السبت، 21 يوليو 2012

التديُّن في بلادي ..


ثمة سؤال يردده الكثيرون, لماذا لاتزال الكراهية بين الجماعات مستمرة رغم أن الأديان الكبرى التي يعتنقها معظم سكان العالم تدعو للتسامح والتعايش والإخاء؟
وحيث أن الأديان الكبرى تحث الناس على قبول الآخر يكون من المنطقي أن نفترض أن الذين يدينون بأحد تلك العقائد أكثر تسامحا تجاه الجماعات الخارجية مقارنة بأولئك الذين ليس لهم إنتماءات دينية .. لكن الواقع يبدو منافيا لذلك.

هذه الملاحظة أثارت مجموعة من الباحثين قادهم عالِم النفس الإجتماعي دانيال باتسون, وقاموا بمراجعة عشرات الأبحاث أجريت في النصف الأخير من القرن الماضي عن العلاقة بين التديُّن والتعصُّب, وجاءت معظم النتائج تؤيد الملاحظة عينها.

وهكذا وُجِدت علاقة إحصائية طردية (وليست بالضرورة سببية) تربط بين التديُّن في مجمله والتعصُّب. وهكذا ظلّت العلاقة موجودة إلى أن ميّز عالِم النفس الأمريكي جوردون آلبورت بين نوعين من التديُّن, الجوهري والظاهري, وطوّر - هو ومن سار على نهجه - هذا التمييز في أبحاثه اللاحقة, التي أشارت نتائجها إلى ارتفاع نسبة التعصّب بين المتدينين ظاهريا بينما تبدو النسبة عادية بين المتدينين جوهريا.

وعرًّف آلبورت تلك التوجهات الدينية كالآتي:

•  التوجه الديني الجوهري (Intrinsic Religious Orientation): يميز حياة الشخص المتعمق في عقيدته الدينية دون تحفظات, والشخص الذي له تلك الطبيعية يعمل على خدمة الدين بدلا من أن يُسخّر الدين لخدمته.

• التوجه الديني الظاهري (Extrinsic Religious Orientation): هي النظرة إلى الدين باعتباره نمطا أو شكلا لخدمة الذات وحمايتها ولتحقيق المنفعة الشخصية.



ولخّص آلبورت الفرق بين التوجهين في عبارة: "الشخص المتديِّن جوهريا يعيش دينه, والمتديِّن ظاهريا يستغل دينه".

* * *

أعود مرة أخرى إلى وطني, وأتذكر تلك المقولة الشهيرة "احنا شعب متديّن" , وفي ضوء تعريف آلبورت الذي أنقذ "التديُّن" من تهمة كادت أن تُلصق به باطلا, أتوقف قليلا وأتسائل, هل التديُّن السائد في مصر جوهري أم ظاهري؟ .. أم كلاهما؟

بكلمات أخرى, هل التديُّن السائد في مصر عقيدة راسخة يعيشها معتنقها أم نمطا وشكلا وعقيدة تُسخّر لمنفعة صاحبها؟

تبدو الإجابة ليست سهلة, وأن خطا رفيعا يفصل بين الأمرين ولذلك يكون القول الفصل ليس بالأمر الهين, لكن دعنا نتفق أولا أن الشروط الظاهرة للتديُّن مستوفاه, فعلى المستوى النظري أكثر من 99% من المصريين لديهم انتماء ديني معلن وعلى المستوى العملي تجد أن الغالبية العظمى ملتزمون بالأصوام في مواقيتها وأداء الصلوات والاتزام بطقوسها ومن يختلف عن ذلك يبدو شاذا وتجده يسوق التبريرات لنفسه وذلك لخروجه عن المألوف.

الأمر الصعب هو الحكم على التدين الجوهري لأنه في طبيعته باطني, ولهذا استعيض عن ذلك بالحكم على  نتائج هذا التدين وفي ذلك اخترت ثلاثة معايير:

•  المعيار الاقتصادي:

الأديان الغالبة في مصر تحض على التكافل الاجتماعي ومساعدة الفقراء, وحيث أننا شعب "متديّن" نتوقع ألا نجد هوّة سحيقة بين الأغنياء والفقراء, لكن الواقع يخبرنا بخلاف ذلك. ففي مصر تجد الغناء الفاحش بجوار الفقر المدقع. أمتار قليلة تفصل ما بين ساكن القصر وساكن العِشّة. في نفس الشارع تسير العربات الفارهة ويستجدي معوزين القوت.


•  المعيار الأخلاقي / الجنسي:

الأديان في مصر تعلّم بغض البصر, وبساطة العين, والتعفف والإلتزام الأخلاقي. فنتوقع أن يسود المجتمع المصري الملتزم دينيا جميع تلك القيم الجميلة اللهم إلا قلة قليلة فاسدة موجودة في كل مجتمع, لكن الواقع يخبرنا أن الوضع في مصر معكوس!

في دراسة أجراها المعهد القومي لحقوق المرأة عن "سرطان" التحرش الجنسي في مصر جاءت النتائج كالتالي: 83% من النساء المصريات يتعرضن للتحرش الجنسي, أكثر من نصفهم بشكل يومي. 98% من النساء الأجنبيات يتعرضن للتحرش الجنسي. حوالي ثلثي الرجال المصريين أقرّوا بتحرشهم بالنساء .. هذا على مستوى "الشارع" المعلن فماذا عن الخفاء؟ تنافس مصر على المراكز الخمسة الأولى عالميا في البحث عن المحتوى الإباحي على الانترنت, بالرغم أن مثل هذا الفعل مُحرَّم دينيا.


•  معيار التسامح:

بالرغم من أن الأديان في مصر تدعو للتسامح والإخاء, وبالرغم أن المصريين يعيشون معا على نفس الأرض على إختلاف معتقداتهم منذ عشرات القرون من الزمان, إلا أنهم لم يستطيعوا بعد التوصل لصيغة تكفل حرية العقيدة والتسامح مع بعضهم البعض. فها إلى الآن تحصد جرائم العنف الطائفي عشرات الأرواح كل عام. ناهيك عن الكراهية القومية والثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية  لكل مختلف. يكفي هنا مثال المادة الثانية المقترحة من الدستور الجديد التي تجسد التعصّب في أبشع صوره وتجعله قانونا.

هذا كله يسوقني إلى الافتراض مطمئنا أن التديّن السائد في مصر ظاهري, بعيد كل البعد عن التديّن الجوهري. ويبقى السؤال: ما سبب هذا القصور ولماذا تفشى بيننا التديّن الظاهري دون الجوهري؟


 * * *

ما سبب هذا القصور ولماذا تفشى بيننا التديّن الظاهري دون الجوهري؟

مربط الفرس في الإجابة على هذا السؤال تكمن في تعريف آلبورت للتديّن الظاهري, حين قال: المتديّن ظاهريا يستغل دينه.
 وحينما يوفّر المجتمع بيئة تتيح للمتديّن فرصة للتربُّح من كونه متدينا يتحول التديّن تلقائيا عند كثيرين من عقيدة راسخة إلى وسيلة لتحقيق منافع شخصية, بل ويسعى أخرون ليس لهم علاقة بالتدين إلى إرتداء ثوب التدين الظاهري للتمتع بالمميزات التي يمنحها المجتمع لمتردي هذا الثوب.

وفي مصر, تتوافر تلك البيئة المريضة, فتجد المجتمع يمنح ألقابا ترفع من المكانة الإجتماعية للشخص المتدين, وتزيد من قيمته, وتضفي عليه شيئا من الهيبة, وتمنحه ثقة لا تمنحها لغيره لا لسبب إلا أنه تديّن ظاهريا. وتعطيه حق الفصل بين المتخاصمين في شتى الأمور وتمنحه حق الفتوى في ما يعرف وما لا يعرف.

هذا عن البيئة الاجتماعية, أما عن السياسة فحدِّث ولا حرج عن المميزات والحصانات التي تمنحها البيئة السياسية المشوهه للشخص أو الجماعة أو الحزب المتديّن ظاهريا.

لا يتوقف الوضع عند هذا الحد, بل يتطوّر الحال مع الشخص المتديّن ظاهريا, فيغيّر من شكله, وزيّه, وطريقة حديثه, وأسلوب سيره وجلوسه حتى يظهر للمجتمع عيانا بيانا تديّنه الظاهري فينال من الهبات والعطايا التي يمنحها المجتمع له بأقل مجهود ممكن.

ثم يزداد الأمر سوءا بعد سوء, فيحاول ذلك الشخص المتديّن ظاهريا فرض أسلوب تديّنه على غيره, لأنه ينال بذلك كرامة فوق كرامة من مجتمعه المريض فيخضع له ضعاف النفوس ويكون تدينهم إما نفاقا أو خوفا ثم يسير في ذات الدرب الذي سار فيه من سبقه وهكذا دواليك .. ولعل هذا ما قصده راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية حين قال لا نريد تحويل التونسيين إلى منافقين.

* * *

أين الحل إذا؟

لكي نصل لحل لابد أن نعرف مصدر المشكلة أولا .. قناعتي الشخصية, أن سلوك المرء المتديّن لا يحدده دينه بل فهمه لدينه. فكم من أولياء صالحين وقديسين فهموا الدين وساروا على نهجه وتعاليمه ووصلوا لأعلى درجات التقوى. وكم من حروب اندلعت ودماء بريئة اُريقت ظن سافكيها أنهم فاهمين الدين دون غيرهم وخادمين له.

المشكلة إذا في تكمن في الفهم, أي في العقل. والعقل المصري المسكين شب وشاب على الاستبداد والاستعباد, حُرِمَ العمل عنوة وفرضت عليه الأراء فرضا. عقلٌ مستهلِك غير منتِج. تسَلّط عليه الجهلاء فبات لا يعرف إلا ما يريد له سلاطينه أن يعرف.

تقدم إذن نحو المرآه وأشر لرأسك وقل: هنا تكمن المشكلة وهنا يكمن الحل.




الجمعة، 29 يونيو 2012

بالمنطق, هل من صفقة بين العسكر والإخوان؟



انسى الصورة النمطية اللي في عقلك عن الاخوان واهمل مؤقتا أي أحكام مسبقة أصدرتها عليهم بالسلب أو الإيجاب, وانسى كل مواقفهم وبياناتهم وتصريحاتهم في السنة ونص اللي فاتوا وتعالى نفكر بالمنطق من أول يوم 16 يونيو لحد انهاردة في ضوء تصريح واحد للدكتور محمد البلتاجي أصدره يوم 21 يونيو 2012 ..
نص التصريح

يهمني في التصريح الجملة ديه:
"قلت إن تعمد تأجيل إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية أو الإشاعات المستمرة بإمكانية تغيير النتيجة هي ضغوط ومساومة من طرف واحد؛ لتمرير الإعلان الدستوري المكمل، وهو ما لن نقبل به, ولم أقل إن هناك تفاوضًا إما هذا أو ذاك كما فهم البعض"
 _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

من التصريح, واضح جدا ان المقصود بـ "طرف واحد" هو المجلس العسكري والطرف الثاني الاخوان, وبالتالي فمروج الإشاعات المستمرة بإمكانية تغيير النتيجة هو المجلس العسكري برضة لانه هو اللي بيمارس الضغوط والمساومة.
بمعنى: ان المجلس العسكري بيمارس ضغوط على الاخوان وبيعمل محاولات للمساومة معهم لقبول الإعلان الدستوري المكمل (مقابل شيء ما) وهو ما رفضه الاخوان شكلا وموضوعا (حسب تصريحات البلتاجي) وبذلك تكون المساومة من طرف واحد.
 _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

التسلسل المنطقي اللي فكرت بيه واضح في الصورة ومش محتاج اكرره تاني, يوصلنا لـ 3 احتمالات تنفي حدوث صفقة بين العسكر والاخوان:

الاحتمال الأول:
أن يكون د. البلتاجي كذب في تصريحه لقناة العربية.
 وأنا شخصيا أربأ بدكتور البلتاجي عن الكذب, الراجل معروف بمواقفه الشجاعة وصدقه, وإذا كان هذا التصريح لقناة العربية غير دقيق أو مغلوط لسبب أو آخر فيتوجب على د. البلتاجي الإعتذار عنه علنا لما فيه من اتهام باطل وصارخ للمجلس العسكري ولجنة الانتخابات.

الاحتمال التاني:
أن المجلس العسكري لم يكن يعلم نتيجة الانتخابات أو مَن المتقدم بعد 4 ايام من الفرز.
 وهو افتراض ساذج للغاية واحتراما لعقلي لن أصدقه. (جدير بالذكر هنا أن الشاطر أشار عن رصد الاخوان لاتصالات بين المجلس العسكري وللجنة العليا لاستبعاده هو وحازم أبو اسماعيل)

الاحتمال الثالث:
الاخوان المسلمين لم يقبلوا المساومة.
وهو الاحتمال الذي ثَبُت مساء الخميس 28 يونيو 2012 بطلانه بعد بيان رئاسة الجمهورية بحلف مرسي اليمين أمام المحكمة الدستورية طبقا للإعلان الدستوري المكمل   مما يعني قبول الاخوان بالانقلاب العسكري الغير دستوري. وجدير ايضا بالذكر ان تلك لم تكن رغبة الاخوان ففي يوم 24 يونيو ذكر موقع اخوان اونلاين على لسان ياسر علي المتتحدث الرسمي باسم حملة مرسي رئيسا انه سيحلف اليمين أمام مجلس الشعب المنتخب.
  _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

هذا ما استطعت التوصل إليه, اللهم إلا إذا كان أحد يرى احتمال رابع ينفي حدوث صفقة لم أراه أنا فأرجوه أن يطلعني عليه.

الاثنين، 25 يونيو 2012

نصائح للإخوة الأقباط ..



بعد ظهور نتيجة الانتخابات وإعلان فوز مرسي, اصيب كتير من الإخوة الأقباط بحالة من القلق والخوف الذي يصل أحيانا للهلع وبعضهم بدأ يفكر بل يسعى جديا في الهجرة وأطلقوا العنان للهواجس في رؤوسهم عن اللي هيعملوا فيهم الاخوان, بعضها مبررة وبعضها غير مبررة. وأخذوا يلومون إخوانهم الأقباط التانيين الذين قاطعوا أو أبطلوا أصواتهم لانهم السبب في تحول مصر لإمارة إسلامية اخوانية .. مع انهم من يومين اتنين بس كانوا معترضين على اتهام الاخوة المسلمين ليهم بانهم سوف يكونوا السبب حال فوز شفيق! بس يالا ما علينا  .. أنا شخصيا باعذر ده تماما ومقدر الخوف عند بعضهم (عارف عارف انت مش منهم انا بتكلم عن الخايفين) .. المهم دلوقتي نتعلم من أخطأنا ونطلع بفايدة ولأجل ذلك اقدم بعض النصائح 
للإخوة الأقباط لعلها تجد صداً:


1- اخرج خارج القوقعة الطائفية:
أحد الأسباب الرئيسية لخوف الاقباط من كل ما هو منعوت إسلامي هو عيشهم في قوقعة طائفية ضيقة, كل ما فيها مشابه لهم دينيا وفكريا, فلا يجدون فرصة للتعرف على العالم الخارجي الأوسع إلا من خلال ما تنقله لهم تلك المصادر المشابه لهم. دائرة الأصدقاء, والزملاء المقربين في العمل جميعهم من المسيحيين. يستقي معلوماته الانترنتية من صوت المسيحي الحر, والفضائية من قناة الطريق ومار مرقس.. وهكذا إلى آخرة من مصادر المعرفة المختلفة.. مش بقولك ما تصاحبش مسيحيين ولا اهجر مصادر المعرفة المسيحية, بس بقولك نــــــوَّع في مصادر معرفتك. ربنا خلقلنا عينين اتنين عشان نشوف العالم ثري-دي. انت برضة لو شفت الدنيا بعين واحدة مش هتشوف منها غير ناحية واحدة.

اندمج في المجتمع أكتر! صاحب واحد اخوانجي واتكلم معاه عن عيوب الاخوان ماتخافش مش هيقطم دراعك ويطلع يجري. صاحب واحد سلفي وقوله مساويء فكرهم من وجهة نظرك مش هياكل ودانك! .. لو ما عملتش كده طاقة الغضب جواك هتتحول لكراهية وانت مش حاسس.


2- الكنيسة ليست طرفا في لعبة سياسية:
قبل جولة انتخابات الإعادة باسبوعين, رحت الكنيسة احضر القداس يوم الجمعة, قبل نهاية القداس الكاهن قال هنتكلم 5 دقايق عن الانتخابات, سمعت منهم اول دقيقة, كان بيشجع المصلين بالتحلي بالـ"إيجابية" وانتخاب شفيق محذرا من الخواطر الجمة على المسيحيين ومصر إذا فاز مرسي, بعد أول دقيقة, واحتراما للمكان وبما اني رايح الكنيسة أصلي مش اسمع خيري رمضان, اخدت نفسي وطلعت وقفت برة اشم هوا رغم ان الكنيسة كانت مكيفة لحد ما خلص كلام عن الانتخابات ورجعت دخلت تاني.
اللي عمله الكاهن ده على المستوى الروحي خطيئة, وعلى المستوى السياسي غباء.

أولا على المستوى الروحي:

الكنيسة بيت الله, والسويعات القليلة التي تقضيها في الكنيسة مخصصة أيضا لله. وكلنا يحفظ عن ظهر قلب القصة المكتوبة في إنجيل متى 22 عندما أرسل الفريسيين ليسوع يسألوه أيجوز أن تعطى الجزية لقيصر؟ فأجباهم "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله". ومن هنا يكون الحديث عن السياسة (ما لقيصر) في الكنيسة (ما لله) وقت الصلاة (ما لله) وهو إعطاء ما لله لقيصر.


ليس هذا فحسب, بل الموضوع أخطر كثيرا من هذا. فالانجيل لم يذكر ان يسوع غضب عندما قدموا له المرأة الزانية الممسوكة في ذات الفعل, بل دافع عنها أمام من عزموا على رجمها ثم قال لها "ولا أنا أدينك". ولم يغضب عندما شك فيه تلاميذه بل وبخهم قائلا "ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان؟" .. كل هذا لم يغضب يسوع لكنه غضب, بل وصنع سوطا من حبال في الحال وطرد من الهيكل كل من استخدموه للتجارة والكسب .. هكذا استخدام بيت الله للكسب يغضب الله ويستوجب العقاب الفوري.

ثانيا على المستوى السياسي:
غباء استراتيجي بغير جدال. افترض مثلا انك ساكن في عمارة وساكن قدامك محمد علي كلاي, وفمرة اختلفتوا مين يدفع فاتورة المية, فاتحاد ملاك العمارة حكموا بنيكم انكم تلعبوا لعبة واللي يخسر هو اللي هيدفع. كلاي طبعا هيقترح تلعبوا ملاكمة, وانت إذا وافقت تبقى غبي لانه هيديك بوكس واحد, مش هتحط منطق بعديه واولادك هيفضلوا يدفعوا فاتورة المية لمدة 30 سنة.. لو انت بتتمتع بقدر قليل من الذكاء ترفض اقتراحه وتصر على اختيار لعبة تاني, شطرنج أو طاولة أو حتى صلّح.

نفس الحال في السياسة, المتطرف المسلم هيحاول بكل الطرق تحويل أي معركة انتخابية لمعركة طائفية, لأن الشعب المصري بيستثار بسهولة جدا بالخطاب الطائفي, وهو عنده عدد اكبر منك بكتير,, فانزلاقك في معترك حشد طائفي نتيجته خسارة لا محالة. فالكاهن لو نجح انه يخلي 10 ينتخبوا شفيق طائفيا, هيخلي 100 ينتخبوا مرسي طائفيا برضة.


3- أنت لست مضطهدا:
عقدة الاضطهاد عقدة نفسية معروفة (سيرشها على جوجل واقرا براحتك) بيعاني منها الأقليات عموما, مش شرط الأقلية العددية لكن أي فئة مستضعفة. ورغم ان عقدة الاضطهاد تصيب بهواجس نفسية في كتير من الأحيان بيكون ليس لها أساس من الصحة إلا انها تشعر المصاب براحة لانها توفر له دائما "شماعة" يعلق عليها أي فشل يصيبه أو أي حال سيء يؤول إليه.

انت مش مضطهد, طلع الفكرة ديه من دماغك خالص!. مش كل حاجة تحصل تقول عشان انا مضطهد.
فعلى مدار طيلة العقود الماضية يوفر الدستور والقانون للمسيحي الحق كما للمسلم في تولي أي منصب في الدولة .. نعم الوضع يختلف عمليا لكن قانونا أنت لست مضطهد, ورغم هذا مترسخ في أعماق المسيحيين الشعور باضطهاد الدولة.

قد يكون هناك أنواع مختلفة من التمييز .. مثل قانون دور العبادة أو قانون الاحوال الشخصية, او لعل بعض الحوادث الطائفية تحدث من وقت لآخر دون عقاب رادع للمجرم. لكن هذا ايضا ليس اضطهاد لك لكونك مسيحي, لكنها إحدى أوراق اللعبة السياسية التي تستخدم لتحقيق مكاسب وقتية. فلا تجعل نفسك أو تقبل أن تكون أداه طيعة في يد مستبد يخدم بها مصالحة.


4- الإسلام ليس سبب بلاءك! (النقطة ديه للمسيحيين بس عشان الفتنة والحاجات ديه) ـ
انت تعتقد ان سبب البلاوي في مصر الإسلام .. أيوة بكلمك انت انت. مش انت بس فيه كتير مسيحيين عندهم نفس الاعتقاد ده, وهذا سببه كما سلفنا القوقعة الطائفية التي يعيش فيها المسيحيون في مصر, ورسائل الكراهية المستمرة التي تبثها بعض القنوات الفضائية والتي يصدّق مشاهدوها أنها مسيحية.

أرباب هذا الفكر يميلون لاعتقاد انهم لو أصبحوا يوما ووجدوا مصر كلها مسيحيين لزالت الغمة وانصلح الحال وهو اعتقاد يثبت التاريخ بطلانه. يشهد التاريخ انه عندما سيطر على أوربا رجال الدين المسيحيين سقطت أوربا في غياهب حروب طائفية استمرت لعشرات السنين مات فيها ملايين وكان القاتل والمقتول كلاهما مسيحي وكلاهما يحمل لواء الدين.


ولذلك قناعتي الشخصية أن سلوك المرء "المتدين" لا يحدده دينه بل فهمه \ تفسيره لدينه. أنا مثلا إن أهانني أحد ممكن أن أرد الإهانة بالحب واتذكر الآية "أحبوا أعدائكم باركوا لاعنيكم" وممكن أيضا أن اطعنه بسكين متذكرا"ما جئت لألقي سلاما بل سيفا" .. نعم أعلم جيدا أن كل آية قيلت في وقت مختلف ولإناس مختلفين وفي ظروف مختلفة ولكني على أي حال استطيع إيجاد تفسير يناسب ميولي بغض النظر هو صواب أم خطأ.


وفي هذا يقول الإنجيل "تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم" ويقول القرآن "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" ولذلك لا تدخل نفسك في معركة وهمية مضمونة الخسارة بل إن أردت أن ترفع البلاء فغيّر نفسك بتجديد ذهنك.


5- لا تبك على حق ضاع أو قد يضيع:
فالحقوق المسلوبة لا تُعطى بل تنتزع انتزاعا. فيه مسيحيين بعد فوز مرسي بيقولوا كلام من عينة: الاخوان هيعملوا فينا وهيسوا فينا وهيجبونا ويحجبونا وهيموتونا إلى أخره ... والنقطة ديه مش هتكلم فيها كتير لأن مردد هذا الكلام أو ما شابهه (بجانب عدم ثقته في الله حاميه) فهو يحمل داخله كم رهيب من الانهزام النفسي والاحساس بالضعف والدونية وعدم القدرة على المواجهه .. مرة أخرى الحقوق المسلوبة لا تُعطى بل تنتزع.


6- أخيرا – أُرفض تصنيفك طائفيا:
وده يتعلق بعنوان المقال, مفيش حاجة اسمها إخوة أقباط وإخوة مسلمين .. الأخوّة ديه هناك لما نبقى قاعدين على المصطبة ونحلف وحياة الأخوّة. ومفيش حاجة اسمها عشيرتي وعشيرتك بتاعة مرسي, العشيرة ديه هناك برضة لما نبقى رابطين الناقة على باب الشقة.

الدولة يسكنها مواطنون يحكمهم القانون, مواطنون متساوون. ولذلك أُرفض وضعك في قالب طائفي, وأرفض معاملتك طبقا لتصنيفك الديني, لك حق كما للجميع حقوق وعليك واجب كما على الجميع واجبات.


في الآخر لازم تعرف انك من حقك نتنخب اللي انت عايزه طبقا للأسباب اللي انت شايفها زي ما غيرك حقه ينتخب اللي هو عاوزه طبقا للأسباب اللي هو شايفها زي ما انا حقي اقاطع الانتخابات طبقا للاسباب اللي انا شايفها ..وختام القول أضيف يسقط يسقط حكم العسكر. والله الموفق والمستعان

الجمعة، 15 يونيو 2012

موت بارد

كان قطا ضخما أقوى من كل القطط. قضى عمره حبيس القفص. وحين فُك أسره سار بتعالٍ بين القطط. ويوما رآهم جميعا مجتمعين حول شيئا ما يحدّقون فيه, فتقدم نحوهم بتؤدة ونظر فإذ في وسطهم قطرة دمٍ. فأصدر مواءا مرعبا فهربوا من أمامه. وأخذ يتأمل قطرة الدم بشغفٍ, ثم مدّ رأسه وفتح فاه وأخرج لسانه ولعق قطره الدم. أصدرت القطط من خلفه أصوات مخلتفة لكنه لم يعيرهم أي اهتمام, بل أغمض عينه وأخذ يقلّب قطره الدم في فمه ليتلذذ بكل متعة ممكنة.

ولما فتح عينيه وجد قطره الدم أمامه كما هي!, فلعقها مرة ثانية متعجبا من حسن حظه. وإذ بقطرة الدم كلما لعقها كبرت, فأخذ يلعق ويلعق بسرعة دون هوادة وهي تكبر وتكبر حتى تحولت إلى بحيرة ملأت الأرض. استمر يلعق بجنون من كل مكان حتى تلطّخ وجه وأطرافه بالدم غير آبه بشيء من حوله, معتقدا أن السماء قد فتحت كواها لتعوضه عن سنين الجوع.


وعلى بغتةٍ .. , شعر ببرودة تسري في عروقه وبقشعريرة الموت تدب في كل جسمه, فارتعد, وفتح عينيه ونظر فإذ به يلعق الدم من على طرف سكينٍ .. في تلك اللحظة سقط وسط دماءه ميتا.




الأحد، 27 مايو 2012

أنا الثورة




في البدء .. أحمد الله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.

منذ عام وأربع أشهر, تحديدا يوم الرابع من فبراير 2011 جلست في سكون مع نفسي, استرجع ذكرايت ذلك اليوم الرهيب, يوم جمعة الغضب, يوم ما بذلت مصر من دماء خيرة أبناءها وبناتها, بسخاء وفير ودون ضجر, يوم ما حبست في عينيها الدموع وكتمت في صدرها الألم ونظرت إلينا بوجه مبتسمٍ وقالت: ها قد أعطيتكم الكثير فأروني ماذا ستفعلون... جلستُ يومها وكتبت بعض من الخواطر التي طافت في نفسي .. وها أنذا الآن, جالس في نفس السكون كأني في ذات ذلك الليل, أقرأ مشاعري آنذاك بقلبٍ حائر بين الأفكار المتناقضة.

أين كنّا؟ وكيف نحن الآن؟ وأي الطرق سلكنا؟ ماذا صرنا؟ هل حقا نجونا؟ أم هلكنا؟! من خاننا؟ ولماذا خاننا؟ أينبغي أن أفرح؟ أم أحزن؟ هل ضاع حلمي مني؟ أم مازلت أقبض عليه بيدي؟ هل أعدو خلف بصيص الأمل البعيد؟ أم هو مجرد سراب يخدعني كما خدع الجميع من قبلي وسألقى حتما حتفي ولا يبقى مني إلا جثة تشبه كل الجثث التي حولي؟ .. لست أدري .. حقا لست أدري.

لم أكن لأتخيل إنه بعد مرور عام ونصف على أعظم ما صنعنا أن يكون الوضع قاتم هكذا. انتخابات رئاسية يدّعون انها لاختيار أول رئيس لمصر الثورة, اختياران أحلاهما علقم وألذهما إفسنتينا. كيف أفاضل بين من قتلني ومن بارك قتلي؟ أحدهما قنصني جهرا والآخر طعنني غدرا في ظهري؟ الأول فقأ عيني واستحل عرضي والثاني رآني وعرض عني كأنه لا يعرفني؟

ولن أقبل كما ينصحونني بنصف العمى, ولن اختار "احسن الوحشين", إذ كيف ألوم بعدها هؤلاء الذين يقبلون الذل خشية الجوع ويرتضون العبودية لينجو من الخوف؟؟ أنا أيضا لن أقبل الفاشية الدينية كبديل عن الاستبداد السياسي والعكس صحيح. ومازلت أذكر جيدا هدفي الذي خرجت لأجله: الحرية والكرامة والعدالة ولن أرضى بأقل منه.

مَن ألوم على سوء الحال هذا ومَن أبكّت وفيمن أشفي غليلي؟ هل هو القدر الذي يعبث بنا؟ .. كيف يكون والقدر ليس عدو مترصد حتى يضطهدنا دائما ولن أحمّله المسؤولية كما يفعل المتكاسلون ليرضوا أنفسهم أمام ذواتهم الضعيفة. من ألوم إذا؟ ليتني أعرف من هو المذنب بيننا كي ألقي به البحر فتهدأ الريح وتسكن الأمواج.

بالطبع لن ألوم النظام القديم بمجلسه بأركانه برجاله لأنه العدو الصريح, وأي رجل يلوم عدوه لأنه هزمه ! هذا أيضا ضعف وقلة حيلة.

هل ألوم هؤلاء الذين لقبوا أنفسهم بمرشحي الثورة لأنهم لم يتحدوا وفضّل كلُ منهم أيديولوجيته الخاصة ومشروعه الخاص على مصلحة الوطن, وداعبهم سلطان الهيمنة وأزاغ عينيهم بريق الكرسي حتى لم يعودوا يروا المصير الذي دفعوا الجميع إليه.. أم ألوم مؤيديهم الذين قضوا ليلهم ونهارهم يتربصون بأخطاء بعضهم البعض ويشوهون بعضهم البعض غير دارين أنهم يؤذون أنفسهم.. أم ألوم المقاطعون المنسحبون الذين تركونا في ميدان المعركة وحدنا وجلسوا يتفلسفون وينعتوننا بالغباء والحماقة كأنهم أحكم من أنجبت الأرض.. أم ألوم الشعب الجاهل الذي نسي دماء التي سفكت من أجله واختار القاتل والجلاد, الشعب الذي يشتاق إلى العبودية كما يشتاق التائة في الصحراء إلى الماء.. أم ألوم الأقباط, الذين فضلوا الجلوس عند قدور اللحم وأكل الخبز للشبع عن خوض الحرب.. الذين لا يروا إلا أنفسهم ولا يفكرون إلا في مصالحهم الطائفية الضيقة.. أم ألوم الإسلاميين على فشلهم المفجع في البرلمان, والذين استخدموا الخطاب الإقصائي الاستعلائي المتطرف الذي نفّر الناس منهم ودفعهم لاختيار النظام القديم خوفا منهم أو نكاية فيهم.

أم ألوم نفسي ... لأني .......  حقا, ما أسهل أن تلوم الآخرين وما أصعب أن تعترف بخطأك.

من الآن إذا حتي يُقر كل من أخطيء بخطأه, ويعمل على تصحيحه, وحتى يدرك الجميع أن التناحر والطمع والمساومة على الحق يقودان حتما للفشل, سأظل محتفظا بحلمي, لن أنساه أبدا, ولست ساخطا او متذمرا على نتيجة الانتخابات سواء فاز السيء أو الأسوأ, لأني على يقين أننا نستحق ما ابتلانا وأن الجزاء من جنس العمل ولن نجني إلا ما زرعنا.. تلك هي عدالة السماء.

ولست يائسا, فقد علمتني الثورة ان اليأس هو موت الأحياء. الثورة ليست ميدان ممتليء ولا حزب مهيمن ولا رئيس منتخب, بل نحن الثورة, أنا الثورة وأنت الثورة, إذا يأسنا استسلمت, وإذا قاومنا صمدت وحاربت .. الثورة عقيدة راسخة, إيمان ثابت بالمبدأ, ثقة يقينية بانتصار الحق ولو بعد حين.


الخميس، 26 أبريل 2012

ضد الإرهاب الفكري; تضامنا مع عادل إمام




مش محتاج كل مرة أنتقد سلوك حد اقول قبلها اني بحترمة, ولا كل ما ادافع عن حد اقول اني بختلف معاه .. المرحلة ديه تجاوزناها من زمان.

متضامن مع عادل إمام ضد الحكم الظالم الإرهابي اللي اتعرضله بتهمة "إذدراء الإسلام", ومش عايز حد يستخدم النظرية الفلسفية بتاعة تالتة ابتدائي (قلمي أطول من قلمك أأااه) ويقولي لو كانت التهمة ازدراء المسيحية كان زمانك مبسوط وبتقول يستاهل .. برضة انا مفترض ان المرحلة ديه تجاوزناها وكبرنا عليها.



لا ترقي بدون فن, ولا فن بدون إبداع ولا إبداع بدون حرية, ولا حرية في وجود قوانين تسلط سيوف الإرهاب الفكري على أعناق المبدعين ..سيبك من الكلام الإنشا ده اللي ما بيأكلش عيش وتعالى نسأل, هل عادل إمام فعلا إزدرى الإسلام؟ هل تمثيل دور رجل ملتحي نصاب يُعتبر إزدراء للإسلام؟

أول ما سمعت تهمة "إزدراء الإسلام" استحضر ذهني علطول التهم الجامدة الدسمة من أمثال "اسقاط الجيش" و"هدم الدولة" اللي وجهت لنشطاء سياسين كانوا ضد النظام الحاكم.

واستحضر ذهني قضية كشف العذرية,لما طلب ممدوح حمزة وتهاني الجبالي من المناضلة الشابة سميرة إبراهيم سحب دعوتها القضائية "حفاظا على كيان الدولة"! .. السؤال البديهي: مين طعن كيان الدولة وهيبة الجيش؟ الجندي اللي انتهك عرض بنت ولا الضحية اللي قررت ما تسكتش عن جريمة ارتكبت في حقها؟

وبنفس المنطق, الصحفي اللي صور العساكر بيعروا وبيسحلوا ست البنات في التحرير وبعت الصورة لوكالات الأنباء العالمية هو اللي أهان جيش مصر ولا العساكر وقادتهم أشباه الرجال هم من أهان الجيش؟

الصحفي يعتبر مجرم في حق الجيش إذا كان فبرك الصورة, لكن طالما عمله اقتصر على نقل الواقع يبقى بريء مهما كان الواقع قبيح.. وكده يبقى اخدنا الموضوع خطوة لقدام, والسؤال يكون: ما نقله عادل إمام في أفلامه واقع ولا فبركة؟

الاعتراف بالحقيقة دايما بيكون سخيف خاصة اذا كانت الحقيقة صادمة ومش على مزاجنا. واحنا بنحب اللي يضحك علينا ويفهمنا اننا حلوين واننا شعب متدين ومحافظ بس الواقع بيقول ان معدل التحرش الجنسي في مصر من أعلى المعدلات في العالم. ونسبة البحث على المحتوى الجنسي ع الانترنت في مصر من أعلى النسب في العالم. نرجع لعادل إمام ونسأل, هل تصوير رجل ملتحي بيدعي الدين والتقوى على انه نصاب واقع ولا فبركة؟

مش هجاوب بس هفكرهم بشوية امثلة للنصب بالدين حصلت مؤخرا من مدعين الدين والتقوى:
خداع عموم الناس وإيهامهم بالباطل ان "نعم" الاستفتاء للحفاظ على هوية مصر الإسلامية. استغلال جهل الناس والنصب عليهم باسم الدين بان صوته في الانتخابات لحزب ما هيدخله الجنة. تشويه صورة مذهب فكري عن جهل بافتراض حسن النية أو عن طريق التضليل باسم الدين – ليبرالية يعني امك تقلع الحجاب. نائب كذاب اختاره الشعب لورعه وتقواه ما صنش الأمانة. رجل بيدعي انه بيتكلم بالدين بيدافع عن جنود انتهكوا عرض بنت في وضح النهار ويقول للي دافع عنها "يا واد يا مؤمن". وتفعيلا لمبدأ (قلمي أطول من قلمك أأااه) التجارة بالدين ووصف الإضراب المدني بأنه ضد الدين.. وطبعا الخداع والكدب والتضليل باسم الدين مش طفرة ظهرت فجأة بعد الثورة لكنها عادة قبيحة مترسخة فينا من زمان بسبب الجهل والسطحية وتدني الثقافة.



أما عن الإرهاب الفكري فاذكر مثال لما واحد آساحبي في عز أيام الخناقات على جنسية أم أبو اسماعيل كتب ستيتس ع الفيسبوك بيفترض انها أمريكية .. فجاله سيل من الهجوم خلاه يحذف الاستاتس بعد فترة قصيرة.

الإرهاب الفكري دايما قامع للعقول ومعطل للتطور الحضاري.. مثلا سقراط أبو الفلاسفة كان بينزل السوق ويكلم الشباب عن الفلسفة, فحُكم عليه بالإعدام باسم الدين بتهمة انكار الآلهه اليونانية و "إفساد عقول الشباب" ومن بعدها بقت الفلسفة عمل الصفوة.

والمسيح جاهر بتعليم مغاير لتعليم اليهود فحكموا عليه بالموت مصلوب باسم الدين. جالليلو جاهر بنظرية كوبرنيكوس ان الأرض ليست مركز الكون وبتدور حول الشمس فحوكم ونُفي لانه نادي بتعاليم –ظنت الكنيسة الكاثوليكية وقتها- انها ضد الانجيل. فرج فودة كُفر واغتيل لأنه نادى بأفكار غريبة عالمجتمع يظنوا انها ضد الدين... وغيرها كتير جرائم ارهاب فكري بشعة ارتكبت وظن مرتكبيها انها يقدمون خدمة جليلة للدين والوطن.



خلاصة الكلام, أنا مع حرية الرأي والتعبير والإبداع. ومش شايف عادل إمام ازدرى الإسلام, هو انتقد بصورة ساخرة استغلال (abusing) الدين من قبل جهلة ومتطرفين وتجار دين وده مش افترا لكن واقع قبيح عايشينه لكن معندناش الشجاعة الكافية اننا نواجهه فبننكره وبنهاجم اللي بيصارحنا بالحقيقة المرة ديه.

ومحدش قالك اعجب بأعماله أو حبها أو شوفها مفيدة .. ومحدش يقدر يجبرك انك تستذوق بلسانه ولا تشوف بعينه, كل واحد حقه يحب اللي عايزه ومايحبش اللي عايزه بس مش معنى ان حاجة مش عاجباك ان تؤذي صاحبها أو تستحل أذية صاحبها .. زي ما من حق المسيحيين انهم يرفضوا الاخوان لكن مش المفروض يستحلوا وقوع الظلم عليهم لان ده ضد المحبة اللي بيدعوا انها عندهم. وزي المسلمين حقهم يرفضوا البهائية بس مش المفروض يستحلوا سجن معتنقيها لأن ده ضد مبدأ السماحة اللي بيدعوا انها عندهم .. اُرفض أفلام عادم إمام انتقده وانتقد عمله اشتمه, ظن فيه زي ما انت عايز لكن مش المفروض تؤذيه أو تستحل أذيته.


الأربعاء، 28 مارس 2012

فـتـاتي





فيما هو راقد على فراشه, واقفا على حافة الموت, أمر خادمه الخاص أن يستدعي كل الخدم حتى يشهد الجميع على كل كلمةٍ سوف يقول.

غاب الخادم قليلا ثم عاد ومعه العشرات من رفقاءه الذين يعملون في أروقة القصر وما حوله من أراضٍ واصطفوا جميعا في صفين حوله في غرفته الواسعة وقد اختبأت وجوهم خلف ستائر من الحزن والدموع. حقا, إنه مشهد ومهيب والأبُ هامد تجتاحه سكرات الموتِ وبجواره ابنته الوحيدة كورت جمسها الضئيل ودفنت رأسها في صدره تبكي بلا انقطاع. وبعد لحظات من الصمت - لم يتخللها إلى شهقات الصغيرة- مرت كأنها دهــــر, أومأ برأسه فاقترب منه الخادم وخاطبه بصوتٍ ضعيف متقطع لكنه مسموع قائلا:

-          ها أنا ذا ماضٍ إلى حيث يمضي الجميع, وقد تركت خلفي أموالا وأملاك كثيرة لكني لست أحسب كل هذا شيء .. فأغلى ما عندي هي نور عيني (ووضع يده على رأس طفلته). استحلفك بالله أمام رفقائك أن ترعاها كحياتك وأن تكون لها كأبٍ من بعدي. أنت تعلم أن الطبيب أرسل يبشرني منذ أيام أن فرصة نجاح عملية زرع القرنية عظيمة.

 بدأ صوته يخفت كأنه آتٍ من كهف بعيد, لكنه استكمل:

-           كم كنت أود أن أحيا حتى تستطيع أن تراني بعينيها لكن هذه إرادة الله.. قال تلك الكلمات وتحشرج صوته داخله ثم مالت رأسه قليلا وسقطت يده من فوق رأس ابنته.

* * *

انقضت أيام المأتم سريعا, عاد بعدها المُعزي إلى بيته والعامل إلى عمله, أما الحياة فنجحت كالعادة أن تلهي كل واحد في ملهاةٍ , فلم يجد الحزن ملجأ مريح يقضي فيه نهاره وليله إلا قلب الصغيرة.. فتاةُ لم تبلغ الثامنة, عبث بها القدر وألقى بها وحيدة في غابة يسمونها الحياة, شعرها أسود طويل وبشرتها بيضاء ناعمة وصوتها كصوت الملائكة, يجتمع في وجهها الصغير برائة الأطفال ووجاهة العظماء معا لكنها لم ترى جمالها هذا قط.

آلت كل الأملاك تحت تصرف الخادم المقرب حسب وصية السيد الراحل. في غفـلة من الزمن وجد بين يديه أموالا طائلة وسلطة واسعة, يستطيع أن يبيع ويشتري, يأمر وينهي, يشرّع وينفّذ ويقضي بل ويعاقب من أخطأ. قدمت له الحياة مشتهياتها على طبق من ذهب فداعب السلطان أحلامه وتحركت الأطماع داخله وفيما يبدو قد التحول الوكيل الأمين إلى متسلِّطٍ لئيم.

وبرغم الحزن العميق الذي يعتصر قلب الصغيرة كانت ترى شعاع نور يلوح بعيدا في الأفق, هي تتذكر جيدا وعد أبيها عن إجراء العملية وعودة البصر إليها لكن كلما كانت تذهب للخادم وتسأله كان يتحجج بأنه مشغول الآن بسداد ديون أبيها للتجار وإرسالها لأوربا لإجراء العملية يتطلب أموالا كثيرة وهو يخشى إذا فعل هذا تنفذ الأموال وقد لا يجدوا شيئا ليأكلوه بعد شهور قليلة .. كم كانت تشتاق أن ترى النور.

لم يعد ينظر إليها كطفلة مؤتمن على رعايتها إلى حين, بل خصمٌ سينتزع منه كل جاهٍ بعد أعوام. بالطمع سقى بذرة الشر في قلبه وبالمكر رسم خطته .. ملأ رأسها بتراهات عن زملائها في المدرسة الذين يحقدون عليها لثرائها ويكرهونها لجمالها ويسخرون منها أمامها دون أن تدري. وفي الخطوة التالية من خطته الشيطانية أخرجها من المدرسة راضية, واستحضر للبيت معلمين منزليين, يلقنهم قبل الدرس ما يقولون, فأعطوها الجهلَ وقالوا هوذا العلم, الخرفات وقالوا سُنّة الحياة.

لم يفُت الخدام الملعون أن يغلق كل طاقة حولها يدخل منها نور. ذهب إلى معبد المدينة وبحث بين الكهان عن عبيد المال, ملأ بطونهم واشتراهم وعهد لهم تعليمها مباديء الدين, وأي دين,  فعلموها الخنوع والذل والقهر والاستكانة, التعصُب والغضب والتشدُق والمهانة, وتناسوا المحبة والرحمة والحق والأمانة. وإذا ما اشتكت يوما من سؤء معاملة "سيد البيت" لها عنفوها وزجروها لأن طاعة ولي الأمر واجبة وإن ظلم.

* * *

مرت أعوامٌ تلو أعوام, والصغيرة أصبحت شابة بالغة. لكن كلما كان يمر بها العمر يوما كان يزداد الظلام حولها قتامة. من رآها قال سبحان الخالق فيما أبدع ومن عرفها أسف لحالها ;شخصيةٌ مهزوزة مهزومة مهترئة, تظن السؤء في الجميع, بلا أصدقاء مقربين, سريعة الغضب, يتملكها الخوف والقلق من أي مجهول.. هكذا كان يراها الجميع .. إلا أنا.

أذكر ذلك اليوم حين قابلتها في السوق ودعوتها للحديث, ذكّرتها بأيام الطفولة حين كنا نلعب سويا في فناء المدرسة, أقسمت لها بأننا لم نكِنُّ لها إلا الحب والمودة. ذكّرتها بوصية أبيها التي خانها الخادم. أخبرتها عن ذلك الكاهن الأمين الشجاع الذي قتلوه خدام القصر لما حاول الدخول إليها, وعن حقها في الإرث الذي استولى عليه الخادم الشرير وعصابته وأنها تستطيع بكلمة واحدة منها أن تطرده وتنتزع حقها انتزاعا. وصفتُ لها القمر وجماله, البحر واتساعه, السماء وصفائها حتى تشتاق للنور الذي حرمها منه الخادم الجاحد. صرّحت لها بحبي ولم أُبقِ في قلبي شيئا إلا واخرجته.

انصتت لي جيدا حتى انتهيت ولم تنطق بكلمة واحدة, ثم وقفت واستدارت وأشارت بيدها للخدام فانهالوا عليّ سبابا وضربا حتى تكسّرت كل عظامي.

ليت شعري .. ماذا عليّ أن أفعل؟!
أأتركها لهلاكها كما ينصحني أصدقائي؟ .. لكن كيف أتركها وهي ضحيةٌ بلا ذنبٍ ولا جرمٍ. أم أحاول معها ثانية كما يحثّني ضميري؟ ولكن كيف وقد رفضتني أولا.. أم أنساها وأعشق غيرها؟ حتى إن نساها عقلي فلن يسلاها قلبي.