في جيش "تتساب" و إن وجدت مسيحي\مسيحية فقد شاءت الأقدار أن تناضل في جيش "تتشال" و إن وجدت كلمة آخرى .... لا  داعي, فلن تجد لأن قواعد المعركة تسمح بوجود جيشين فقط لا غير.

و إن لم تكن من هواة التفتيش و القراءة لا تتقلقل فهناك طريقة أكثر سهولة لمعرفة بين من عليك أن تحارب. فقط أنظر في معصم يدك اليمنى, فإن رأيت وشما ما عليها فانت حتما ستتبع تتشال و إن لم تجده فنصبيك تتساب. و إن كنتي فتاة فأنتي أوفر حظا لأن اجابة سؤالك أكثر متعة!, فقط قفي أمام المرآة و بعد أن تتأملي جمالك و رشاقتك إلقي نظرة سريعة على رأسك, إذا رأيت شعرك فلا سبيل أمامك إلا جماعة تتشال و إن رأيتي طرحة زاهية اللون و مزركشة فلا مناص من أن تنضمي لجبهة تتساب.

حسنا.. الآن صديقي المقاتل\صديقتي المقاتلة تعلم في أي جيش تحتم عليك أن تحارب و قد أجبت على السؤال الأول (هل رأيت كم كانت الإجابة سهلة !! ) و للننتقل الآن إلى السؤال الثاني.


السؤال الثاني: ما هو سلاحك و ما هي استراتيجية المعركة؟
سلاحك خفيف الحَمل. لن يؤلم ذراعك. سهل المراس. لا تحتاج فترة من التدريب كي تتقن استخدامه. شديد الفتك. يلحق بعدوك أشد الضرر .. و الأخبار السعيدة أنه لن يتعب ضميرك.

لن تحتاج يا صديقي في احلك الظروف لأكثر من الفيسبوك !. كل ما عليك هو أن تــ "لايك" صفحة نعم للإلغاء المادة الثانية من الدستور و أي مواد أخرى تضر بمفهوم المواطنة في حالة انضمامك لكتيبة تتشال أو تــلايك صفحة لا للمساس بالمادة الثانية من الدستور للحفاظ على هوية مصر الإسلامية إن كنت جندي في كتيبة تتساب, و في كلتا الحالتين عليك أن تضغط على زر "دعوة الأصدقاء" و تكتب "جافا سكريبت: سيليكت أوول()" حتى توقظ جميع الجنود الغافلين و تعبئهم للمعركة ولا غضاضة إن وصلت الدعوة لجندي من معسكر الأعداء, فغالبا هذا لن يحدث لأنك ستجد أغلب أصدقائك منتمين لنفس الجيش الذي تنتمي أنت إليه.

و إن كنت محارب مغوار لا تخشى الأقدار تعرف الأسرار فلا مانع أبدا أن "تشيــر" بعض مقاطع الفيديو لرجال دين يؤيدون مذهبك لأن هذا من دوره سوف يشدد عزائم أصدقائك من الجنود الذين قد تخور عزائمهم  أو يتعاطفون مع العدو أثناء المعركة.ـ
و إن كنت جندي لا يهاب الصعاب ولا يبالي بالعقاب فلا تتردد أن تلصق بعض الملصقات في الشوارع و الطرقات و أن تقود المظاهرات. لا تجعل أحدهم يعنفك أو يلومك ففي الحرب كل الوسائل مشروعة.



...... أعذروني يا أصدقائي على اللهجة الساخرة التي استخدمتها أعلاه, فما أراه من اخوتي , أبناء وطني قد أرهقني. لا يُحزنني رأي العوام من الجهلة أو غير المتعلمين فأنا أعزّي نفسي و أقول لعلهم لا يعلمون لعلهم لا يدركون إنما المصيبة الحقيقية هي أن أجد خيرة شباب مصر من حاملي الشهادات الجامعية ينتهجون هذا النهج متبنين هذا الأسلوب السطحي في الحوار الضعيف في آليات الإقناع.

آلمني أن تظن شابة مستنيرة أن مباديء دينها تحميه مادة في الدستور و ليس الله. آلمني أن ينادي رجل دين بالمواطنة و المساواة بين الجميع ثم يقترح اقتراح يلقي بالمساواة في سلة القمامة. آلمني أن أتلمس خوف صديق يظن أن هؤلاء المجتمعون في الجامع يضعون خطة لقتله. آلمني زميل حامل شهادة علمية عالية يعتقد أني أذهب للكنيسة لأصنع سحرا يفسد عليه حياته مع اقرانه. آلمني  أن أرى الجهل في عقول المصريين اصبح رأس المال الذي يستثمره البعض لتحقيق مآرب سما شأنها أو هبط.

و أنا أقرأ عن تاريخ مصر الحديث في المنتصف الأول من القرن الماضي و ما قبله ينتابني حزن شديد مما  كانت عليه مصر و ما
صارت. كلما استزيد عن الحياة السياسية و الاجتماعية و الثقافية إبان تلك الفترة يعتصر قلبي الكليم موجات من المشاعر المتضاربة  لما كانت عليه بلادي و ما آلت. و أود أن أصرخ بصوت عالٍ متسائلا ذلك السؤال الذي طالما سأله أدباء و مفكرون لاهثين خلف إجابة شافية: ماذا حدث للمصريين؟؟ ماذا حدث للمصريين؟؟

تتفق معي أيضا او تختلف, أنا أرى أن الستين عاما الماضية قد مضت بوطننا بسرعة فائقة نحو غياهب الظلمة و أصِبنا بالعرج الثقافي و الشلل الفكري و العمى المعرفي و بقينا أمام مخلوق مشوه يُدعى اسمه ........لا,  لن أقولها, حتى لساني يأبى أن ينطقها لكني أقول أنه حان الوقت للننتفض من سباتنا و نزيل غبار أزمنة غابرة حان الوقت لننهض و نركض لندرك ما فقدناه على مدار سنين طويلة.

عفوا .. لقد نسيت موضوعي, هي المادة التانية المفروض تتشال ولا تتساب؟

الجمعة، 4 فبراير 2011

فوقوا بقى فوقوااااا .. خلينا نفكر بالعقل


تلك الكلمات وجهت إليّ و لغيري عشرات و عشرات المرات في الأيام القليلة الأخيرة. و أنا أشكر كل اصدقائي الذين قالوا لي ان أفيق و أن أفكر بالعقل, فعملا بنصيحتهم جلست محاولا أن أفكر بالعقل.... 

جلست لأتتبع الأحداث الجارية منذ بدايتها حتى يومنا هذا. الحكاية بدأت من شهور من ساعة ما سمعنا عن شاب اسكندراني اسمه خالد سعيد اتقتل على يد رجال شرطة و اتهمته الشرطة أو بعض وسائل الإعلام انه حشاش و رد سجون و أنه بلع لفافة بانجو و مات باسفكسيا الخنق, أنا عن نفسي صدمت لما شفت صورته قبل الحادثة و بعدها و قلت لنفسي زي ما قال كتير غيري أنه حتى لو كان حشاش و مجرم ما ينفعش اللي حصل فيه ده بأي حال من الأحوال و قررت ان اتعاطف معاه بأقل جهد ممكن عن طريق إني دوست "like"  على الصفحة بتاعته على الفيسبوك.

مر الحدث كما يمر أي حدث في حياتي. و بدأت الأحداث المختلفة تتوالى. سمعنا عن زوجة كاهن قيل إنها غيرت دينها, الله أعلم صح ولا غلط الموضوع ما يفرقش معايا لا كتير و لا قليل لكن ردود الفعل كانت غريبة, سمعت عن ناس خرجت في مظاهرات بتتهم الكنيسة بالخيانة و آخرين يتهمون الثائرين بالإرهاب و ناس بتتهم الدولة بالتواطؤ و عدم القدرة أو الرغبة في حل الأزمة. و توالت الأحداث. سمعت عن صدام بين مسيحيين في العمرانية و بين قوات الشرطة أدى لمقتل واحد أو اتنين و إصابة عشرات, و خرجت التحليلات البعض يتهم بناة الكنيسة بالخروج عن القانون و البعض يتهم الدولة بالإضطهاد و معاملة المسيحيين كمواطنين من الدرجة التانية . و توالت الأحداث. سمعت عن غلق بعض القنوات الفضائية و البعض أتهم الدولة بمحايلة المسيحيين و سمعت عن اعتقالات واسعة ما بين ناشطين سياسيين. سمعت و شفت انتخابات اتزورت كده عيني عينك منغير كسوف ولا اختشى رغم الوعود المسبقة بأمانتها و نزاهتها توقعت رد فعل صارم من جهة الدولة لكن مر الحدث كما مر ما قبله من أحداث... و توالت الأحداث. انفجار أمام كنيسة في الاسكندرية راح ضحيته عشرات, مندوب شرطة يطلق نار على مسافرين في قطر, مواطن يقتل على يد أمن الدولة عشان بيحققه معاه و توالت الأحداث و توالت و ليس وقتي ولا ذاكرتي يسمحان أن أذكرها جميعها ولا وقتك القاريء أيضا.

شفت دعوة على الانترنت بتقول اننا نخرج يوم الجمعة عشان نقول لأ للظلم. اتغيرت بعد كده و بقت يوم 25 يناير .. المهم . أنا اتحمست للدعوة لأني اشعر بظلم و أرثي لحال بلدي و ما وصلت له من تدهور فكري و ثقافي و اجتماعي و اقتصادي مؤخرا. قلت هشارك, رغم إني كنت خايف. و وجدت كثير من النقد سواء من أصحابي أو عيلتي بيقولولي "أنت عبيط؟" "انت عايز تترفد من الشغل؟" أو عبارات سخرية من نوعية "يالا يا عم الثورجي" أو ضغوط نفسية من هنا و من هناك تدعوني للتعقل و عدم الخروج لأن النتيجة غير معلومة.

و بالرغم من إني مش من هواة أخذ المخاطرة إلا إني قررت إني أشارك لأني كنت مقتنع بالفكرة تماما. كلمت أصحابي و اتقابلنا في مكان ما في وقت ما و قعدنا ندور على أي مظاهرة في أي حتة نمشي فيها شوية و خلاص. لكن بصراحة الموضوع كان شكله فكسان على آخر. مئات من جنود الأمن المركزي كانوا يملؤون الشوارع حيث ذهبنا و لم نجد أي أثر لأي مظاهرة تحدث أو ممكن أن تحدث. بدل ما اليوم يضيع على الفاضي قررنا نتمشى شوية في الشارع و نحكي, بعد شوية لقينا حسبة كده 30 أو 40 واحد ماسكين أعلام مصر و بيهتفوا. فرحت لما عرفت أن الخروجة و الترتيب اللي عملناه ما كانش آخرته شوية تم ساعات دول جاتني فيهم اتصالات كتيرة من البيت تدعوني إلى العودة فورا و اتصالات و رسايل كتير من أصحابي تدعونني للتعقل و ترك المظاهرات عشان الدنيا شكلها دخلت في جد.. تحت الضغوط متتالية قررت أخيرا أن أترك المظاهرات و أرجع. 

رجعت البيت و تابعت على التلفزيون, كان من الواضح إن جهاز الشرطة المصري العملاق وجد أن المظاهرات دي شوية لعب عيال هيلعبوا شوية و يمشوا لكن مع حلول ساعات الليل و تزايد عدد المتظاهرين في ميدان التحرير قررت الشرطة أنها تدي علقة سخنة لشوية العيال دول عشان ما يعملوش شقاوة تاني و فضتهم بالقوة. فوجئت تاني يوم في الشغل بسخرية من عدد من زمالائي في العمل يطلقون عليّ "عم الثورجي" رغم إني لا ثورجي ولا حاجة أنا بس نزلت الشارع مع الشباب عشان أقول لأ للظلم. المهم .

عدى يومين كمان و قررت أني أنزل يوم الجمعة. واحد صاحبي كلمني و قالي تعالى ننزل وافقت على الدعوة رغم الصعوبات و المضايقات الشديدة التي واجهتنا من عيلتي و بعض اصحابي, محذرين إياي بالعنف المتوقع من أجهزة الشرطة.. بصراحة .. أنا خفت بالذات بعد ما التليفونات اتقطعت و النت قطع عرفت إن العملية جد مش لعب عيال و ممكن تقلب بجد. و نزلت رغم دعوات أصحابي و أهلي بالتروي و "التفكير بالعقل" .. مش هحكي تفاصيل يوم الجمعة لكن يكفي أن يوم الجمعة شفت مصر جديدة ما شفتهاش قبل كده شفت ناس عمري ما تخيلت أنهم مصريين ناس بتساعد بعض و قلبها على بعض . شفت جهاز شرطة عنيف جدا عمري ما تخيلت أن ممكن الشرطة تعامل الناس بالقسوة دي. شفت ناس بتقع و تتعور و بتضرب. بنات و ستات بتصوت رجال يشعرون بالقهر و ما أدراك ما هو قهر الرجال لعدم قدرتهم أن يتجمعوا و يهتفوا هتافا واحدا يجمعهم. عدت مع صديقي إلى بيته في الليل و قد سمعت في الأخبار أن هناك عشرات من القتلى و مئات من المصابين في مواجهات اليوم. شكرت ربنا إني لسة صاحي لكن تألمت كثيرا عندما رأيت مصريين يقتلون مصريين.

أشتد اقتناعي بالفكرة و المبدأ فكيف يموت أبرياء عزل بأيدي "عبد المأمور" بينما من أمرهم يجلس هناك في مكتبه المكيف لعله يرتشف الشاي و يدلي بتصريحات تلفزيونية إنه تعامل بحزم مع مجموعة من الخارجين عن القانون و الخونة. 

يوم الجمعة انهارت قوى جهاز الشرطة المصري ليس منهكا من ملاحقة اللصوص لكن منهكا من قتل المواطنين المصريين و ضربهم و اعتقالهم. اعتقدت إن الدولة لا مفر أمامها من الاستماع للشعب لكني اكتشفت بعد ساعات إني كنت ساذج, فلقد خرجت عصابات تتعدي على البيوت و المحال التجارية تسرقها و تنهبها لترويع المصريين. لا أعلم أهم يتبعون جهاز الشرطة أم لا لكني اعلم أن الشرطة المصرية كان أحرى بها أن تلاحق هؤلاء المجرمين من أن تقتل المتظاهرين. لكني فرحت و تفائلت عندما وجدت شباب مصر أخذ على عاتقه حماية الممتلكات نظموا صفوفهم و وقفوا وقفة رجل واحد حتى شعرت بالأمان. أعتقدت أن الدولة لا مفر أمامها من الاستماع للشعب الغاضب, لكني للمرة الثانية أدركت مدى سذاجتي حين علمت بل رأيت التتار قادمون على ميدان التحرير راكبين الخيل و الجمال لا يلتفت راكبوها من يدهسون أو من يضربون يمنة و يسرة, لا أعلم أهم يتبعون جهاز الشرطة أم لا لكني أعلم أن دور الشرطة هو حماية المتظاهرين و ليس قتل المواطنين.

كنت أريد أن أرى بلادي حديثة تعبر بخطى واثقة نحو المستقبل لكن .. هم لا يريدون  أن يرجعوها فقط لما قبل 25 يناير بل لما قبل 1900 بقطع وسائل الاتصال بل لما قبل 1200 حين كانوا يتقاتلون بالخيل و الجمل.

فرحت بشجاعة المصريين و كنت فخور بهم جدا فهم استطاعوا أن يصمدوا ضد الشرطة يوم الجمعة و ضد عصابات البلطجية و ضد مهاجمين القرون البائدة الذين هاجموهم كالتتار. أدركت حينها كم هذا الشعب عظيم هذا الشعب يستحق حقا الحرية يستحق الكرامة يستحق أن تنحني له احتراما كل شعوب الأرض.و اعتقدت حينها أن الدولة لم يعد أمامها مفر من أن الاستماع للشعب لكني اكتشف مدى سذاجتي للمرة الثالثة, فلقد انتشرت دعوات المندسين و دعوات تجنب الفتنة و دعوات الرجوع بعيدا عن الخراب و للآسف كانت تلك الدعاوي هي الأكثر انحطاطا على الإطلاق, فقد انقسم المصريون, قاتلوا بعضهم بعضا, و قتلوا بعضهم بعضا, اتهم بعضهم الآخر بالخيانة و الآخر بدوره اتهمهم بالجبن.

انتشرت على الفيسبوك دعوات هي غريبة من نوعها فوجدت العشرات من أصدقائي (و عشرات الآلاف من المستخدمين) يؤكدون أنهم لن ينزلوا يوم الجمعة القادم تجنبا للفتنة – قال يعني هم كانوا نزلوا قبل كده - . و وجدت البعض الآخر يصف المصريين المتظاهرين بأحط الألفاظ بل لا يجد حرجا أن يدعوهم بأسماء بعض الحيوانات و الماشية متمنيا موتهم جميعا حتى يرتاح.  و البعض أخد يتهم مدير صفحة ما أنه عميل جاء لتخريب البلاد متدللا بخمس أو ست أدله يبلغوا من التفاهة أن أي طفل يستطيع أن يفندها بقليل من الحيادية و اليسير من المعرفة, متناسيا – أو غير عارفا – دور ذلك الرجل في إيقاظ المصريين من سباتهم العميق. و وجدت البعض بيشير فيديو للمظاهرات فيه صورة بنت حلوة شعرها أصفر شكلها اوروبية و بيقول بمنتهى الثقة "فوقواااااااا شوفوا مين بيحرك المصريين" متجاهلا عشرات الآلاف من المصريين المتظاهرين مدعيا إن تلك "الخواجية" الحلوة هي من تحركهم دون أي دليل.
هذا و ناهيك عن الذعر الذي ينتاب البعض كلما رأي في المظاهرات رجل ملتحي و كأن اللحية أصبحت تهمة متفكرا أن هذا الملتحي
يتربص به لقتله إذا ما خرج من بيته.

و كثرت الدعوات التي اعتدناها منذ عشرات السنين عن "اليد الخفية" و "الدول الأجنبية" و "الأجندات الخاصة" التي هي سبب في كل ما أصابنا من بلاء منذ تأسيس العالم حتى يومنا هذا. عجبت من كيفية تحليل الأمور التي قام بها البعض سواء عن قصد أو بغير قصد مؤكدين وجود تلك الأجندات الأجنبية عن طريق ما قاله أحد رؤساء الدول الأجنبية .. كم هذا مضحك حقا !! ماذا تعتقدون؟ هل تنتظرون رئيس إيران يصرح و يقول حيّ الله رجال مصر الأوفياء فهم سيبنون دولة حديثة؟!! هل تتوقعون أن يقول الرئيس مبارك أخشى أن أترك البلاد فتتقدم في غضون سنين قليلة؟ هل تتوقعون أن يخرج رئيس الوزراء ليقول مصر سيعمها السلام إذا تغير النظام؟ أثارت أيضا دهشتي دعوات من أمثال "من يحاول ركوب الموجة" و "من يريد جني الثمار" هذا الأمر عجيب حقا أبعد أن كبرت الشجرة و ترعرعت و روتها دماء اخوتنا و أعطت ثمارا نضرب جذورها بالفأس خشية أن يأتي آخر و يقطف ثمارها !! عجيب.

 هذا كله فضلا عن انتشار الدعوات من أمثال "لا للبرادعي" و "لا للإخوان" و "لا لعمر موسى" و لا لغيرهم و لغيرهم فبقينا بالبلدي بنقصقص ريشنا و انقسمنا على ذواتنا  و أرعبونا من المستقبل و سرقوا منا لذة فرحتنا و أصبحنا أعداء أنفسنا و حولوا نصرنا إلى هزيمة و سعادتنا إلى قلق بدل من أن نخرج لنحتفل مع الفرحين أصبحنا نجلس خلف شاشات الكمبيوتر نتهم هؤلاء بالغباء تارة و الخيانة تارة أخرى. أليس من حقنا أن نفرح بما حققناه من أنجاز؟ أليس من حقنا أن نقطف أثمارا من الشجرة التي روتها دماءنا ؟؟ اليس من حقنا أن نحتفل بعمل أنجزناه قلما حققه شعب في تاريخ الشعوب؟  أرجو هذا


الاثنين، 17 يناير 2011

كان يسير وحيدا.. هادئا ..سعيدا ..


كان يسير وحيدا هادئا سعيدا في الطريق الذي اعتاده منذ نعومة أظافره. لا يملك طريقا غيره ففيه كان يسير. أيحرك هو قدماه؟ أم هما تحركانه؟ هو لا يهتم. و لماذا يهتم؟ فهو على أي حالٍ يسير. إلى أين هو ذاهب؟ لا يدري. فهو يذهب كما يذهب الطريق..

هكذا كانت حياته و هكذا مرت سنيه... لكن ...ذات يوم صاح: أين الطريق؟! أين ذهب طريقي؟! قد انتهى .. لا لا هو لم ينتهي . هو أصبح طريقين نعم طريقي أصبح اثنين. واحد يميل يمنة و الآخر يسرة . في أيهما يسير؟ لا يدري. صَعُبَ عليه القرار فهو لم يعتد الاختيار. وقف يفكر زمانا. أيقف؟ أيعود؟ لا. بل لابد أن يسير. اختار إحداهما و سار فيه. أيهما اختار؟ لا يدري. ولا أنا أدري. لكنه سار. ظلّ يسير و يسير في الطريق الذي اختاره الذي لا يعلمه. لم يعد وحيدا فكلما كان يسير كان يرى آخرين.

بشر كثيرون حوله. وجوه مختلفه. لا يعرف أحد ولا يعرفه أحد. لا أحد ينظر إليه. لا أحد. حتى شعر أنه لا شيء. حاول أن يستوقف أحدهم ليسأله: أين أنا؟ لم يجبه. بل لم يقف. كأنه لم يسمعه. حاول مع آخر و آخر لكن لا يعيره شخص أدنى اهتمام. حقا. هو كلا شيء...هناك.. هناك شيخ طاعنٌ في السن ينظر إليه. أسرع إليه و سأله : أخبرني أين أنا؟ ماذا يفعل هؤلاء؟ نظر إليه الشيخ برهه ثم قال: لا أعلم يا ولدي. لا أعلم.

 لكن ما هذا؟! .. هوذا طريقه قد أصبح أيضا اثنين! .. لا بل أربعة لا لا بل مائة بل آلاف. كيف يكون هذا! أيهم يسلك و أيهم يختار لا يدري لا يدري سار في طريق ما لا يعلمه. وسط الزحام كان يشق طريقه. يجذبه أحد فيختل توازنه و يدفعه آخر فيسقط. بدأ الناس يجرون و يهرعون. صوت رياح شديدة أخذ يصم الأذان. بروق و رعود. أمواج عاتية لا تبصر و لا ترحم. كادت الرياح تقصف به لولا تمسكه بجسم ما. لا يدري ما هو. لم يعد يسمع صوت البكاء و العويل من شدة الرياح. أغمض عينيه و قد تملكه الذعر و الهلع... هكذا كان و هكذا بقي. ثم فتح عينيه و قد هدأت الرياح. كم مضى من الوقت؟ لا يدري.. ولا أنا أدري. أجال نظره حوله. قد عاد وحيدا. نعم قد عاد وحيدا كما كان منذ زمان. لكن الآن كل ما حوله دمار و خراب.

تذكر أيام صباه حين كان يسير وحيدا هادئا سعيدا. ألقى بنفسه على جانب الطريق. وضع رأسه بين ركبتيه و أخذ يبكي و يبكي.

الجمعة، 24 ديسمبر 2010

انضم معنا لغلق الجروب الذي ...


قد تكون نجحت الولايات المتحدة الأمريكية ـ باستخدام القوة ـ في تقليل خطر الإرهاب مؤقتا ( و إن كنت أشك في هذا) لكنها فشلت في أن تحل المشكلة من جذورها من كراهية متبادلة متزايدة بين الشرق و الغرب. و قد تكون الحكومة المصرية نجحت باستخدام الأمن المركزي في إضعاف أصوات المعارضة و لو إلى حين لكن الفشل الذريع كان حليفها في حل مشاكل المجمتع المصري. فالقمع و العنف لم يوجدا لمعالجة المشاكل, بل هما أشبه بسد فوهة بركان سرعان ما يتزايد الضغط بداخله و ينفجر فيحدث ما لا يحمد عقباه.

و في مجتمع تراتبي هرمي كمجتمعنا المصري حيث يسكن أعلاه من يملك كل القوى و الصلاحيات المنزه عن أي خطأ و يقبع أسفله العامة الذين لا يملكون شيء يذكر من الحقوق, يسهل أن تنحدر الصفات بسلاسة من أعلى الهرم إلى أسفله ـ كما يقول علماء الاجتماع ـ فعلى مدار السنين يتحول كل مظلوم إلى ظالم و المقموع إلى قامع و المتسلَط عليه من رؤساءه إلى متسلِط على مرؤوسيه. و يصبح كل مواطنا "ديكتاتورا صغيرا" لا يؤمن إلا برأيه ولا يستطيع أن يرى الصواب إلا عنده.

 فيتعصب المرء لطائفة أو جماعة أو فكرة و يرسم حول نفسه دائرة لا يحدد قطرها إلا أفقه الضيق, فكل من يقع داخل الدائرة هو حليف لا يمكن أن يخطيء و كل من خارجها هو عدو لا مجال له أن يصيب... لكن ما تلبث تلك الدائرة أن تضيق من حوله, فذلك الإنسان المسكين لا يعرف معنى الاختلاف فينبذ هذا خارج الدائرة لأنه اختلف معه في أمر ما, و يطرد ذاك منها لأنهما لم يتفقا حول قضية ما. فتأخذ تلك الدائرة الوهمية تنكمش و تنكمش حتى لا يجد فيها إلا نفسه و يتقلص ايضا فضاء عقله و يعيش في جحر صغير لم يصنعه إلا هو.

و بعد أن كانت مصر بلد تشغل من سطح الكرة الأرضية 1,000,000 متر مربع تصبح 80,000,000 جزيرة صغيرة تعمل كل منها جاهدة على إغراق جيرانها ممن ضلّوا و يصبح كل فرد اشبه بخلية سرطانية همه الوحيد هو تدمير من حوله.
و الأمثلة كثيرة من حولنا بل دعني أقول لا حصر لها بداية من آلاف جنود الأمن المدججين بالسلاح الذين يحاصرون العشرات من الشباب العزل, مرورا بكل ما تلاحظه في حياتك اليومية من أساليب القمع المختلفة, وصولا لانضمامك لجروب على الفيس بوك لغلق صفحة ما !! . فالمبدأ واحد وهو القمع و الفكرة واحدة و هي اخراس الأصوات المخالفة لنا.

اختلف معي لكن لا ترفضني.
حاول أن تقنعني لكن لا تنبذني.
 جادلني بالتي هي أحسن لكن لا تخرس صوتي.

السبت، 11 ديسمبر 2010

قصة الحاكم و الفئران


يروى أن حاكما ظالما مستبدا كان يحكم شعبا عنيدا. فأراد ذلك الحاكم أن يساعده وزيرا على قدر عالٍ من المكر  و الدهاء فما كان منه إلا أنه أعلن في أنحاء المملكه أن من يستطيع أن يأتيه بكيس مملوءا بفئران حتى قصره سوف يصير وزيره الخاص.
فأخذ من الناس -كل من توسم في نفسه شيئا من المكر- أن يجمع الفئران في كيس حتى يصير المساعد الأول للحاكم في تلك البلاد, لكن شرط الحاكم لم يكن بتلك السهولة التي توقعها البعض فإن الفئران كانت لا تلبث أن تقرض الكيس و تفر هاربه .. مرت أيام ٍ و أيام ولا أحد يستطيع أن يأتي الحاكم بطلبه رغم أن كثيرين حاولوا ذلك جاهدين. و استمر الحال هكذا حتى اليوم الذي أخبر فيه الحرس الحاكم أن هناك شخصا واقفا أمام باب قصره و معه كيسا كبيرا مملوءا بالفئران فأمر الحاكم بدخوله فورا.

اندهش الحاكم الظالم بنجاح الرجل و قال له هنيئا لك فقد صرت وزيري و المستشار الأول في المملكة لكن اخبرني كيف أتيت بالفئران في كيسا إلى ههنا دون أن يقرضوا الكيس و يفروا هاربين؟
فأجاب الرجل الخبيث قائلا: الأمر كان بسيطا يا سيدي, فأنا منذ أن بدأت أن أجمع الفئران إلى أن أتيت بهم ههنا لم أكف عن أن أهز الكيس هزا شديدا, فكانت الفئران تقرض بعضها بعضا و قد نسوا  أنهم جميعا في سجنٍ واحدٍ كبير. و هاهي الفئران أمامك يا سيدي و قد انهكت قواها ..