‏إظهار الرسائل ذات التسميات تجربة شخصية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تجربة شخصية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 31 يوليو 2011

أستاذ محمود جمعة


 لم أرد إهانة أي شخص فمصر بها عشرات الآلاف يحملون نفس الاسم لكني أدين أسلوب بعينه


يدق الجرس القديم في فناء المدرسة بصوته الباعث للأمل ليعلن انتهاء حصة وبدء آخرى, نتنفس الصعداء ونتبادل احاديثنا القصيرة الشيقة ويتشاكس بعض التلاميذ كعادة الأطفال في هذا السن, لكن سرعان ماينتشر الخبر في الفصل بأن الحصة القادمة هي حصة اللغة العربية فتتحول البسمات على وجوهنا لتجهم و بسرعة أفتش عن كراسة العربي في الشنطة بقلق لأتأكد من وجودها ولأطمئن أني اديت واجب الأمس كما أراد الأستاذ, ثم أتأكد مرة أخرى, وأخرى, واشعر بدقات قلبي تتسارع خوفا من أن اكون قد هفوت أو نسيت جزءا من الواجب.

وفي لحظة يُصدم فيها الباب بقوة ويُفتح بعنف ويتقدم استاذ محمود جمعة كقائد يغزو مدينة, فتتحول همهماتنا لصمت مطبق وينقبض قلبي في صدري وننتصب جميعنا واقفين, لا احتراما بل خوفا. يتقدم الاستاذ دون أن ينبث بكلمة واحدة ويجلس على "دكة الاستاذ", يرتب أورقه متجاهلا 45 تلميذا وقفوا انتباها لدخوله. وبعد دقيقة أو اثنتين وبدون أن ينظر إلينا يقول بصوت منخفض يسمعه فقط تلاميذ الصف الأول وبالكاد الثاني:

-          "السلام عليكم".
-          "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته".
ثم يسمح لنا بالجلوس إلا من لم يؤدي واجب الأمس.

يمر أستاذ محمود جمعة بيننا ببطء ثم يتوقف عند الواقف الأول:

-          "معملتش ليه الواجب يا حيوان؟"
-          "والله عملته يا استاذ بس نسيت الكشكول"
فيتجاوزه كأنه لم يسمع شيئا ويشير له بالخروج ثم يتوقف عن الثاني:

-          "وانت كمان اكيد نسيت الكشكول مش كده؟"
-          "لا يا أستاذ الكشكول معايا أهو بس والنعمة يا أستاذ والنعمة أمي تعبت امبارح وودناها المستشفى وملحقتش اعمل الواجب"
-          "طب اطلع اركن برة جنب زميلك"
وهكذا يحدث مع الثالث والرابع وتتوالى المبررات وتأتي الاعتذارات بعضها مصحوبا بالدموع لكن لا قلب لمن تستعطف. والنتيجة, 6 تلاميذ يقفون عند السبورة وقد حُكم على كل منهم بعشر جلدات.

يكمل جولته في الفصل ثم يشير فجأة لأحدنا, فيقف, "ما هي نواصب الفعل المضارع؟"  .. يتهته زميلنا ويتلعثم فيأتيه حكم لا رد له "اطلع اركن برة" ثم يلف 180 درجة بحركة خفيفة ويشير فجأة لتلميذ آخر "جاوب". يصيبه التخبط ويتسائل عن السؤال نفسه, "مش عارف السؤال يا روح أمك! طب اطلع اركن برة", فيشير لآخر فيقف يردد الإجابة بسرعة قبل أن ينساها " أن لن كي .. أن لن كي .." ويتصبب العرق بغزارة من وجه طفل في الحادية عشر من عمره فيأتيه الصوت الساخر "أن لن كي و ايه؟؟ اطلع جنب زمايلك" ثم يشير لآخر فيجيب "أن لن كي حتى لام التعليل" ثم آخر "أن لن كي حتى لام التعليل".

هكذا ينتهي الجزء الأول من حصة اللغة العربية – مرحلة الاصطياد, ثم يبدأ الجزء الثاني "حلقة التعذيب".

أربعة عشر تلميذا حكم على كل منهم بعشر جلدات كلٍ نتيجة لإثم ارتكبه. يطبق استاذ محمود جمعة نظرية "اللي تهيف باتنين" فلا يجد المعاقب مناص من أن يقدم يديه واحدة تلو الآخرى لينال عقابه على تقصيره. يجلس بقية التلاميذ متفرجين على عقاب زملاءهم, يشكر كل واحد ربه أنه لم يصبه الدور ولم يقف اليوم في صف المعاقبين.

-          "معلش يا أستاذ, سماح المرادي بكرة هجيب واجب بكرة وواجب انهاردة".
-          "والنبي يا أستاذ والنبي أمي كانت تعبانة والله العظيم ما بكدب"
لم تجد الدموع صداً ولا التوسلات أذنا صاغية وبدأ تنفيذ الأحكام.

لن أستطيع أبدا أن أنسى يد أستاذ محمود جمعة وهي مرتفعة عاليا تحمل الجلدة السوداء, ولا صوت الصفير الذي تحدثه وهي تشق الهواء, ولا طرقعة اصطدامها بكف صغير لطفل تملكه الذعر. آااااااااه يصرخ الطفل متوجعا ويقفز لأعلى في حركة غير إرادية ثم يتلوّى على الأرض كالدودة وينظر ليده التي صارت حمراء كالدم. يبكي وينوح, يسترق نظره لعيني الأستاذ علّه يجد عفوا لكن لا جدوى. ويأتيه الصوت: "ما انت لو كنت ذاكرت وعملت الواجب ماكنش زمانك قاعد تبكي دلوقتي زي النسوان".

خوف وذعر وبكاء وصراخ يملأ الفصل أما أستاذ محمود جمعة يقف كالمسخ أمام التلاميذ وقد هربت من وجهه كل شفقة و رحمة رافعا يده حاملة الجلدة السوداء استعداد للضربة الثانية.



هذا المشهد كنت أراه بصورة شبه يومية منذ 13 عاما, لصق بذاكرتي ولا يمكن انتزاعه. لست أعلم في تلك الفترة كان قد صدر قانون "منع الضرب" أم لا, هذا القانون الذي رفضه الكثيرون بحجة أنه اضاع هيبة المعلمين!. على أي حال, أستاذ محمود جمعة كان يمثل السلطة الباطشة التي تمسك بعصا القمع لتعاقب كل من يخرج عن إرادتها. وضع أمام تلاميذه طريقين لا ثالث لهما, إما الخنوع أو العقاب, لا يهمه كثيرا رضا التلاميذ أو مستواهم العلمي بقدر ما يمهه احتفاظه بالسلطة المطلقة.

كيف يخرج للمجتمع أناس صالحون مستوون نفسيا قضوا عاما كاملا مع أستاذ كهذا؟ وما الحال إذا كان في المجتمع مئة محمود جمعة أو ألف أو عشرة آلاف؟

لن تتعجب كثيرا, عزيزي, إن حاولت تفسير سلبيات المجتمع الحاضرة في ضوء درايتك بأستاذ كهذا. شخصٌ يخوّن آخر لا لسبب إلا أنه خالفه الرأي, هو شخص فطن على وجود طريقين فقط, إحداهما الحق والآخر الباطل .. لم يعرف يوما قيمة "الحرية" و "الاختيار".

إنسانٌ لا يهزه منظر أم ورضيعها ملقيان على جانب الطريق دون مأوى أو ملبس أو طعام, هو إنسان كان يوما يجلس ساندا ظهره متأملا أستاذه وهو يكيل الضربات لزملاءه في الفصل حتى ماتت في قلبه كل مشاعر إنسانية.

أبٌ قاسي على أبناءه, يضرب زوجته ولا يسمع صراخها.. كان يوما تلميذا ضربه أستاذه حتى صارت يده حمراء كالدم ثم نظر في عينيه فلم يجد رحمه.

و قس على هذا, قس كما تشاء وسوف تدرك جزءا آخر من الصورة .. أنظر حولك وتأمل, هل تذكر هذا  الذي فرح عندما عرف بموت أبرياء؟ قد زُرِع في قلبه أن يكره كل أخر.. هل سمعت عمن طربه صوت ذاك الانفجار؟ قد رنّت جلدة الأستاذ على يده يوما ولم يخلصه أحد.

لست أجد أبلغ من كلامات الإعلامي يسري فودة: أفيقوا يرحمكم الله .. نعم, أفيقوا يرحمكم الله فلن ينصلح حالنا وإن أقررنا مائة قانون بينما العقول هي هي, ضعوا مواد دستورية وأخرى فوق دستورية بل وتحت دستورية لن نتحرك ايضا قيد أنمله ما دامت العقول أصابها العطب وتكاثر عليها الصدأ.

منظومة التعليم في مصر – على أحسن تقدير – فاشلة, بداية من "أوضة الفيران" مرورا "بنسبة الحضور" وصولا لـ"نموذج الإجابة" .. فاشلة على المستويين التربوي والعلمي. فإن أردنا النهوض بأمتنا علينا تطوير مصنع العقول ولنهتم بالتعليم ثم التعليم وإلا فعد نفسك للبكاء على وطنٍ  كان اسمه مصــــــر.


الجمعة، 17 يونيو 2011

ماذا يحدث لو "الشمس خبطت في الجَمَر" ؟


بمناسبة خسوف القمر الأخير.. كلنا يعرف أن تلك الظاهرة تحدث نتيجة تلاقي الشمس والأرض والقمر على خط مستقم على الترتيب مما ينتج عنه أن أشعة الشمس تُحجب عن القمر بواسطة الأرض فنرى جزء منه أو كله قد أظلم. وكسوف الشمس كذلك يحدث عندما تتلاقى الشمس والقمر والأرض على خط مستقيم على الترتيب فيحجب القمر أشعة الشمس عن الأرض فتختفي عنا الشمس جزئيا أو كليا أو حلقيا .. لم أتفلسف!, فدرس الكسوف والخسوف كان مقررا علينا في منهج العلوم في الصف الثاني الإعدادي.





لكن هل درس العلوم هذا كان يكفي؟؟؟
أتذكر في صيف 1998 أخذنا أبي لقضاء بضعة أيام من الأجازة الصيفية ببورسعيد, لم أكن قضيت ربيعي الثاني عشر بعد, ومثلي مثل أطفال سني كنت مفعما بالحيوية أعشق الأماكن الواسعة والجري واللهو أينما وجدت. لكن تصادف لسوء الحظ (أو هكذا حسبت) أن أعلن التلفزيون عن حدوث كسوفا للشمس تراه مصر بعد يومين, وبدأت قنوات التلفزيون القليلة تستضيف ضيوفا يتحدثون عن الكسوف المرتقب. أتذكر تلك النبرة التخويفية التي كان يتكلم بها ضيوف التلفزيون الرسمي وحديثهم عن الأشعة الفوتونية الضارة التي تصاحب الكسوف وأن من سوف يتجرأ وينظر للشمس أثناء الكسوف سوف يصاب بالعمى لا قدر الله وملخص الرسالة أن يلتزم الجميع بيوتهم ولا يخرجوا منها ويدعوا الله أن يمر ذاك اليوم بسلام.

لا أنكر أن الخوف أصابني لبرهة بعد جرعة تحذيرات وتخويفات لكن أبي جلس معنا وبين لنا أن ما يقوله التلفزيون هذيان وشرح لنا سبب الكسوف وأبعاده حتى اطمأن قلبي. وفي ليلة الكسوف بينما كانت السيارات تجوب شوارع بورسعيد محذرة السكان والمصطافين من الخروج للشوارع غدا كنا نحن في غرفة الفندق المتواضع مشغولين بالبحث عن قطعة زجاج لنسودها بشمعة لنراقب الكسوف في اليوم التالي.

استقيظنا في الصباح الساعة السادسة كالعادة وتناولنا إفطارنا وجهزنا أمتعتنا وخرجنا للقاء شاطيء البحر الجميل, بدت المدينة يومها مدينة أشباح, خلت من كل حركة وصوت اللهم إلا بعض القطط التي كانت تجري هنا وهناك كأنما أصابها الذعر هي أيضا وصوت موتور سيارتنا. وصلنا الشاطيء العام الذي اعتدنا ارتياده وقد بدا المشهد غريبا حقا فهذا الشاطيء كان يعج دوما بالمصطافين أما اليوم فهو خالي حتى من حارس الشاطيء. نصبنا شمسيتين وجمعنا بعض الكارسي وجلسنا تحتيهما. كان اليوم رائعا وهادئا, الشاطيء يجلس وقورا بينما البحر يداعبه بأمواج خفيفة متتابعة والسماء ترسل رياحا حلوة بين الحين والآخر والشمس وقفت متلألأه في كبد السماء تراقب هذا المشهد الجميل الذي أبدعه الخالق.

قضيتُ واخوتي يوما مخلتفا, ذرعنا الشاطيء بطوله جيئة وذهابا, نصرخ بأعلى أصواتنا فتختلط بصوت الأمواج غير مبالين بأحد فلا أحد ههنا ليسمعنا ثم ندخل البحر ونغوص على مقربة من الشاطيء ثم نلعب قليلا على الرمال ونبحث عن الأصداف متبارين من يجمع أكبر صدفة. وعندما بدأ الكسوف دعانا أبي لنراقبه من خلال قطعة الزجاج السوداء التي أحضرناها معنا وألتقطنا صورا تذكارية ونحن وحدنا على الشاطيء الطويل مازلت احتفظ بها إلى الآن بالتأكيد.

عادت الحياة في اليوم التالي لطبيعتها, لم يختلف إلا حديث الناس فكان موضوع كسوف البارحة هو حديث الساعة, وعندما وفقنا بالسيارة في الصباح أمام إحدى الأكشاك لشراء مأكولات سريعة سمعنا المرأة في الكشك تقول لأحد زبائنها "اصل احنا كان خوفنا ايه ؟ للشمس تخبط في الجمر يحصل انفجار". ضحكنا في السيارة كثيرا من قول تلك المرأة وكنت ولازلت أكرر مقولتها هذه على أصدقائي على أنها مزحة ثم أقول لهم: من الجهل ما قتل;... من يدري, لعل تلك المرأة لم تنل قسط من التعليم للتعرف على الأجرام السماوية أو لتدرك ان المسافة بين الأرض والشمس تبلغ 390 ضعف المسافة بين الأرض والقمر, من السهل أن أفترض هذا لكن لا استطيع أن أسلم بأن مدينة بورسعيد بكاملها لم يوجد فيها إنسان درس الكسوف والخسوف في المرحلة الإعدادية!. لا, بل هو الإعلام الضال المضلل الذي بث الرعب في قلوب المصريين حتى جعل الملايين من الشعب يتصرفون في يومٍ كجهلاء, من نال منهم قدر من العلم ومن لم ينل.

الإعلام كان و – للأسف – لا يزال يبث الرعب والخوف في قلوبنا كلما عقدنا عزمنا على عمل جليل, ليس الإعلام فحسب بل كثير من المسؤولين والقادة والسياسيين وغيرهم, وبالطبع تذكر مثلي "تامر بتاع غمرة" كمثال للاستخفاف بالعقول و نشر الذعر الكاذب حتى خيل للبعض أن ميدان التحرير به ديناصورات وكائنات فضائية عجيبة تلتهم البشر! .

ليخيفونا قالوا أن من أشعل الثورة عناصر خارجية, ليخيفونا قالوا أن الثوار يأكلون الكنتاكي!, ليخيفونا قالوا نشطائنا ماسونيين, ليخيفونا قالوا بعد مبارك الفوضى, ليخيفونا قالوا إسرائيل تستعد لغزو سيناء, ليخيفونا قالوا إما الأمن أو الحرية, ليخيفونا قالوا إما الكرامة أو الخبز, ليخيفونا قالوا فتنة طائفية, ليخيفونا قالوا إقتصاد ينهار, ليخيفونا قالوا جمعة وقيعة, ليخيفونا قالوا جاسوسا قاد الثورة, ليخيفونا قالوا وقالوا وسيقولوا ويقولوا كل ما هو كذب وخداع وتضليل.

علمتني الحياة أني عندما لم أخف من مهاترات التلفزيون حول الكسوف قضيت يوم ولا أروع على شاطيء بورسعيد.
عندما لم أخف من تهديدات الشرطة البائدة شاركت في جمعة الغضب 28 يناير وسوف أظل طول عمري أفخر بأني شاركت في هذا اليوم العظيم الذي سقط فيه مئات الشهداء ممن أحبوا بلادهم بحق.
عندما لم أخف من التخويفات بالبلطجية والوقيعة قضيت يوما رائعا في الميدان تحت قطرات المطر الخفيف بعيدا عن الشعارات والايدولوجيات والصفقات السياسية وسط أناس أحبوا مصر.

الخوف طبيعة فينا لكن لا تدعهم يتلاعبون بك بل أغلب التخويف بإيمانك وشجاعتك وعقلك.



الأربعاء، 25 مايو 2011

هكذا عَبَرَتْ الطريق


بينما كنت جالسا في الأتوبيس صباحا منتظرا أن يتحرك أطرقت متأملا زحام البشر الذي كنت جزء منه منذ لحظات و صخب العربات في وسط ميدان رمسيس. وتحت أشعة الشمس الحارقة وقفت على إحدى جانبي الطريق إمرأة عجوز في تقديري تجاوزت السبعين, تملأ التجاعيد وجهها البسيط, قصيرة القامة و قد أحنت السنين ظهرها قليلا, تحمل في يدها شنطة سوداء صغيرة تماما كما اعتدت أن أرى السيدات العجائز.

وقفت للحظات حائرة, قليلة الحيلة كيف ستعبر الطريق الواسع المزدحم, وبينما هي على هذا الحال تقدم نحوها بخطوات واسعة سريعة أمين الشرطة الممشوق القامة ذو النظارة السوداء ومد لها يده باحترام مقدما المساعدة, لم تستطع أن تنظر وجهه بسبب انحناء ظهرها لكنها حركت شفتاها معبرة عن امتنانها وتناولت يده.

سار معها رجل الشرطة خطوة خطوة بهدوء يعبران الطريق وقد اتكأت عليه وهو يشير بيده اليسرى بين الحين والآخر للعربات حتى يعبران ولما وصلا إلى الجانب الآخر مددت يدها ورتبت على ظهره ثم مالت على ذراعه وقبّلتها.

الاثنين، 25 أبريل 2011

الازدواجية .. تغييب أم خداع للعقل؟


بعد يوم عمل طويل وفي طريق عودتي للمنزل أخذت مكاني على مقعد في عربة المترو في محطة رمسيس "حسني مبارك سابقا" ومع العلم إنني لست من هواة التسابق على المقاعد الخالية إلا أني كنت منهكا يومها جدا وشكرت ربنا لمّا وجدت مقعدا خاليا فقررت أن أجلس وسندت رأسي على المسند بجواري وقد رخيت جسمي منتظرا مرور 8 محطات حيث اعتدت أن أنزل في محطة فيصل.

بعد محيطات قليلة صعد إلى العربة - من باب الصعود! - رجلٌ و امرأتان منتقبتان وكانت العربة قد أخذت تزدحم قليلا, الرجل تقريبا في منتصف العقد السادس من عمره والمرأتان تبدوان إحداهما زوجته والأخرى ابنته أو شيئا من هذا القبيل, وبالرغم من أني من أولئك الشباب الذين كثيرا ما يسمعون عبارات من أمثال "شكرا يا حبيبي" و "ربنا يخليك يا ابني" في المواصلات العامة حين أترك مقعدي لرجلٍ أو امرأةٍ مسنة إلا أنني قررت ألا أترك مقعدي لسببين, الأول وهو الذي قلته لنفسي هو أنني متعب وأحتاج للراحة والثاني وهو الذي خبأته في قلبي هو أن المرأتين منتقبتين (نعم أعلم أنها عنصرية بغيضة), أصل كلام بيني وبينك في السر أنا ما بحبش الستات المنقبات بحسها كده كأنها بتشتمني أو بتعاملني على أني حيوان مستني يشوف اللحمة عشان ينهشها (ومن فضلك لا تترك تعليقا يتعلق بموضوع النقاب لأنه ليس موضوعي الآن), المهم, بدأت المرأتان تجولان بناظريهما على المقاعد كأنهما تبحثان عن مكانٍ خالٍ ولسان حال أعينهما المستترة يقول "يالا حد يخلي عنده دم ويقوم عشان نقعد", لكن من الواضح إن مش أنا بس اللي ماكنش عندي دم, فقد لم يقم أحد ليجلسهما.

تنتن تنتن, صفرت الصفارة مرتين, أُغلق الباب و تحرك القطار مكملا رحلته, تحرك معه عقلي وقلبي في جدلٍ قصيرٍ لكنه عميق, قلت لنفسي: ما بالك جالسا هكذا بمنتهى البرود وأمامك امرأة عجوز واقفة, هَبْ أنها أمك, هل كنت لتتركها واقفة هكذا؟؟ قم الآن كشهمٍ واترك لها مقعدك .. لكني كل يومٍ أترك مقعدي لآخر, أنا شهمٌ أما اليوم فأنا بحق متعب, انتظر قليلا لعلهم نازلون المحطة القادمة .. هل لم تقف بعد؟ قم الآن ولوِّح بيدك اليمنى للرجل العجوز ليرسل إحدى امرأتيه لتجلس مكانك, وهذا بدوره سوف يُكسب ديانتي بنطا عندما يرى الناس شابا موشوم ساعده بصليب يترك مكانه لمنتقبة .. هل جننت؟ هل حقا ستترك مكانك لامرأة خبأت وجهها حتى لا تراها؟ هل ستفعل خيرًا مع رجل يحسبك كافرًا؟ .. وهكذا امتلأ رأسي المُتعَب بأفكارٍ متواترة سريعة لكنها كثيرة حتى أخيرا حسمت أمري أني ... لن أترك مقعدي أبدا, وتنفست الصعداء مستريحا لقراراي الذي أخذته.

وما كدت أرخي جسمي ثانية طاردا عن رأسي تلك الأفكار حتى حدث ما لم يكن في الحسبان, فقد قام الشاب الملتحي عن يساري داعيا المرأة العجوز أن تأخذ مكانه, يبدو أنه كان في معركة فكرية داخلية هو أيضا لكنه ذهب لعكس ما ذهبت أنا, شَكَرَته المرأة الوقور وجلست بجواري, تبعها الرجل و المرأة الأخرى ووقفا أمامنا, شعرت بالحرج للحظة لكني لم ألتفت إليهما لأن هذا سوف يزيد حرجي وأخذت أردد بداخلي حيثيات قراري الأخير حتى لا أتوانى و ظللت أُذكّر نفسي أني متعب وأن هؤلاء القوم يحسبونني كافرا وغيرها من الأفكار التي تشدد من أزري. قطع حبل أفكاري صوت رجل عجوز يقول لي: "يا أستاذ" فالتفتُ, فأضاف "ممكن لو سمحت بعد إذنك عشان المدام حامل" وأشار إلى المرأة الأخرى الواقفة. بدون تفكير وفي لمح البصر تركت مكاني وذهبت إلى باب العربة حيث كانوا هم واقفين, تبعتني عبارات استحسان و شكر لكني لم أستمعها جيدا لأني كنت متوترا.

بعد بُرهة عنّفني فكري قائلا: ها أنت قد وقفت ولم تستطع أن تجيب الرجل ولو بكلمة واحدة يالك من جبان. فأجبت نفسي: أنا فعلا قد قررت أني لن أقوم لكني لم أكن أعلم أن المرأة حامل. قاطعني فكري ثانية: هه, أنت ساذج, أي امرأة لكي تقيم رجلا تقول أنها حامل, ثم هَبْ أنها فعلا حامل, لماذا جلست المرأة الأخرى أولا؟ كان بالأولى أن تترك صاحبتها الحامل لتجلس أولا, ههه لقد خدعوك وكذبوا عليك وأنت شربتها كمعتوه. وهكذا ظلت الأفكار تراودني وتطاردني حتى أخيرا وصل القطار محطة فيصل فهممت بالنزول.


إنها الازدواجية, ازدواجية الفكر, التي دائما ما تضع صاحبها في مأزق حينما يكون للمرء معايير مختلفة في الحكم على الأمور. والحياة مليئة بالمعضلات ونحن ملآنين بالنزعات. أذكر على سبيل المثال هؤلاء القوم ذوي خلفية "إحنا آسفين يا ريس" فكثير منهم تحت وطأة التأثير الإعلامي رضخوا أخيرا أن الرئيس السابق لم يكن الرجل الكفء الذي حسبوه بطلهم لكنهم مازالوا متعلقين به عاطفيا لذلك تجدهم يرفضون أن يحاكَم و إذا سألتهم لماذا يقولون "حرام", فهم وقعوا في الازدواجية ما بين شعورهم بالرأفة ناحية إنسان طالما أحبوه وبين وقائع فساد وإهدار المال العام تملأ الجرائد كل يوم.

وأيضا صفحات الفيسبوك من أمثال شباب 6 أبريل أو كلنا خالد سعيد وكثير من الشباب المصري فمع احترامي الشديد وتقديري لهم إلا أن أحدهم لم يحرك ساكنا لقضية المدون المصري الذي حُكِمَ عليه بالسجن كنتيجة لرأي قاله, فبالرغم من أنهم يتحدثون كل يوم عن المصري الجديد وضمان حرية الرأي و التعبير إلا أنهم أيضا سقطوا في فخ الازدواجية اللعين, ما بين مطرقة رفض المحاكم العسكرية للمدنيين والدفاع عن حرية الرأي و سندان فقدان كثير من الشعبية إذا دافعوا عنه لأنه يحمل موقفا مغايرا تجاه إسرائيل.

ازدواجية أيضا يسقط تحت رحاها عشرات الملايين من المصريين, الذين يتحدثون ليل نهار عن المواطنة وعن تساوي جميع المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين أو الجنس أو اللون, ثم تجدهم يرفضون أن يتولّى عليهم محافظ قبطي أو رئيس قبطي. هم يئنون تحت عجلات ازدواجية الفكر, ما بين مبادئ دينية وإنسانية ووطنية ترسخت في أذهانهم عن أن الجميع سواء وما بين فتوى أحد أو بعض الشيوخ عن حُرمة أن يتولى قبطي على مسلم, ولهذا تخرج مواقفهم مشوبة بازدواجية عجيبة.

لستُ أدعي المثالية لكن من حقي أن أبحث عنها, فأنا أيضا في حياتي اليومية أتحسس ازدواجيتي في كثير من الأمور, فأحيانا أتعرض لموقف ما مرتين, أتصرف في كل مرةٍ تصرفا عكس الآخر, في المرة الأولى أبرر موقفي بأني كنت أطيع والديّ و المرة الثانية أبرر موقفي بأنه من حقي أن أستقل و أن أفعل ما يحلو لي. ولمّا أرى حرب الإرهاب فكري قد أضرمت, أغضب بشدة وأكتب وأتحدث مع هذا وذاك عن حرية الاعتقاد وحرية الاختيار وما أن أجلس إلى نفسي حتى أجدني لم أختر يوما ما هي عقيدتي!.

هناك ملاحظة أخيرة, لم يتوقف القطار ليسألني سائقه عما أصابني من حيرة بل أنا الذي نزلتُ في محطتي. لم يعقد ركاب القطار مؤتمرا جماهيريا ليبحثوا معي ما راودني من أفكار وعن موقفي تجاه الرجل و المرأتين المنتقبتين.
فسوف تظل الحياة مليئة بالمعضلات وسوف نظل نحكم بمعايير مزدوجة. وسوف نظل نتفلسف ونتحذلق ونتفزلك و نتحلفص (لا تسألني عن معنى نتحلفص) حتى نبرر مواقفنا ونُطمئِن أنفسنا لسلامة مبادئنا بينما قطار الحياة .. يسيــــــــــــــــــر.