الخميس، 24 يناير 2013

يوم من عمره .. قصة قصيرة


- يا راجل فذ قوم الساعة سبعة وربع مش عاوزه اتأخر عالشغل.
قام محمود من نومه مفزوعا وهرول للمطبخ بخطى سريعة بعينين يعلوهما الغماص, ملأ البراد حتى نصفه بالماء واشعل النار تحته على اوجها ووضع ملعقتين كبيرتين من السكر وملعقة شاي في الكوب ووقف منتظرا.

لّما دخل عليها محمود ممسكا بكوب الشاي بين اطراف بيجامته كانت قد انتهت من ارتداء ملابسها. برشفات قصيرة وسريعة ومتقطعه اجهزت على الشاي الساخن في زمن قياسي. وقالت بصوت حاسم وهي خارجة:
- انهاردة الخميس هرجع بدري.
ثم انرزع الباب.

 * * *

- كنت هنسى انهاردة الخميس الاول من الشهر ميعاد صرف المعاشات!
قالها محمود فجأة بصوتٍ عالٍ كأنه يُحَدِّث أحدا.

محطة الاتوبيس مزدحمة كالعادة.بعد انتظار دام حوالي النصف ساعة  وصل 791 بشرطة. جلس محمود بجسده الصغير متقوقعا بجوار النافذة. صعدت للاتوبيس إمرأة بدينة, جالت عينيها على الراكبين بنظره محترفة,  ثم حددت ضحيتها, جلست بجوار محمود وقد احتلت حوالي ثلاث ارباع المقعد.

بغير خجلٍ ولا حياءٍ أخذت تتفحص تفاصيل جسده ثم اخرجت سيجارة وبدأت تلتهمها.
- أهرام ومصري يوم السابع حرية وعدالة والحوادث.
أوقفت البائعة الصغيرة واعطتها جنيها. كان محمود يخرج انفه من الشباك مفضلا العوادم على رائحة التبغ المحروق التي ملأت الاتوبيس. بنظره خاطفه غير مقصودة لمح الجريدة بجواره. صورة تحتل الصفحة الاولى لشاب في حوالي الـعشرين من عمره لا يرتدي إلا سرواله الداخلي, حُجِبت عيناه بشريطة سوداء ومكتوب تحتها بالبنط العريض: "اربع سيدات يتناوبن على اغتصاب فتى تحت تأثير البنج" .. ياللهول!

* * *

أخد محمود دوره في الطابور وبعد انتظار تلاه انتظار وصل أخيرا للشباك. نساء يعملن حينا ويتحادثن أحيانا. رسم على وجهه ابتسامة يتصنع بها التودد وقال للموظفة: السلامُ عليكم. رمقته بنظره فيها احتقار لم تخفيه واجابته بغلاظة:
- ورقك يا استاذ انت جاي تخلص مصلحتك ولا تحكي.
وما أن أخذت منه الاوراق وبدأت تنظر فيها, وتنفس محمود الصعداء حتى رن صوتٌ اسكت كل صوتٍ في المكتب:
- كيرياليسون كيرياليسون صلاة الساعة السادسة من النهار المبارك أقدمها للمسيح ملكي وإلهي وأرجوه أن يغفر لي خطاياي.

تركت كل الموظفات أعمالهن غير عابئات بطوابير المنتظرات والمنتظرين. واصطففن في أحد اركان المكتب وبدأن يؤدين شعائر الصلاة التي يحرصن على تأيدتها كل يومٍ في موعدها. والموظفون أيضا دخلوا أحد الغرف واغلقوا الباب ليصلوا. فبولس الرسول قال "واظبوا على صلاواتكم" وفي المزمور يقول داود "سبع مرات كل يوم سبحتك على أحكام عدلك"

* * *

أخيرا انهى محمود مهمته بنجاح وقبض المعاش, حقا مبلغ ضئيل لكنه يعينهم على مصاعب الحياة. وابتدأت رحلة العودة التي لم تكن أقل مشقة من رحلة الذهاب.

انحشر في وسط اتوبيس مزدحم للغاية حتى كاد يختنق, الجو الحار وشمس يوليو الحارقة حولت الاتوبيس لما يشبه أفران الصهر العالي. يحاول محمود بقدر الامكان تجنُب اللمسات المقصودة وغير المقصودة لجسده من هنا ومن هناك. إحدى الراكبات يزعق تليفونها بما يبدو انه ترنيمة لا يستطيع ان يفسر من كلماتها شيئا.
الطريق شبه متوقف, خناقة في وسط الشارع بين سائقتا ميكروباص: مش تفتحي عينك يا ** ابوكي.
حاول محمود كثيرا تفسير العلاقة بين أعضاء الأب التناسلية والإهانة المتعمدة لكنه فشل.

صعد للاتوبيس شاب قوي أبيض البشرة مفتول العضلات, اتجهت إليه كل الأنظار, وقفت سيدة يبدو على وجهها الطيبة وتركت مقعدها لذاك الشاب. جاءت جلسته بجوار راهبة ترتدي صليب ضخم على صدرها, استاءت الراهبة جدا لجلوس ذلك الشاب بجوارها أخذت تستغفر وتتلو صلوات سريعة سمع محمود منها: ويل لمن تأتي بواسطته العثرات.

صوت الأجراس يعلو ويعلو في سماء المدينة حتى لم يعد أحدٌ قادر على سماع أحدٍ , إنها ليست نواقيس إعلان الحرب, بل هي أجراس الكنائس تعلن ميعاد صلاة الساعة التاسعة.
الآن الثالثة والنص! لابد أنها عادت للمنزل!.

* * *

عاد محمود للمنزل منهك القوى تماما, جسديا ونفسيا, وما ان دخل حتى استقبلته عاصفة من الغضب. وصرخت فيه بصوت حاد ينذر بالشر, عالي سمعه القاصي والداني: 
كنت فين يا راجل لحد دلوقتي؟ عليا الطلاق لو حصل ورجعت تاني من الشغل وملقتش الغدا جاهز لكون مبيتاك عند أمك.

الجمعة، 18 يناير 2013

اتوبيس السيدات .. خطوة جديدة على طريق الكبت الجنسي


فيه قاعدة سياسية بتقول ان المُشرِّع الشاطر هو اللي يعمل قانون يقبله الشعب بسلاسة, لان المُشرِّع دوره انه ينظم حياة الناس مش انه يكتم على نفسهم ولا يلخبط حياتهم.

يعني على سبيل المثال ما ينفعش المُشرِّع الأمريكي ينسخ قوانين الحرية الشخصية من السعودية, وإلا الأمريكان في خلال 24 ساعة هيعملوا ثورة تسقط الدولة بالكامل. وماينفعش المُشرِّع في مصر يقولك هنقفل المحلات الساعة 10 زي ألمانيا, ده الغباء بعينه, لان طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والظروف المناخية في ألمانيا غير مصر, فاللي يناسبهم مش بالضرورة يناسبنا.

إذن مفيش قوانين مطلقة تناسب كل الشعوب في كل الازمان, القوانين نسبية, لأن طبيعة وأمزجة الشعوب تتوقف على متغيرات كتيرة وكل شعب هيكون مبسوط بالقوانين اللي تناسبه. الشعب المتحرر هينبسط بقوانين الحرية, والشعب المحافظ هيفرح بالقوانين المقيدة للحرية.

فيه مثال تاريخي يحضرني, لما كانت الامبراطورية الرومانية بتتوسع جغرافيا وبتبسط نفوذها في اوربا والعالم, حصل ان بلد صغيرة سيطر عليها الرومان وكانت قوانينها غريبة, عندهم القتل والسرقة مش جريمة, فأهلها معرفوش يتأقلموا مع القوانين العامة في الإمبراطورية الرومانية, فراح الحاكم الروماني للبلد ديه مع وفد من سكانها للحاكم الأعلى للمقاطعة وعرضوا عليه المشكلة. فكان رد حاكم المقاطعة على حاكم البلد: أحكم بينهم داخليا بقوانينهم الهمجية.
فخلينا نتفق ان الشعب المتحضر هيقبل القوانين المتحضرة والشعب الهمجي هيقبل القوانين الهمجية, إذا ما اتفقنا على تعريف التحضر والهمجية. وكون شعب فرحان بقوانينه مش معنى كده انه هو ده الوضع المثالي.


قبل تطبيق الكلام النظري ده على الوضع الحالي في مصر عمليا لازم اذكر مثلث برمودا, مثلث الرعب, الممنوع الاقتراب منه, واللي هيتمسك متلبس بيحاول يدخل ليلته سودا ومطينة بطين, مثلث برمودا المصري له 3 اضلاع: السياسية والدين والجنس.


الشعب المصري بيعاني من 3 عقد نفسية : عقدة سياسية وسببها الخوف, عقدة دينية وسببها الهوس, وعقدة جنسية وسببها الحرمان.
وبالمناسبة كلمة عقدة نفسية مش شتيمة, الشعوب زيها زي الأشخاص, كلنا عندنا عقد نفسية بس كل واحد عقدته النفسيه في حتة.

العقدة النفسية السياسية:
سببها الخوف من بطش السلطة الحاكمة, من ايام عبد الناصر لحد دلوقتي. فانت كمواطن قدامك 3 اختيارات:
- اما تقبل على نفسك تكون خروف تؤيد السلطة الحاكمة تأييد اعمى.
- أو  تعارضها فهيكون مصيرك التشوية او السجن او الاعتقال او حادثة عالصحراوي.
- أو تنفض للسياسة وتمشي جنب الحيطة وماتخافش هتلاقي لنفسك مبررات كتير.
أغلبية الناس بتلجأ للاختيار التالت, ومع الوقت, الشعب المصري في عمومه بقى سلبي وبعد عن السياسية, والكلام عنها بقى حرام. وإن كانت ثورة 25 يناير فشلت لحد دلوقتي في تحقيق اهدافها إلا انها نجحت نجاح ملحوظ في تراجع الخوف من بطش السلطة السياسية وإن كان مازال مستمر.

العقدة النفسية الدينية:
سببها الهوس الديني, الهوس وليس التطرف, الانسان المصري مهووس بالدين, المتطرف مهووس والمعتدل مهووس. والهوس بيئة صالحة للتطرف. واعتقد ان الهوس الديني هو ما يحلو للمصريين تسميته "التدين" ومن هنا جاءت اسطورة الشعب المصري متدين بطبعه  .. عموما الكلام عن الهوس كتير مش مجاله دلوقتي.

اللي عايز اقوله ان من نتائج العقدة النفسية في الدين عن المصريين, انهم بيفرحوا بالقوانين اللي بتعمق عقدتهم النفسية, في ظاهرة أشبه بالتلذذ بتعذيب الذات. مثلا المصريين فرحانين بقانون يمنع غير اصحاب "الديانات السماوية" من ممارسة شعائرهم الدينية في العلن. المصري بيفرح انه دينه مكتوبله في البطاقة, مبسوط ان في الدستور مكتوب دين الدولة. مبسوط لانه دايما قريب من عقدته النفسية لأنه لو بعد عنها بيشعر بعدم الأمان.

العقدة النفسية الجنسية:
سببها الكبت الناتج عن الحرمان, فتلاقي الشاب (أو الشابة) المصري يا عيني عنده طاقة جنسية, زيه زي اي شاب في العالم, ربنا خلقنا كده, واحتياجه الجنسي لا عارف يشبعه شرعيا (حسب تعريف المجتمع لشرعية العلاقة الجنسية) عشان معندوش شقة ولا مهر ووظيفته معيشاه بالعافية ولا هيقدر يصرف على بيته ولا يدخل عياله مدارس, وفي نفس الوقت مش عارف يشبعها غير شرعيا عشان عليه رقيب خارجي بيحكم عليه في كل كبيرة وصغيرة ورقيب داخلي بيطارده دايما بالاحساس بالذنب. وزي ما قال اللمبي -بتصرف- يا تجوزوهم يا توفرلهم الكلة.

المهم, كبت فوق كبت فوق كبت فوق كبت, له نتيجة من الاتنين:
- إما هيتغلب على القيود الجنسية فينفجر, خلي بالك الانفجار هنا عنيف, لان التغلب على القيود الجنسية يتطلب اولا التغلب على القيود الاجتماعية والدينية, فا هيكفر بقيم المجتمع وهيكفر بالدين, وحتى لو ماصرحش غيره او نفسه بكده لكن ده المستقر جواه.
- أو هتتغلب عليه القيود فيتعقد نفسيا,
عشان كده تلاقي المصري يجيد قراءة كل كلمة وكل حركة وكل موقف قراءة جنسية. وبجانب الابعاد الاربعة الفيزيائية فيه بُعد خامس يراه المصري في كل شيء, البُعد الجنسي.
شعر البنت إيحاء جنسي يثير الغرائز, لو واحد لمس ايد زيملته تبقى منتهى قلة الادب, لو اتكلموا بصوت واطي يبقى اكيد فيه سيكو سيكو, لو وصلته بعربيتها يبقى فيه حاجة مخبينها, لو ركبوا مع بعض الاسانسير تبقى خلوة غير شرعية, لو قعد جنب بنت في اتوبيس يبقى سافل وبيعاكسها, لو هي بتكلم اصحابها عالفيسبوك تبقى ماشية المشي البطّال, لو حطة صورتها على تويتر تبقى عايزة تصيد رجالة .. إلى آخره من مظاهر تخيل وجود بُعد جنسي غير موجود في الواقع.

وعلى نفس طريقة التلذذ بتعذيب الذات, هتلاقي المصريين بيفرحوا بالقوانين اللي بتجذر احساسهم بالعقدة النفسية الجنسية, هيفرحوا بمنع المرأة من العمل في بعض الوظايف, أو فرض زي معين على المرأة, أو تخصيص عربية في المترو للستات, إلى آخرها من مظاهر التمييز الجنسي.

مبادرة تخصيص اتوبيس السيدات وما على شاكلتها, وإن لاقت قبول شعبي, فهي مش بتحل مشكلة لكن بتزود عمقها.

الخميس، 10 يناير 2013

تغيير نصوص القُـدّاس


Copts will relate

ايه المشكلة ان يحصل تعديل أو تغيير في بعض نصوص القداس بحيث تتماشى اكتر مع متغيرات العصر؟
دلوقتي فيه في القداس بعض النصوص قديمة ومحتاجة تغيير وفقدت معناها الواقعي اللي بيمس حياة المصلين او الناس عموما وفيه بعض المفاهيم تغيرت مع الزمن لكن نصوص القداس لسة ما اتغيرتش.

على سبيل المثال لا الحصر:

- في أوشية الموضع, بنصلي من اجل خلاص العالم ومدينتنا وكل المواضع, وبيكمل الكاهن: ونجنا من الغلاء والوباء والحريق وسبي البربر .. سبي البربر ده انتهى من زمان دلوقتي ملهاش معنى ان الواحد يصلي ربنا ينجيه من البربر. وبنفس المنطق الصلاة من اجل المسبيين, دلوقتي مفيش سبي.

- الصلاة من اجل صعود مياة النهر .. بعد بنا السد العالي المية بقت بتتخزن ومابقيناش محتاجين فيضان النيل كل سنة زي زمان, او على الاقل مش هي ديه الحاجة اللي الناس حاطاها في بالها وشايلة همها عشان تصلي عشانها.

- تحديد الصلاة من اجل الارثوذكسيين .. جايز يكون ده كان الوضع الطبيعي في وقت الكنيسة كانت بتبص لباقي الطوائف المسيحية على انها دخيلة أو هراطقة أو ضالين مضلين. لكن دلوقتي الوضع اتغير. دلوقتي في تعايش وقبول اكتر بين الطوائف المسيحية المختلفة, سواء على مستوى الشعب او على مستوى القيادات الدينية, فمفيش داعي اننا نصلي لنفسنا بس واحنا بندعو للوحدة المسيحية.

وقس على هذا فيه امثلة كتير ... 


اعتقد ان الكلام ده هيواجه باعتراضين اساسيين.

الاعتراض الاول: ان نصوص القدّاس مقدسة كتبها آباء الكنيسة الاوليين من قرون طويلة واحنا لا نملك تغييرها.
الاعتراض ده مردود عليه:
اولا قدسية نص القداس تختلف عن قدسية النص المقدس scripture وهو قابل للتغيير لانه غير موحى.
تاني حاجة القداس متقسم اجزاء, انا مش بتكلم عن core اللي بيختص بالعقيدة وكده كلامي اغلبه عن طلبات بتتوقف على المكان والزمان.
القداس بصورته الحالية مش هي نفس الصورة اللي اتكتبت زمان, انا معملتش دراسة تفصيلية عشان اقول ايه اتغير امتى لكن بنظرة سريعة ممكن نكتشف حاجات اتضافت قريب, مثلا:
- في اوشية المسافرين الكاهن بيصلي من اجل المسافرين في البر والبحر والجو وكل الطرق المسلوكة. والمعروف ان الانسان مابدأش يتسخدم الجو في السفر غير في نص القرن العشرين.
- الصلاة من اجل نجاح الطلبة وعمل للمحتاجين, مشكلة زيادة البطالة ما استفحلتش غير مؤخرا.

الاعتراض التاني: ان النصوص ده ناخدها بمعناها الروحي مش الحرفي 
برضة مردود عليه, لانها لما اتكتبت كان يقصد بيها معناها الحرفي.
ان كنا ما ينفعش نغير نصوص الكتاب المقدس فبناخد معناها الروحي إلا اننا نملك تغيير نصوص القداس فمش محتاجين squeeze معناها عشان تتماشى مع مفاهيمنا الحديثة.

بس..

الأربعاء، 28 نوفمبر 2012

مؤيدو الديكتاتورية


اتعجب كيف لمن نادى بالحرية مرةً أن يرضى بالاستبداد ولمن ثار ضد الظلم أي يخنع أخيرا للديكتاتورية, بل ويؤيدها, ظانا أنه يؤدي عملا جليلا. هل ما كان يطلبه قديما حقا حرية؟ أم إنه خُدع ببضاعة زائفة روجوا لها أنها حرية؟

لن أطيل الحديث, فقط أحاول تفسير أسباب قبول ديكتاتورية إعلان مرسي الديكتاتوري مِن قِبل أولئك الذين ظنوا يوما انهم يريدون "حرية". كما حاولت قبلا تفسير مواقف مَن قبلوا مقتل مئات الشباب ومَن أهانوا ست البنات.

سأقسِّم من خنعوا للاستبداد الجديد لطوائف, مُبيّـنا وموجِزا أسباب قبول كل طائفة لذلك الاستبداد .. وإن وجدت في كلامي إهانة شخصية تذكر أن لكل قاعدة شواذ, تستطيع ان تعتبر نفسك من استثناءات تلك الطائفة, والموضوع ليس شخصي على أي حال.

1- الاخوان المسلمون:
أو الاخوان المُسيَّرون, أو الاخوان منزوعي الإرادة. نزعوها بأنفسهم, أو انتزعت منهم, ووضِعت بين يدي الرأس المُتسِّلط, أو مكتب الإرشاد كما يسمونه. يريدون كما يريد, اذهب فيذهب, جيء فيجيء, اغضب فيغضب, اهدأ فيهدأ. ليس لهم إرادة في ذواتهم إلا ما يراد لهم أن يريدوا. أولئك قبلوا الاستبداد لأنه قيل لهم: اقبلوه.

2- السلفيون:
أو قل حلفاء الاخوان في العموم, وأغلبهم من قادة القوى السياسية الـ"إسلامية", أو هكذا يدعون أنفسهم. رفقاء قادة الاخوان في درب سرقة الثورة, وتفريغها, وتشويه صورة أبطالها, والتحالف مع أعدائها, وتسفيه شهدائها, والدفاع عن فاقئي عينها . بدأوا معهم رحلة الخداع في نعم الاستفتاء, مرورا بكل أشكال التكفير والاستعداء, وقوفا عند مذابح ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وبورسعيد وشارع منصور, وصولا لسلق الدستور. أولئك قبلوا الاستبداد لأنهم وعدوا بقبوله.

3- المتوهمون:
أو المخدوعون. يخوضون حربا ضروسا حدودها داخل رؤوسهم. نهارهم وليلهم يصارعون أشباحا, لا يراها غيرهم. مؤمنون وواثقون من المؤامرة الكونية ضدهم, أكثر من إيمانهم بوجودهم. يخشون أن يلقوا سيوفهم لئلا يطعنهم العدو الخفي في ظهورهم.  أولئك قبلوا الاستبداد خوفا وذعرا لئلا يتمكُّن منهم أعدائهم.

3- المنافقون:
أو المطبلاتية. وهم بيننا في كل زمان ومكان. يبحثون عن صاحب السُلطة ويتشممون رائحته, فيداهنونه, ويتقربون إليه, متطلعين لعطاياه, أو متجنبين بطشه. يدافعون عن سقطاته, ويبررون خطاياه, يمدحونه ويعظمونه ويألهونه من دون الله. أولئك قبلوا الاستبداد لأن ليس لهم ربّاً إلاه.

5- المائعون:
أو الضعفاء. يذهبون حيث يأخذهم التيار, يضعون كرامتهم تحت حذاء الاستقرار. كما يسير الاصدقاء فهكذا يسير. أو ينتظر من يغلب, فيؤيده, فيفرح بكونه مِن الغالبين. قد يرفض اليوم ويؤيد غدا, أو يؤيد اليوم ويرفض الغد ويؤيد بعد غد. مائعون, غير ثابتين, مبادئهم تائهه وسط الضجيج. أولئك قبلوا الاستبداد لأنهم هكذا وجدوا من حولهم يفعل.

6- الكارهون:
يرفضون الاستبداد لكن لا يقدرون إلا على قبوله, لأنهم يكرهون رافضيه. لن يقف بين من يكرهم وإن علم انهم على حق. يفضّل أن يلعنهم وإن عرف انه على ضلال. إن قالوا يمين, قال يسار. وإن قالوا سيء قال جيد. هو ليس فعل بل ردة فعل. أولئك قبلوا الاستبداد لأن من يكرهونهم رفضوه.


إن كنت ممن يحبون الحرية, ولكن تتقبل الاستبداد الجديد, كحل "مؤقـت" أو كثمن لتطهير القضاء أو لبناء مؤسسات الدولة والوصول للديمقراطية إلى أخرها من تلك الترهات, فعليك أن تدرك أن:
لا تتحقق الديمقراطية بالديكتاتورية, ولا تُنشد الحرية بالاستبداد, ولا تُبنى الدولة باللادولة. فقط, كن صريح مع نفسك وضعها في أحد طوائف ميؤيدي الديكتاتورية.

أو عد لرشدك وكن بين الاحرار

الاثنين، 5 نوفمبر 2012

المعنى

سـ : إذا سمعت أو قرأت عبارة ما, كيف تحكم إذا كانت صحيحة أم خاطئة؟
جـ : تكون العبارة صحيحة إذا كانت تعبر عن الواقع, وخاطئة إذا لم تكن تعبر عن الواقع.

إذا سأل أحدهم في أي عام قامت ثورة 1919. وقيل له: في عام 1337.
الحكم المبدأي أن الإجابة خاطئة بل وغبية.  لكن عليك أن تسِّلم أنها صحيحة إذا علمت أن العام في السؤال كان ينسب للميلاد بينما في الإجابة نُسب للهجرة.

فماذا نعني بأن ثورة 1919 قامت في عام 1919 للميلاد أو 1337 للهجرة, حتى نحكم بأنها عبارة صحيحة؟
الـرقم 1919 في ذاته ليس إلا رقم, مجرد, بلا معنى حقيقي, لكنه هنا يستمد معناه من خلال تعبيره عن فترة زمنية محددة, بدأت منذ حدوث حدث معين وهو ميلاد المسيح في بيت لحم وانتهت بحدوث حدث معين آخر وهو خروج المصريون غاضبون في أنحاء الجمهورية احتجاجا على الإنجليز وغضبا لنفي سعد زغلول. وكل وِحدة في هذا الرقم تعبر بدورها عن فترة زمنية محددة, وهي الفترة ما بين توسط نجم الشعري اليماني السماء مرتين متتاليتين, أو تعاقب فصول السنة الأربعة في دورة كاملة, وبعد كوبرنيقوس, أصبح هناك تعريف علمي لتلك الوحدة وهو الفترة الزمنية اللازمة لتتم الأرض دورة كاملة حول الشمس.

وما قلناه عن 1919 نقوله عن 1337 لكن بعد تغيير بعض المعاني, وهي حدث البداية, والفترة الزمنية التي تعبر عنها كل وِحدة في الرقم, ألا وهي, ميلاد القمر وموته من هلال إلى محاق 12 مرة متتالية, أو علميا هي إتمام القمر 12 دورة كاملة حول الأرض.

وهنا نصل للاستنتاج الأول وهو: الحكم بصدق العبارة أو كذبها لا يتوقف على كلماتها, بل على المعاني التي تعنيها هذه الكلمات.
إن كنت توافقني هذا الاستنتاج استمر معي..

* * *

سـ: هل للكلمات معاني مطلقة؟ أو بالبلدي, هل المعنى لازق في الكلمة؟

وأنا صغير كنت بلعب لعبة مع نفسي, اختار اي كلمة, شجرة مثلا, واقعد اقولها كتير, شجرة شجرة شجرة ... اقعد 10 دقايق أو ربع ساعة افضل اقول شجرة شجرة شجرة, وعشان ما ازهقش ممكن اركب الكلمة على لحن أغنية واقعد اقول واعيد وازيد شجرة شجرة شجرة ..., وبعد ما اخلص اهدا كدة لمدة ثواني واغمض عيني, بعد كده افتح عيني فجأة واقول شجرة!. ساعتها بحس احساس مخلتف عن الاحساس اللي كنت بحسه زمان لما بسمع "شجرة", بحس ان عقلي مابقاش يتعامل مع الكلمة بنفس البساطة اللي كان بيتعامل بيها مع نفس الكلمة زمان. وكأني بتكرار الكلمة كتير, اجبرت عقلي على فصل الكلمة عن معناها. معرفش إذا كانت ديه حاجة خاصة بيا وحدي ولا ديه خاصية جديدة في العقل البشري اكتشفتها! .. عالعموم ممكن تجرب وتقولي.

اللي عايز اقوله ان الكلمة حاجة, ومعناها حاجة تاني. فالكلمة وعاء المعنى.

فمثلا كلمة شجرة ( الشين والجيم والراء والتاء المربوطة) ليس فيها أي دلالة عن ذلك الكائن الحي الذي يتكون من جذر وساق وأوراق, ويمتص الماء والأملاح من التربة ويقوم بعملية التمثيل الضوئي ويحول ثاني أكسيد الكربون إلى أكسجين.. تلك الدلالة ليست موجودة في الكلمة ذاتها بل في عقلي وعقلك, تلك الدلالة اكتسبناها أنا وأنت عن طريق المعرفة.

ولكي أدلل على ذلك ادعوك لتأمل تلك الكلمة: () تأملها جديا وحاول أن تستنبط ما تعني, بالطبع ستفشل لأنها لا تمثل لك إلا طلاسم وهي بلا معنى في ذاتها, لكنها تعني للصيني شجرة لأنه لديه تلك المعرفة التي تربط ما بين هذا الشكل وبين الكائن الحي الذي .. إلخ.

والآن أصل للاستنتاج الثاني هو: لا يوجد ثمة علاقة عضوية بين الكلمة ومعناها, بل هما شيئان مختلفان, تربطهما علاقة توجد في العقل تُكتسب عن طريق المعرفة.
إن كنت توافقني الاستنتاج الثاني استمر معي..

* * *

سـ: مادامت الكلمة شيء ومعناها شيء آخر, هل من المقبول تغيير معاني الكلمات؟ وإن كانت الإجابة بنعم , فإلى أي مدى؟

سوف أضرب هنا مثالين:
مثال (1): تخيل طالب في الصف الثاني الإعدادي يحل مسألة في الجبر يحسب فيها متوسط عدد ضربات قلب الفيل في الدقيقة وتوصل لنتيجة وهي انها = (س / 12) .. حيث (س) تساوي متوسط عدد ضربات قلب الفأر في الدقيقة.
هنا نجد أن الطالب وضع معنى جديد لـ(س) غير المعنى المألوف, وهذا التغيير في المعنى مقبول.

مثال (2): ذهبت فتاة للخياطة في ليلة رأس السنة وطلبت منها تفصيل فستان للعيد, وعندما سألتها الخياطة عن طولها أجابت: طولي 85 كيلومتر .. حيث (الكيلومتر) يساوي طول عقلة ونصف من سبابتي.
تعريف الفتاة الجديد للـ(كيلومتر) غير مقبول للفطرة السليمة, وإن حدث هذا الموقف في الحقيقة سيُحكم عليها إما بالخبل أو الاستظراف.

والسؤال الآن: لماذا تقبل الفطرة السليمة المعنى الجديد في المثال الأول ولا تقبله في المثال الثاني؟

كل معنى يستمد مشروعيته عن طريق العقول التي تحتوي على العلاقة بينه (أي المعنى) وبين الكلمة التي تحتويه. أو بكلامات أخرى هناك معاني يتم تعريفها على مستوى الفرد, وهذا هو الحال في المثال (1) عندما اختار الطالب الكلمة "سين" ليعبر عن أمر ما. وهناك معاني لكلمات معروفة على مستوى مجموعة من الناس, فمثلا الكلمة "يكش" لها معنى عند بعض المصريين, وقد يختار شعب من الشعوب أن يمنح لتلك الكلمة معنى آخر وهذا لا يضيرنا في شيء.

وهناك كلمات لها معنى على مستوى اللغة, مثل كلمة "" فهي ذات معنى عند الصينيين لكن عند غيرهم بلا معنى. وهناك كلمات لها معنى موحد على مستوى العالم مثل "كيلومتر" ولا يجوز لأحد تغيير معناها كما يحلو له وإلا اختلّت المسافات وفسدت القياسات, ولأجل هذا, يوجد معاهد متخصصة مسؤوليتها وضع تعريفات واضحة وجلية للكلمات ذات المعنى العالمي, كلٍ في مجاله. وحيث أنه لا توجد كائنات عاقلة خارج كوكبنا –على الأقل هذا ما نعرفه الآن- فسأعتبر الكلمات العالمية هي الأوسع نطاقا.

بيد أن معاني الكلمات لا يتوقف فقط على المكان, بل هناك معاني تتوقف على الزمان, فهي تولد وتموت. فمثلا كلمة "قبل الميلاد" لم تكن ذات معنى قبل ميلاد المسيح. ومعنى كلمة "أثير" مات بعد اكتشاف العلماء أن ما يملأ المسافات البينية في الكون هو الفراغ, أي اللاشيء.

وهنا نصل للاستنتاج الثالث وهو: من حق جماعة من البشر تغيير معنى كلمة, إذا, وفقط إذا, استمدت تلك الكلمة معناها من خلال تلك الجماعة مكانا وزمانا.
وهذا هو الاستنتاج الأخير.

* * *

بعد الوصول للاستنتاجات الثلاثة وتوضيح أسبابها, اعتقد أن الوقت قد حان كي أقفز قفزة أخرى تجاه الهدف المنشود من المقالة وأقول أن: الكلمة مظهر, والمعنى جوهر.



لماذا؟
لان الكلمة ليست إلا نغمة مسموعة, أو شكل مقروء, تدخل إلى العقل عن طريق أحد الحواس الخمسة, فيستقبلها العقل, ويبحث في معارفه حتى يجد ذلك المعنى الذي تدل عليه تلك الكلمة, فيعقله, ويدركه, ويفهم القصد من تلك الكلمة.

فالكلمة مشير والمعنى مشار إليه. الكلمة محتوي والمعنى محتوىَ. الكلمة أداة والمعنى غاية. الكلمة وسيلة والمعنى هدف. الكلمة مظهر والمعنى جوهر.

أترك الآن النظريات المجردة وأهبط إلى أرض الواقع حيث كنت واقفا .. على تلك البقعة من الأرض التي اصطُلح تسميتها مصر.
نحن في مصر نعاني من مرض, مرض عضال, وهو الاهتمام بالمظهر دون الجوهر.

كيف؟
رأينا في زيارة مرسي الأخيرة لاسيوط كيف تم تجميل شارعين في المدينة حتى تظهر بمظهر حضاري, غير مهتمين أن المحافظة بها أعلى معدلات فقر في الجمهورية.
وهذا ليس جديدا, فمنذ أن كنا تلاميذ كنا نهتم أن نظهر بمظهر جميل إذا زار مدرستنا وفد من الإدارة التعليمية مهملين مستوى تعليم الطلاب المتدني. وكذلك الحال في الكليات والمعاهد العسكرية, ليس المهم مستوى التدريب بقدر الاهتمام أن العرض الذي سيشاهده القائد الأعلى يكون على درجة عالية من الإتقان.. وهكذا تستطيع أن تضرب مئات الأمثلة من حياتنا اليومية نهتم فيها بالمظهر ونهمل الجوهر.

وفي الدين أيضا, ما نهتم به إطلاق اللحى وارتداء ما نعتقد انه الزي الديني, وأداء الصلاوات في مواقيتها والإلتزام بالأصوام, ونهمل جوهر العبادة وهو التقرّب الحقيقي لله. وفي هذا صب المسيح الويلات على المهتمين بالمظهر دون الجوهر في الأمور الدينية حين قال: ويل لكم لأنك تعشّرون النعنع والكمون وتركتم الحق والرحمة والإيمان, ويل لكم لأنكم تصفّون عن البعوضة وتبلعون الجمل, ويل لكم أنكم تشبهون قبور جميلة من الخارج ومن الداخل مملوءة نجاسة.

حسنا حسنا ,لست أنوي تحويل المقال لخطبة دينية, فقط أريد أن أبرهن ان فيرس الاهتمام بالمظهر دون الجوهر أصابنا في كل شيء.

* * *

لذلك نحن نهتم بالكلمة ولا نهتم المعنى, نؤلف معاني على هوانا للكلمات ونصدقها, ونغير معاني كما يحلو لنا ثم نتخذ مواقف إذاء تلك الكلمات تبعا للمعاني التي ابتدعناها وصدقناها باطلا.

فتجد أحدهم مستعد أن يبذل حياته من أجل كلمة, وأخر يهدد بأنهار من الدماء من أجل كلمة, وأخر يخوِّن ويكفِّر ويحقِّر ويستعدي لأجل كلمة, وإذا سألته عن معناها فتح فمه كببغاء, وردد كلمات سمعها من ببغاء آخر لا يتعدى منطقها حدود فمه.

هو يكره العلمانية لكن ما هي العلمانية؟ لا يعلم. ما هي أنواعها؟ لا يعلم. هل هناك درجات ومذاهب ومدارس للعلمانية؟ لا يعلم. لكنه يكرهها بنفس درجة كرهه للبيرالية .. التي لا يعلمها أيضا... (للاسف الليبرالية ليست هي ان أمك تقلع الحجاب أيوة أمك انت, بل هو مصطلح عالمي مثله مثل الكيلومتر!).

حرب ضروس تدور رحاها من أجل كلمة في الدستور. ماذا تعني؟ لا يعلم. لكنه يعلم أنها لابد أن توجد حتى يطبق الشريعة؟ لكن كيف سيطبقها؟ لا يعلم. من سيطبقها؟ لا يعلم. متى سيطبقها؟ لا يعلم. وما هي خطوات العملية لتطبيقها؟ لا يعلم. كل ما يعلمه هو صورة ذهنية يوتوبية مثالية يتحسس آثارها فيما قيل له عن الماضي.

ومن المثير للضحك والشفقة على الحال في مصر أن الجميع يريد مصر دولة مدنية, لكن ما هي الدولة المدنية؟ فلا أحد يعلم.
فالدولة المدنية عند المدعوين سلفيين هي تطبيق الشريعة بحذافيرها, وعند المدعوين اخوان هي الدولة التي يحكمها رئيس منتخب (بشرط يكون مرسي), وعند المدعوين ليبراليين هي الدولة التي تحتكم لقوانين غير دينية, وعند المدعوين أقباطا هي إلتجائهم لقوانينهم في الأحوال الشخصية.. وهكذا يهيم كل فريق في معانيه الخاصة والنتيجة هي ما نراه يحدث الآن على الساحة السياسية في مصر...عبث.


عزيزي المواطن المصري الفتّاي: إذا سمعت عن كلمة ولست تعلم المعنى الرسمي لها, فلا تعتقد ان معرفتك لها هي أكثر من معرفتك لـ (自由主義) ولا تصدق ببغاء يتحدث بثقة مدعيا إمتلاك اليقين.
عزيزي المواطن المصري الفتّاي: حكمك على أي قضية بالصدق أو الكذب هو حكم بلا قيمة مادمت لا تعرف المعاني المصطلحة لكلمات تلك القضية وليس من حقك تغيير معاني كلمات اتفق العالم على تعريفها طبقا لهواك أو معارفك السطحية.

أعزائي المواطنون المصريون الفتّايون (وأنا أولكم): كفّوا عن العراك والسباب من أجل أشياء لا تعلمونها, واقضوا أوقاتكم في تحصيل المعرفة, ثم تعاركوا, لعل عراككم يأتي بفائدة... يكش نفلح.

الاثنين، 1 أكتوبر 2012

أفكار متعسرة - هل أنا مخير أم مسير؟ ومبدأ اللا يقين


زمان وانا صغير كنت بقول لنفسي: مش ربنا عارف كل حاجة؟ عارف كل حاجة حصلت وهتحصل؟
طيب أنا دلوقتي لو مسكت بونبوناية وقررت اني أحطها في إيد من إيدا .. هل ربنا هيكون عارف مسبقا أنا هحطها في أنهي إيد؟
ماهو لو ربنا كان عارف مسبقا اني هحطها مثلا في إيدي اليمين, فتفكيري ملوش قيمة! لأني لو فكرت دقيقة هحطها في اليمين, وإذا فكرت ساعة هحطها في اليمين, وإذا قعدت افكر 3 ايام برضة في آخر هحطها في إيدي اليمين .. وبما أن ربنا عارف كل حاجة مسبقا فأنا مش مخير!

بس في نفس الوقت .. أنا في كل لحظة من لحظات التفكير أملك الحرية الكاملة اني أحطها في ايدي اليمين أو الشمال, ومفيش أي قوة تؤثر عليا أو تدفعني ان احطها في ايد معينة .. إذا أنا مش مسير .. انا مخير!

الأفكار ديه كانت في دماغي وانا صغير ,, جايز اكون ماكنتش اعرف مصطلح "مخير ومسير" وجايز أكون ماكنش عندي القدرة الكافية إني اصوغ الإشكالية في الفاظ لكن كانت في عقلي ... 
ودلوقتي لما كبرت ومعرفتي زادت وصلت لحل اعتقد انه مرضي ليا شخصيا نوعا ما .. قلت أشيره يمكن رينا يكون فتح على حد يقولي رأيه ينفعني بيه

بس قبل ما أقول الرأي اللي انا مقتنع بيه حاليا هقول مقدمة بسيطة كده لتاريخ الرأي ده..
زمان في العصور القديمة كان الناس بيؤمنوا ان فيه قوة علية مسيطرة على الكون ومتحكمة فيه .. فيه شعوب آمنت ان القوة ديه هي الله, وشعوب قالت القوة ديه هي الآلهه, وشعوب قالت القوة ديه هي الطبيعة, وشعوب قالت النار أو الشمس أو القمر وشعوب رفضت تسمية القوة العليا ديه لكنها آمنت انها موجودة.

كانت الشعوب بتفسر البرق والرعد والمطر وزلازل والبراكين والفيضانات والأمراض انها إرادة القوة العلية وان الظواهر ديه بتحصل في وقت ما لغرض معين تعلمه القوة العلية.
فضل الحال على كده لحد انفجرت الثورة العلمية على إيد جاليليو وكبلر ونيوتن في القرن السبعتاشر ..
الثورة العلمية مش نظريات وقوانين وتجارب واختراعات زي ما ناس كتير فاكرة .. لأ .. الثورة هي "فكرة" .. فكرة أن الكون يخضع لقوانين

فيه قوانين بتحدد مسارات الكواكب وحركاتها .. قوانين بتحدد سرعة الأجسام .. الجسم المقذوف نقدر بالقانون نعرف هيكون فين وامتى وازاي بكل دقة.. قوانين بتحدد كمية الطاقة وقوانين بتحدد شدة الضوء وقوانين للأطياف وقوانين للأصوات كل حاجة في الكون تخضع لقوانين صارمة .. والكون ملهوش الحق ولا القدرة ولا الجرءة انه يكسر قانون من القوانين.


زادت ثقة الانسان بنفسه وبدأ يعتقد انه في مقدورة يعرف أي حاجة, أي حاجة, في أي وقت سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل إذا توافرت عنده المعطيات المناسبة  والقانون الصح.

بدأ بعدها الإنسان يكفر بالقوى العليا .. خلاص ماعدش ليها لزمة ..وانتشر الإلحاد.. زمان كان فاكر ان الكون يخضع لإرادة عليا طلع بيخضع لقوانين رياضية وفيزيائية ويقدر يتنبأ بالطقس والزلازل والأعاصير, ومش بس كده ..

الإنسان زاد جبروته وغطرسته وبقى بيعتقد ان مش بس العلوم الطبيعية, لأ , كمان العلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسية كلها تخضع لقوانين وبدأت تتطور نظريات علم النفس اللي بتفسر السلوك الإنسان وكان ليها قدرة على التنبؤ بسلوك الأفراد بقدر معين من الدقة , برضة إذا توافرت المعطيات والقانون.

فضلت البشرية كده تتكبر وتتكبر وتتغطرس وتنتفخ وتتشامخ لحد ما خدت على دماغها ..
مين اداها على دماغها؟
قولت انت مين؟
فكر كمان شوية !!
.
ماكس بلانك


ماكس بلانك ينسب ليه الفضل الأكبر في نظرية الكم .. كان من أهم نتائج نظرية الكم هو مبدأ "اللا يقين" اللي صاغه هاينزبرج
Uncertainty principle

هو مبدأ علمي بحت, لكن العلم والفلسفة توأم ملتصق وبالتالي كان ليه بعد فلسفي خطير.
المبدأ بيقول ان الإنسان ليس لديه القدرة على معرفة كل شيء بدقة 100%ـ

على سبيل المثال:
لو تم قذف فيض (ملايين) من الإلكترونات على سطح مايل فالنظريات العلمية ممكن تتنبأ ان مثلا 60% هينعكسوا و 30% هينكسروا و10% هيمتصهم الجسم.

لكن لم تم قذف إلكترون واحد, لا توجد طريقة يمكن بيها التنبوء بسلوكه .. فسلوك الإلكترون الوحيد بيخضع لقانون واحد اسمه "اللا يقينية" .. بالتالي كبرياء الإنسان تحطمت على صخرة اللا يقينية العلمية.

أرجع تاني للبونبوناية وأسال: هل أنا ليا حرية الاختيار أحطها في ايدي اليمين أو الشمال؟
في ضوء مبدأ "اللا يقين" وحيث أن العلم والفلسفة توأم ملتصق هقول:ـ
يمكن التنبؤ بسلوك الجماعة لكن لا يمكن التنبؤ بسلوك الفرد
يمكن التنبؤ بحصلية مجموعة من الأحداث لكن لا يمكن التنبؤ بنتيجة حادثة واحدة.

هناك قوانين تحكم المجاميع لكن لا توجد قوانين تحكم المفردات.
وبالتالي -نسبيا-  أنا لي حرية كاملة وتامة أحط البونبوناية في ايدي اليمين أو الشمال لكني مازلت مسير في حياتي كلها كمجموع ..
ايه رأيكم في الكلام ده؟ ينفع ولا ما ينفعش؟

السبت، 22 سبتمبر 2012

المرأة الزانية


فجأة, وبدون أي إنذار, كـُـسر باب الغرفة وبعد لحظات كانت الغرفة ممتلئة ببعض الرجال والصبية الذين جاءوا لمشاهدة الحدث. وفي غفلة ستر الرجل عورته وقفز من النافذة مسرعا لأنه كان شابا قويا وهرب ولم يتبعه أحد.

اجتمع الرجال حول المرأة دون أن ينبث أحدهم بكلمة وألبسوها وأقتادوها خارجا حيث كان ينتظرهم بعض الشيوخ الذين ارتسمت على وجوههم علامات الاحتقار والتقزز وألقوا بها أمامهم.

تكلم كبير الشيوخ ذو اللحية الكثيفة البيضاء والملابس الزاهية المزركشة, تكلم بصوت عالي جهوري أسكت جميع الهمهمات وقال:
-          كم لدينا من الشهود؟
ثم سأل ثانية بصوت أعلى:
-          أي عقاب تستوجب تلك الزانية؟
فعلت الأصوات من حوله وسُمع وسط الضجيج:
-          ترجم, ترجم, ترجم بالحجارة حتى الموت.
وبالفعل تناول بعض الصبية حجارة من على الأرض وبدأوا يقذفونها لكن كبير الشيوخ زجرهم بقوة أعادت الهدوء مرة أخرى للمكان. وبوجه ترى في تجاعيده أقصى درجات الصرامة والجد وبعينين يملئهما الشرر استدار كبير الشيوخ, فتبعه بقية الشيوخ ثم الرجال وأخيرا الصبية. وقد وضعوا المرأة على ملاءة حتى لا يتنجس أحدهم بلمسها وسحبوها معهم في وسط الموكب وساروا خلف كوكبة الشيوخ.

الموتُ للزانية .. إلى الجحيم أيتها العاهرة .. انزعوا الشر من وسطكم وأرسلوا تلك الفاجرة لجهنم مع الأبالسة.

تلك هي العبارات التي كانت تُسمع إذا ما مر الموكب بجوار أحد البيوت, بينما الأطفال يهيلون على المرأة التراب ويبصقون عليها ويسبونها بأقذع الألفاظ. كبر الموكب وعظم جدا حتى صار جمهور كثير وأخيرا وصل لأحد البيوت عند الطرف الآخر من المدينة. 

توقف كبير الشيوخ ورفع يده اليمنى دون أن ينظر للخلف في إشارة للجمهور ليصمت. انخفضت الأصوات شيئا فشيئا حتى ساد السكون.

تقدم الشيوخ ودخلوا البيت الذي كان مفتوح الباب, ثم تبعهم الرجال حاملين المرأة الزانية على الملاءة وتركوها في وسط البيت.

كان جالسا على الأرض في أحد الأركان رجل في أوائل الثلاثين من عمره, يرتدي جلباب أبيض بسيط يتحدث مع قليل من الرجال والنساء الذين جلسوا حوله. أفزعهم صوت الجمهور بالخارج ثم دخول كبير شيوخ المدينة وبعض الرجال حاملين تلك المرأة المتسخة ذات الثياب المهلهلة والمنظر القبيح والرائحة العفنة.

هز كبير الشيوخ رأسه وقال بكثير من الاستعلاء مخاطبا الرجل ذو الجلباب الأبيض بينما كانت المرأة الزانية ملقاة بينهم:
-          يا مُعَلـِّم (قالها بسخرية لأن هكذا كان يدعوه أتباعه) تلك المرأة أُمسكت في ذات الفعل.
ثم رفع يديه إلى السماء وقال بصوت زلزل جدران البيت وسُمعت أصداءه في آذان كل الجمهور الواقف في الخارج:
-          شرع الله يأمر أن تلك المرأة ترجم للموت.
ثم خفض يديه وصوته وأضاف بهدوء وبكلمات متقطعة:
-          فماذا .. تقول .. أنت؟


 أطرق الرجل الجالس عند الركن وأخد يكتب بأصبعه على الأرض لكن كلمات كبير الشيوخ ألقت الرعب في قلوب الجميع خاصة تلك المرأة الشابة الجالسة عن يمين المُعلم ..

كانت على قدر واسع من الإطلاع وعلى دراية بالكتب المقدسة .. كانت تعلم جيدا أن تلك المرأة حقا تستوجب الموت رجما بالحجارة حسب النصوص الإلهية .. لكن معرفتها وإيمانها بشرائع الله المقدسة تلك اصطدمت في داخلها بشريعة أخرى, شريعة مغروسة في أعماقها عميقة عميقة جدا, شريعة غير مكتوبة لكن ثقتها فيها غير متناهية .. شريعة فطرية إنسانية ترفض رفضا قاطعا أن تُقتل تلك المرأة.

أي عذاب هذا وأي نار تلك؟ صراع نفسي رهيب .. هل شريعة الله حقا توجب رجمها؟ّ! بلا رحمة ولا شفقة؟؟ كيف يعطنا الله شريعة مكتوبة على ورق تخالف تلك الشريعة المغروسة في القلب؟ هل أنا أحنَّ على تلك الخاطئة من الله؟

كانت تلك الأفكار تتصارع في داخلها واشتدت دقات قلبها حتى هُيء لها أن الجميع يسمعها وابتدأت ترتعش كل أطرافها ثم أتتها موجة أخرى من الأفكار.

لعل تلك النصوص المقدسة ليست مقدسة, وما هي إلا خدعة ألفّها الأجداد ثم سار عليه الأباء وليس هناك شريعة إلا شريعة القلب الداخلية .. أو من يدري؟ فلعل ذلك الرجل الجالس بجواري ليس إلا دجال يتلاعب بمشاعر البسطاء يريد أن يعصينا على شرائع الله المقدسة .. ولكن .. كيف وهو يدعو للحب والتسامح يكون كذاب؟! أوه يا إلهي.

كان العرق يتصبب من جبينها وارتجفت شفتاها من فرط الإضطراب لو يعد لها أن تتحكم في نفسها على الإطلاق ثم أطاحت برأسها أفكار غريبة.

لعل الشريعتان باطلتان, وتلك المرأة الزانية لم تخطيء بل فعلت الصواب وعين الصواب! .. أو لعل الشريعتان حق! شريعة الله مقدسة وشريعة القلب الفطرية .. فلماذا إذا شيوخ المدينة بتلك القسوة والغلظة يريدون قتل المرأة المسكينة .. لعل لها عذر! أو لعل راجميها أخطيء منها .. لكن مَن يقف لهم ومَن يواجههم بأخطائهم ليتضعوا .. من يقدر أن يقف أمام كبير الشيوخ بكل رهبوته ويحاججه رغم جبروته؟!

قطع أفكارها صوت كبير الشيوخ وقد استولى عليه الغضب والسخط وهو يصرخ:
-          ماذا تقول أنت؟ ماذا تقول أنت؟